2026 شتنبر 13 - تم تعديله في [التاريخ]

حرب النفط والمضائق.. ترامب يريد البقاء في إيران والحوثيون يطوقون الملاحة

لعبت الحرب طويلًا خلف ستار الأمن والسياسة، قبل أن يسقط القناع… يد تمتد نحو النفط، وقوة تزحف إلى باب المندب، وقذيفة تشعل هرمز، وشريان تصدير يتوقف… الصراع الإقليمي يكشف وجهه الاقتصادي، ويضع إمدادات الطاقة العالمية بين فكي كماشة، فيما تقف أسعارها فوق برميل بارود.


حرب النفط والمضائق
*العلم الإلكترونية - إعداد: حكيمة الوردي*
من حديث الرئيس الأمريكي عن الاستحواذ على النفط الإيراني، إلى تمدد الحوثيين عند باب المندب واشتعال هرمز وتعطل شريان التصدير السعودي… إمدادات الطاقة العالمية تقع داخل كماشة وأسعار النفط تقف فوق برميل بارود

لم تعد الحرب الدائرة في المنطقة تخفي كثيرًا من دوافعها الاقتصادية، بعدما تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحة عن احتمال استمرار الوجود الأمريكي في إيران والاستفادة من نفطها، بالتزامن مع تمدد الحوثيين نحو مواقع استراتيجية عند باب المندب، وتعرض سفينة إيرانية لهجوم غامض في مضيق هرمز، وخروج خط أنابيب سعودي حيوي من الخدمة.

وتكشف هذه التطورات المتزامنة أن المواجهة لم تعد محصورة في الضربات العسكرية المتبادلة، بل تحولت إلى معركة على موارد الطاقة والممرات البحرية وطرق تصدير النفط، فيما تقف الأسواق العالمية أمام خطر اضطراب اثنين من أهم شرايين التجارة الدولية: مضيق هرمز في الخليج وباب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

وقال ترامب، خلال زيارته إلى إيرلندا، إن الولايات المتحدة قد تُبقي وجودها داخل إيران وتستفيد من مواردها النفطية، مستحضرًا النموذج الذي اتبعته واشنطن في تعاملها مع نفط فنزويلا، وفق ما نقلته وكالة رويترز.

وربط الرئيس الأمريكي انتهاء الحرب بإمكان التوصل إلى اتفاق وصفه بـ«الجيد» مع طهران، متوقعًا أن يؤدي توقف المواجهة إلى انخفاض حاد في أسعار البنزين، كما زعم أن السلطات الإيرانية تتواصل باستمرار طلبًا للمفاوضات، وهي رواية سبق لمسؤولين إيرانيين أن نفوها.

ويمنح تصريح ترامب خصوم الولايات المتحدة مادة إضافية لاتهامها بتحويل الحروب والتدخلات العسكرية إلى وسيلة للسيطرة على موارد الدول، خصوصًا أن حديثه جاء في وقت تشهد فيه أسواق النفط اضطرابًا حادًا بفعل الهجمات على منشآت الطاقة وتعطل طرق التصدير.

* كماشة بحرية من هرمز إلى باب المندب

في الجهة الأخرى من المشهد، عزز الحوثيون مواقعهم على الساحل اليمني للبحر الأحمر، وسيطروا على جزيرة ميون، المعروفة أيضًا باسم بريم، والواقعة في مضيق باب المندب، ما يمنحهم قدرة أكبر على تهديد أحد أهم الممرات المستخدمة في نقل النفط والبضائع بين آسيا وأوروبا.

ويضع هذا التمدد دول الخليج أمام معادلة شديدة التعقيد؛ إذ تواجه الملاحة في مضيق هرمز ضغوطًا مرتبطة بإيران، بينما يزداد نفوذ حلفائها الحوثيين عند باب المندب، لتصبح صادرات الطاقة وحركة السفن معرضة للاضطراب عند مدخلي المنطقة البحريين.

وتزداد خطورة هذه المعادلة بعدما أدت هجمات بطائرات مسيرة إلى تعطيل خط أنابيب سعودي استراتيجي ينقل النفط من شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وكان يمثل بديلًا مهمًا لتجاوز الاضطرابات التي تعيق الملاحة عبر مضيق هرمز.

ويهدد استمرار توقف الخط بتعطيل تدفقات تقدر بنحو أربعة ملايين برميل يوميًا، أي ما يوازي قرابة أربعة في المائة من الإمدادات العالمية، في وقت دفعت فيه التوترات أسعار النفط والوقود إلى مستويات مرتفعة، وزادت المخاوف من موجة تضخم عالمية جديدة.

ولا تقف التداعيات عند تعطل مسار سعودي بديل؛ فمخزونات ميناء ينبع لا تكفي، وفق التقديرات المتداولة، إلا لمدة تتراوح بين خمسة وسبعة أيام، بينما قد تستغرق أعمال إصلاح الخط أسابيع. وإذا استمر توقفه بالتزامن مع اضطراب هرمز وتهديد باب المندب، فقد تواجه أسواق الطاقة صدمة إمدادات تفتح الطريق أمام قفزات صاروخية جديدة في أسعار النفط والوقود، وتدفع موجة التضخم إلى مختلف اقتصادات العالم.

وأمام تضييق الخناق على مسارات التصدير، بدأت دول خليجية تعيد النظر في خياراتها، وسط تحركات لعقد مباحثات مع إيران في سلطنة عُمان بشأن ترتيبات أمنية تضمن المرور الآمن للسفن، بعدما أظهرت التطورات محدودية الرهان على الحماية العسكرية الأمريكية وحدها.

* قذيفة غامضة تعيد هرمز إلى الاشتعال

وفي خضم هذا التوتر، تعرضت سفينة تجارية إيرانية لضربة قبالة جزيرة قشم، قرب مضيق هرمز، ما أسفر عن مقتل شخص وإصابة ثلاثة آخرين، بحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس عن وسائل إعلام رسمية إيرانية.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بأن سفينة أصيبت بمقذوف أثناء عبورها المضيق، ما أدى إلى اندلاع حريق وبدء عملية لإجلاء من كانوا على متنها، من دون أن يتضح على الفور ما إذا كان البلاغ يتعلق بالسفينة الإيرانية نفسها.

ووصفت طهران الهجوم بأنه من تنفيذ «عدو إرهابي»، لكنها لم تحدد الجهة التي تتهمها بالوقوف وراءه، بينما لم يصدر تعليق أمريكي فوري يكشف ملابسات الواقعة أو هوية الطرف المنفذ.

ويكتسب استهداف السفينة حساسية إضافية بسبب توقيته، إذ وقع عشية اجتماع مرتقب في سلطنة عُمان لبحث إدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز، في ظل إصرار إيران على أن إعادة فتح الممر بصورة كاملة ترتبط بإنهاء الضغوط والحصار الأمريكيين.

ولا تمر عبر هذه المضائق السفن العسكرية وحدها، بل تعبرها ناقلات النفط والغاز وسفن الحاويات التي تحمل الغذاء والدواء والمواد الأولية إلى عشرات الدول. ولذلك فإن كل ضربة أو سيطرة جديدة على جزيرة أو ميناء تتحول سريعًا إلى زيادة في تكاليف التأمين والشحن والطاقة، يدفع ثمنها المستهلكون بعيدًا عن ميادين القتال.

وهكذا تتجمع خيوط الصورة: رئيس أمريكي يتحدث علنًا عن النفط الإيراني، والحوثيون يتقدمون عند باب المندب، وسفينة تُضرب في هرمز، وخط تصدير سعودي يتوقف عن العمل. إنها ليست وقائع متناثرة، بل حلقات في حرب متصاعدة للسيطرة على الطاقة والممرات التي تنقلها.

وبين هرمز وباب المندب، يبدو نفط العالم عالقًا داخل مثلث حصار، وفي قلبه فتيل أسعار ينتظر شرارة جديدة، بينما يتراجع الحديث عن إنهاء الحرب أمام سباق أطرافها للسيطرة على ما تحت الأرض وعلى الطرق التي تحمله فوق البحر.



في نفس الركن