2026 أغسطس/أوت 30 - تم تعديله في [التاريخ]

حرائق القبائل ومحيطها بين 12 و73 قتيلاً.. والجزائر تبحث عن المغرب وملكه بدل البحث عن حقيقة النار

لماذا تركزت وفيات الحرائق في تيزي وزو وبجاية وجيجل؟ وكيف انتقلت الحصيلة من 12 قتيلاً في الإعلان الرسمي الأول إلى 73 ضحية وثقتها بلدية الجمعة بني حبيبي وحدها؟ وبينما تبحث العائلات الجزائرية عن موتاها وحقيقة ما جرى، لماذا يصر بعض الإعلام الجزائري على البحث عن المغرب وملكه وسط النيران؟ أسئلة حارقة يطرحها بوشعيب حمراوي في مقال جديد.



*بقلم: بوشعيب حمراوي*
لماذا تركز الموت في منطقة القبائل ومحيطها؟ ولماذا قفزت الحصيلة من 12 قتيلاً في الإعلان الرسمي الأول إلى قائمة بلدية تضم 73 ضحية في جيجل وحدها؟ ولماذا يصبح الحديث عن شؤون المغرب وملكه حاضرًا كلما اشتد الاحتقان داخل الجزائر؟

لا أستطيع أن أنظر إلى ما جرى في الجزائر خلال الأيام الأخيرة باعتباره مجرد موجة عابرة من حرائق الغابات انتهت بانخفاض درجات الحرارة أو بتدخل طائرات الإطفاء، ولا أستطيع كذلك أن أتعامل مع خريطة الضحايا كما لو كانت مجرد أرقام موزعة اعتباطًا بين الولايات؛ لأن هناك تفاصيل كثيرة، حين توضع جنبًا إلى جنب، تجعل السؤال واجبًا، والشك مشروعًا، والصمت الصحفي نوعًا من الهروب من مسؤولية التفكير.

أنا أمام حرائق واسعة، وأمام منطقة جغرافية محددة دفعت الثمن الأكبر، وأمام حصيلة رسمية أولية قالت شيئًا، ثم قائمة اسمية أصدرتها بلدية الجمعة بني حبيبي وقالت شيئًا آخر مختلفًا تمامًا، وأمام رئيس دولة عاجز أو ربما متواطئ، بات لا يستبعد وجود أياد إجرامية لتبرير القتل والدمار. ثم أمام إعلام جزائري مأجور يجد، وسط كل هذا، مساحة للهجوم والتهجم على المغرب وملكه، وكأن المشكلة الحقيقية توجد غرب الحدود، وليس وسط غابات جيجل وبجاية وتيزي وزو.

* كل القتلى في الحصيلة الرسمية الأولى سقطوا في حزام واحد.. لا أعتبر الجغرافيا صدفة عابرة

الحصيلة الرسمية الأولى تحدثت عن 12 قتيلاً: خمسة في جيجل، وأربعة في بجاية، وثلاثة في تيزي وزو.

أي إن سبعة قتلى من أصل اثني عشر، بنسبة 58.3 في المائة، سقطوا في بجاية وتيزي وزو وحدهما، وهما من قلب منطقة القبائل، بينما سقط الخمسة الآخرون في جيجل المجاورة مباشرة لبجاية. بمعنى آخر، فإن جميع الوفيات التي تضمنها الإعلان الرسمي الأول تركزت داخل حزام جغرافي متصل تقريبًا، يمتد من تيزي وزو إلى بجاية ثم جيجل.

لكن الوقائع اللاحقة جعلت الصورة أكثر فداحة وإثارة للأسئلة، بعدما أعلنت بلدية الجمعة بني حبيبي بولاية جيجل قائمة اسمية تضم 73 ضحية، ودعت عائلاتهم إلى التوجه إلى المؤسسات الاستشفائية لاستكمال الإجراءات المتعلقة بتسلم جثامين ذويهم. كما جرى، بعد صلاة الجمعة، تشييع 39 من ضحايا الحرائق في دفن جماعي حضره الوزير الأول سيفي غريب وجمع غفير من المواطنين.

الجزائر ليست هذه الولايات الثلاث فقط، والجزائر تملك مساحات غابوية واسعة في ولايات أخرى، بعضها عرف تاريخيًا حرائق ضخمة، ومع ذلك لم نشهد في الموجة نفسها تمركزًا مماثلاً للوفيات فيها.

ومن حق كل متابع أن يسأل: لماذا هنا تحديدًا؟ القول إن المنطقة غابوية لا يكفي لإغلاق الملف.

هناك تلمسان، وسيدي بلعباس، والمدية، وعين الدفلى، والبليدة، وتيبازة، وباتنة، وتيسمسيلت، وغيرها من المناطق التي تتوفر على مساحات غابوية مهمة، وبعضها سجل تاريخيًا عشرات الآلاف من الهكتارات المحترقة.

لكن المشهد الذي صنع المأساة الأكبر هذه المرة تركز شرقًا، وفي نطاق يحتضن قلب منطقة القبائل ومحيطها المباشر. أنا لا أقول إن هذا دليل على وجود مؤامرة، لكنني أرفض أيضًا الطريقة السهلة التي تقول: «غابات كثيفة، إذن الموضوع انتهى».

فالتحقيق يبدأ تحديدًا عندما تصبح الصدفة متكررة، أو عندما تتجمع عوامل كثيرة داخل الرقعة نفسها.

فالقبائل ليست مجرد مساحة جبلية خضراء داخل الجزائر. إنها منطقة ذات تاريخ سياسي وثقافي خاص، وتوجد داخلها حركة سياسية انفصالية تتبنى مشروع تقرير المصير، وتصنفها السلطات الجزائرية منظمة إرهابية.

وهذه الحقيقة وحدها تجعل أي كارثة استثنائية تضرب المنطقة مطالبة بأقصى درجات الشفافية.

ولهذا فإنني أرى أن السؤال عن احتمال استهداف المنطقة أو استغلال حرائقها لا ينبغي أن يصبح من المحظورات. ليس لأن لدينا اليوم دليلاً على الاستهداف، بل لأن لدينا معطيات تجعل البحث فيه مشروعًا.

بل إن الرئيس عبد المجيد تبون نفسه أعلن أنه لا يستبعد وجود أياد إجرامية وراء الحرائق، وهذا يجعلنا نشك حتى في رواية الرئيس. وطبعًا لا نستبعده من لائحة المتهمين.

فإذا كان رئيس الجمهورية لا يستبعد الفعل الإجرامي، فلماذا ينبغي للصحفي أو الكاتب أن يستبعد طرح الأسئلة؟

* من 12 قتيلاً في الإعلان الأول إلى 73 ضحية في بلدة واحدة.. هنا لا نتحدث عن خطأ في الجمع

ثم نصل إلى الرقم الذي أراه الأكثر إثارة للشك. السلطات الجزائرية أعلنت، في حصيلتها الرسمية الأولى، سقوط 12 قتيلاً في الجزائر كلها. وبعد ذلك، أصدرت بلدية الجمعة بني حبيبي بولاية جيجل قائمة اسمية تضم 73 ضحية، في حصيلة مؤقتة مرشحة للارتفاع.

والفرق شاسع بين العددين. نحن أمام رقم في بلدة واحدة يزيد بأكثر من ستة أضعاف على الحصيلة الوطنية الرسمية الأولى.

والأخطر أن الحديث لم يعد يقتصر على رقم متداول في صفحة مجهولة؛ فقد نشرت البلدية قائمة بأسماء الضحايا، وجرى دفن 39 شخصًا جماعيًا بعد صلاة الجمعة، كما تحدثت معطيات ميدانية عن مصرع 21 فردًا من عائلة واحدة.

فكيف يمكن لعقل أي قارئ أن يمر أمام هذه المفارقة دون أن يتوقف؟

كيف يكون عدد القتلى الرسمي المعلن أولاً في جيجل خمسة، بينما توثق بلدية واحدة داخل الولاية 73 ضحية، وتشيع في يوم واحد 39 شخصًا؟

ربما تكون هناك أسباب إدارية. ربما تأخرت الحصيلة الرسمية الوطنية عن استيعاب الأرقام القادمة من البلديات والمستشفيات. ربما واجهت السلطات صعوبات في التعرف على الجثث المتفحمة. وربما لا تزال عمليات البحث عن المفقودين مستمرة.

كل هذا ممكن. لكن لو كان الإعلام الجزائري مركزًا على شؤون بلده ومشاغله، عوض الخوض في شؤون دولة ذات سيادة، لتم ضبط عدد القتلى ومحاورة أهاليهم وكشف أسباب هذا التفاوت المخيف.

لكن المستحيل، في رأيي، هو أن يُطلب من الناس اعتبار هذا الفارق أمرًا عاديًا. حين تختلف أرقام الموت بهذا الحجم، يصبح الشك حقًا.

في الكوارث الكبرى، لا ينبغي أن تكون الدولة مصدر الغموض. الناس تقبل أن ترتفع الحصيلة من ساعة إلى أخرى، وتفهم أن التعرف على الجثث يحتاج إلى وقت، وتتفهم أن البحث عن المفقودين قد يستمر أيامًا.

لكنها لا تستطيع أن تفهم بسهولة كيف انتقل الرأي العام من إعلان رسمي أول يتحدث عن 12 قتيلاً في البلاد كلها إلى قائمة بلدية تضم 73 ضحية في بلدة واحدة، من دون تفسير واضح وسريع لمسار تحديث الأرقام.

وهنا تتحول المسألة من مجرد إحصاء إلى قضية ثقة؛ لأن المواطن، حين يبدأ في الشك في عدد موتاه، يصبح من الطبيعي أن يشك بعد ذلك في أسباب موتهم.

* وسط كل هذه الأسئلة.. لماذا المغرب؟

وهنا أصل إلى أكثر ما يثير استغرابي، بل ربما أكثر ما يثير سخريتي السياسية.

الجزائر تحترق. المواطنون يفرون من القرى. الجرحى في المستشفيات. العائلات تبحث عن المفقودين. والدولة تعلن الحداد.

والرئيس يؤثث لمحاولة الهروب من الحقيقة بالتحدث عن احتمال وجود أياد إجرامية. والحصيلة انتقلت من 12 قتيلاً في الإعلان الرسمي الأول إلى 73 ضحية موثقة في قائمة بلدية بجيجل وحدها.

ثم نجد بعض الإعلام الجزائري يعود من جديد إلى المغرب.

«المخزن».. الرباط.. المغرب.. الملك محمد السادس.. المونديال.. الاستثمارات المغربية في إفريقيا.

وكأن النار انطلقت من الرباط، وكأن عدد الضحايا في جيجل تحدده وزارة الداخلية المغربية، وكأن التفاوت بين الحصيلة الرسمية الأولى والقائمة الاسمية التي أصدرتها البلدية صنعه الإعلام المغربي.

* الهجوم على المغرب لم يعد حتى بحاجة إلى مناسبة

من حق الصحافة الجزائرية أن تنتقد المغرب، ومن حقها أن تنتقد الحكومة المغربية، ومن حقها أن تناقش الملكية والنموذج الاقتصادي والسياسة الخارجية. ليس المغرب دولة فوق النقد.

لكن ما أراه غير طبيعي هو أن يتحول المغرب إلى موضوع دائم لا يحتاج حتى إلى مناسبة.

في اليوم الذي تحترق فيه الغابات، المغرب حاضر. وفي اليوم الذي تدفن فيه الجزائر ضحاياها، المغرب حاضر.

وفي اليوم الذي ينبغي أن ينصب فيه النقاش على جاهزية الحماية المدنية، ووسائل الإطفاء، ومسالك الغابات، وأسباب التزامن الغريب للحرائق، نعود مرة أخرى إلى «المخزن».

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يتعلق الأمر فعلاً بالإعلام، أم بوظيفة إلهاء سياسية للإعلام؟

* وحتى الملك محمد السادس.. لماذا الآن؟

الأكثر غرابة أن بعض المواد لم تكتفِ بالحديث عن المغرب، بل اتجهت إلى الملك محمد السادس شخصيًا، وإلى الاستثمارات المغربية في إفريقيا، وإلى كأس العالم 2030، وإلى المؤسسة الملكية.

وأنا أسأل ببساطة: ما علاقة الملك محمد السادس بحرائق جيجل؟

ما علاقته بقتلى بجاية؟ ما علاقته بالنيران التي وصلت إلى تيزي وزو؟ وما علاقة المغرب أصلًا بالتفاوت بين حصيلة أولية من 12 قتيلاً وقائمة بلدية تضم 73 ضحية في جيجل وحدها؟

إذا كانت السلطات الجزائرية تملك دليلاً على تورط المغرب، فلتعرضه. وإذا كان الإعلام الجزائري يملك وثائق، فليقدمها.

أما أن يتحول المغرب إلى خلفية ثابتة لكل أزمة، فهذا لا يبدو لي تفسيرًا بقدر ما يبدو هروبًا من التفسير.

* عندما تعجز عن الإجابة عن الداخل.. اصنع خصمًا في الخارج

أرى أن جزءًا من الإعلام الجزائري وقع، منذ سنوات، في عادة خطيرة: حين تصبح الأسئلة الداخلية ثقيلة، يصبح المغرب أخف جواب ممكن.

أزمة سياسية؟ المغرب. احتجاجات؟ المغرب. توتر دبلوماسي؟ المغرب. مشاكل في الساحل؟ المغرب. قضية القبائل؟ المغرب.

والآن، حتى والنيران مشتعلة، يعود «المخزن» إلى العناوين.

لكن النار لا تفهم الدعاية. والجثة لا يتغير رقمها لأن صحيفة هاجمت الملك محمد السادس. والعائلة التي فقدت أبناءها لا تحتاج إلى مقال عن المونديال المغربي، بل تحتاج إلى جواب عن سبب موتهم.

السؤال الحقيقي يوجد داخل الجزائر، لا خارجها. والمعركة الإعلامية مع المغرب في هذه اللحظة ليست هي الموضوع.

الموضوع الحقيقي هو: لماذا تركز الموت في تيزي وزو وبجاية وجيجل؟

لماذا كان 58.3 في المائة من قتلى الحصيلة الرسمية الأولى من بجاية وتيزي وزو؟

لماذا تركزت جميع الوفيات الواردة في الإعلان الرسمي الأول في حزام القبائل ومحيطها؟

كيف انتقل عدد ضحايا جيجل من خمسة في الإعلان الأول إلى 73 اسمًا أعلنتها بلدية الجمعة بني حبيبي وحدها؟

هل هناك فعل إجرامي كما لم يستبعد الرئيس تبون؟

وإذا كانت هناك أياد إجرامية، فمن المستفيد؟ ومن الفاعل؟

وأخيرًا: كم عدد الضحايا الحقيقي في الجزائر كلها؟ هل هم 73 أم أكثر؟

هذه هي الأسئلة. أما المغرب فليس سؤالاً، والملك محمد السادس ليس جوابًا.

* لا أتهم أحدًا.. لكنني أرفض أن يُطلب مني ألا أشك

أنا لا أملك دليلاً يتيح لي القول إن منطقة القبائل استُهدفت عمدًا، ولا أملك دليلاً يسمح باتهام جهة محددة بإشعال الحرائق.

لكنني أملك ما يكفي لكي أرفض إغلاق السؤال.

أملك خريطة ضحايا تركزت كلها تقريبًا في منطقة واحدة ومحيطها.

أملك رئيسًا يصنع حدادًا لا يؤمن به، ويناور من أجل تحوير النقاش الشعبي.

أملك حصيلة رسمية أولية من 12 قتيلاً، ثم قائمة اسمية صادرة عن بلدية واحدة تضم 73 ضحية، وبين الرقمين هوة مخيفة تحتاج إلى تفسير.

وأملك إعلامًا يهاجم المغرب وملكه في اللحظة التي يفترض أن تكون فيها كل عدساته موجهة نحو النار وأسبابها وكل تفاصيلها.

لهذا أقول: ابحثوا عن حقيقة الحرائق قبل البحث عن المغرب.

احسموا عدد موتاكم قبل الحديث عن «المخزن».

واكشفوا ما جرى في القبائل ومحيطها قبل أن تتحول المأساة نفسها إلى مادة جديدة في حرب إعلامية قديمة.

فالمغرب لم يشعل الأسئلة. النار هي التي أشعلتها، والأرقام هي التي غذتها، والتاريخ السياسي للمنطقة هو الذي يجعل تجاهلها مستحيلاً.

أما الحقيقة، فهي وحدها القادرة على إطفائها...




في نفس الركن