في الصحراء المغربية ترجّح صناديق الاقتراع كفة التمثيل على صخب الحملات
الكاتب محمد اليطفتي
*بقلم: محمد اليطفتي*
لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 مجرد أرقام موزعة بين الأحزاب، ولا مجرد خريطة جديدة للمقاعد داخل مجلس النواب، فقد حملت، في بعض جهاتها، رسائل سياسية تتجاوز الحساب الانتخابي الضيق، وفي مقدمتها الأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث تكتسب الانتخابات معنى خاصاً بالنظر إلى ارتباطها بقضية الوحدة الترابية وبمسار الدفاع عن المقترح المغربي للحكم الذاتي.
وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يبرز حزب الاستقلال بحضور انتخابي لافت في الصحراء المغربية، بعدما حصل على خمسة مقاعد بجهة العيون الساقية الحمراء وثلاثة مقاعد بجهة الداخلة وادي الذهب، متقدماً في عدد من المعطيات الانتخابية المرتبطة بالجهتين. وهي أرقام لا يمكن فصلها عن طبيعة الحضور السياسي والتنظيمي الذي راكمه الحزب في الأقاليم الجنوبية على مدى عقود.
وهنا تحديداً، تصبح الانتخابات أكثر من مجرد منافسة على المقاعد. فحين تأتي صناديق الاقتراع من العيون والداخلة وأوسرد والسمارة وبوجدور وغيرها من مناطق الصحراء، فإنها تقدم، إلى جانب نتائجها المؤسساتية، مؤشرات على درجة حضور الأحزاب وقدرتها على تمثيل المواطنين محلياً، وعلى مدى ارتباط خطابها السياسي بالقضايا التي تشغل المنطقة وبمستقبلها المؤسساتي والتنموي.
ولعل المفارقة التي أفرزتها انتخابات 23 شتنبر تستحق التوقف عندها: حزب الاستقلال لم يحتج إلى حملة انتخابية صاخبة كي يحافظ على رصيد انتخابي وطني مهم. فقد حصد، وفق النتائج النهائية الرسمية، 1,505,616 صوتاً و65 مقعداً، ليأتي ثالثاً من حيث عدد المقاعد، مع فارق واضح بين ترتيبه في المقاعد وترتيبه في مجموع الأصوات.
وهذه المسافة بين الصوت والمقعد تفتح، من جديد، النقاش حول طبيعة النظام الانتخابي والقاسم الانتخابي وكيفية ترجمة الإرادة التصويتية إلى تمثيلية داخل المؤسسة التشريعية. فالأرقام وحدها تقول إن الاستقلال حصل على كتلة تصويتية أكبر من عدد المقاعد الذي قد يوحي به ترتيبه الثالث في مجلس النواب. أما تفسير هذا الفرق، فيظل مرتبطاً بالقواعد الانتخابية وطريقة احتساب وتوزيع المقاعد.
لكن الدلالة الأبرز تبدو في الصحراء.
ففي قضية ذات امتداد أممي ودولي، لا يكفي أن تتحدث الأحزاب عن الوحدة الترابية من المنابر، إذ تكتسب التمثيلية المحلية أهمية خاصة عندما تقترن بالمشاركة الانتخابية والحضور المؤسساتي. ومن هذه الزاوية، فإن النتائج التي حققها الاستقلال في العيون والداخلة تشكل معطى سياسياً يستحق القراءة، ليس باعتباره بديلاً عن المسار الدبلوماسي، وإنما باعتباره جزءاً من المشهد المؤسساتي الذي يقدمه المغرب في تدبير قضيته الوطنية.
لقد أصبح مقترح الحكم الذاتي أحد محاور المسار الأممي حول الصحراء. وفي قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في أكتوبر 2025، أُشير إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره إطاراً للتفاوض، مع الدعوة إلى الانخراط في العملية السياسية بهدف الوصول إلى حل سياسي عادل ونهائي ومقبول من الطرفين.
ومن هنا، فإن الحضور الانتخابي للأحزاب المغربية في الأقاليم الجنوبية لا ينبغي أن يُقرأ فقط بمنطق الربح والخسارة الحزبية، بل ضمن سؤال أوسع: إلى أي حد تستطيع المؤسسات المنتخبة في الصحراء أن تعكس واقع المشاركة السياسية المحلية، وأن تكون جزءاً من المسار المؤسساتي المرتبط بمستقبل المنطقة؟
وفي هذا السياق، تبدو تجربة حزب الاستقلال جديرة بالدراسة، بالنظر إلى امتداده التاريخي في الأقاليم الجنوبية، وإلى النتائج التي حققها في الاستحقاق الأخير. كما أن مواقفه المعلنة بشأن الوحدة الترابية والحكم الذاتي تجعل حضوره في هذه المناطق مرتبطاً، في خطابه السياسي، بملف يتجاوز حدود التنافس الانتخابي الداخلي.
أما على المستوى الوطني، فقد أثبتت انتخابات 23 شتنبر أن السياسة لا تُقاس دائماً بدرجة الضجيج الذي يسبق يوم الاقتراع. فالحملات الانتخابية قد تختلف في أساليبها، وفي حجم الإنفاق عليها، وفي حضورها الإعلامي، لكن صندوق الاقتراع يظل في النهاية المجال الذي تتحول فيه الصورة والخطاب والتنظيم إلى أرقام.
ولذلك، فإن الرسالة التي تستحق أن تُقرأ بهدوء من نتائج الاستقلال ليست فقط أنه حصل على 65 مقعداً، وإنما أن أكثر من مليون ونصف مليون ناخب وضعوا أصواتهم في صناديق الاقتراع لفائدة لوائح الحزب، وأن جزءاً مهماً من هذا الحضور جاء من الأقاليم الجنوبية، حيث تتقاطع السياسة الداخلية مع قضية وطنية ذات امتداد دولي.
لقد انتهت الحملة، وانتهى الاقتراع، وأُعلنت النتائج. أما ما بدأ الآن فهو مرحلة أخرى: مرحلة تحويل الشرعية الانتخابية إلى عمل مؤسساتي، وتحويل الحضور السياسي في الصحراء إلى مساهمة مسؤولة في التنمية والتمثيل والدفاع عن المصالح الوطنية، في إطار المؤسسات والقانون.
وفي نهاية المطاف، قد تكون هذه هي الخلاصة الأهم التي حملتها صناديق 23 شتنبر: في الصحراء، لا تكفي الشعارات، ولا تكفي الصور، ولا يكفي الحضور الرمزي، فالأرقام نفسها أصبحت جزءاً من لغة السياسة، والتمثيلية المنتخبة أصبحت إحدى واجهات الحضور المؤسساتي للمغرب في أقاليمه الجنوبية.
ومن هذه الزاوية، فإن نتائج الانتخابات الأخيرة لا ينبغي أن تُقرأ فقط من الرباط، ولا فقط من زاوية تشكيل الأغلبية المقبلة، وإنما أيضاً من العيون والداخلة؛ حيث تظل صناديق الاقتراع، إلى جانب المؤسسات المنتخبة، جزءاً من المشهد الذي يقدمه المغرب للعالم وهو يخوض معركة سياسية ودبلوماسية من أجل ترسيخ مقترح الحكم الذاتي كحل للنزاع حول الصحراء.
لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 مجرد أرقام موزعة بين الأحزاب، ولا مجرد خريطة جديدة للمقاعد داخل مجلس النواب، فقد حملت، في بعض جهاتها، رسائل سياسية تتجاوز الحساب الانتخابي الضيق، وفي مقدمتها الأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث تكتسب الانتخابات معنى خاصاً بالنظر إلى ارتباطها بقضية الوحدة الترابية وبمسار الدفاع عن المقترح المغربي للحكم الذاتي.
وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يبرز حزب الاستقلال بحضور انتخابي لافت في الصحراء المغربية، بعدما حصل على خمسة مقاعد بجهة العيون الساقية الحمراء وثلاثة مقاعد بجهة الداخلة وادي الذهب، متقدماً في عدد من المعطيات الانتخابية المرتبطة بالجهتين. وهي أرقام لا يمكن فصلها عن طبيعة الحضور السياسي والتنظيمي الذي راكمه الحزب في الأقاليم الجنوبية على مدى عقود.
وهنا تحديداً، تصبح الانتخابات أكثر من مجرد منافسة على المقاعد. فحين تأتي صناديق الاقتراع من العيون والداخلة وأوسرد والسمارة وبوجدور وغيرها من مناطق الصحراء، فإنها تقدم، إلى جانب نتائجها المؤسساتية، مؤشرات على درجة حضور الأحزاب وقدرتها على تمثيل المواطنين محلياً، وعلى مدى ارتباط خطابها السياسي بالقضايا التي تشغل المنطقة وبمستقبلها المؤسساتي والتنموي.
ولعل المفارقة التي أفرزتها انتخابات 23 شتنبر تستحق التوقف عندها: حزب الاستقلال لم يحتج إلى حملة انتخابية صاخبة كي يحافظ على رصيد انتخابي وطني مهم. فقد حصد، وفق النتائج النهائية الرسمية، 1,505,616 صوتاً و65 مقعداً، ليأتي ثالثاً من حيث عدد المقاعد، مع فارق واضح بين ترتيبه في المقاعد وترتيبه في مجموع الأصوات.
وهذه المسافة بين الصوت والمقعد تفتح، من جديد، النقاش حول طبيعة النظام الانتخابي والقاسم الانتخابي وكيفية ترجمة الإرادة التصويتية إلى تمثيلية داخل المؤسسة التشريعية. فالأرقام وحدها تقول إن الاستقلال حصل على كتلة تصويتية أكبر من عدد المقاعد الذي قد يوحي به ترتيبه الثالث في مجلس النواب. أما تفسير هذا الفرق، فيظل مرتبطاً بالقواعد الانتخابية وطريقة احتساب وتوزيع المقاعد.
لكن الدلالة الأبرز تبدو في الصحراء.
ففي قضية ذات امتداد أممي ودولي، لا يكفي أن تتحدث الأحزاب عن الوحدة الترابية من المنابر، إذ تكتسب التمثيلية المحلية أهمية خاصة عندما تقترن بالمشاركة الانتخابية والحضور المؤسساتي. ومن هذه الزاوية، فإن النتائج التي حققها الاستقلال في العيون والداخلة تشكل معطى سياسياً يستحق القراءة، ليس باعتباره بديلاً عن المسار الدبلوماسي، وإنما باعتباره جزءاً من المشهد المؤسساتي الذي يقدمه المغرب في تدبير قضيته الوطنية.
لقد أصبح مقترح الحكم الذاتي أحد محاور المسار الأممي حول الصحراء. وفي قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في أكتوبر 2025، أُشير إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره إطاراً للتفاوض، مع الدعوة إلى الانخراط في العملية السياسية بهدف الوصول إلى حل سياسي عادل ونهائي ومقبول من الطرفين.
ومن هنا، فإن الحضور الانتخابي للأحزاب المغربية في الأقاليم الجنوبية لا ينبغي أن يُقرأ فقط بمنطق الربح والخسارة الحزبية، بل ضمن سؤال أوسع: إلى أي حد تستطيع المؤسسات المنتخبة في الصحراء أن تعكس واقع المشاركة السياسية المحلية، وأن تكون جزءاً من المسار المؤسساتي المرتبط بمستقبل المنطقة؟
وفي هذا السياق، تبدو تجربة حزب الاستقلال جديرة بالدراسة، بالنظر إلى امتداده التاريخي في الأقاليم الجنوبية، وإلى النتائج التي حققها في الاستحقاق الأخير. كما أن مواقفه المعلنة بشأن الوحدة الترابية والحكم الذاتي تجعل حضوره في هذه المناطق مرتبطاً، في خطابه السياسي، بملف يتجاوز حدود التنافس الانتخابي الداخلي.
أما على المستوى الوطني، فقد أثبتت انتخابات 23 شتنبر أن السياسة لا تُقاس دائماً بدرجة الضجيج الذي يسبق يوم الاقتراع. فالحملات الانتخابية قد تختلف في أساليبها، وفي حجم الإنفاق عليها، وفي حضورها الإعلامي، لكن صندوق الاقتراع يظل في النهاية المجال الذي تتحول فيه الصورة والخطاب والتنظيم إلى أرقام.
ولذلك، فإن الرسالة التي تستحق أن تُقرأ بهدوء من نتائج الاستقلال ليست فقط أنه حصل على 65 مقعداً، وإنما أن أكثر من مليون ونصف مليون ناخب وضعوا أصواتهم في صناديق الاقتراع لفائدة لوائح الحزب، وأن جزءاً مهماً من هذا الحضور جاء من الأقاليم الجنوبية، حيث تتقاطع السياسة الداخلية مع قضية وطنية ذات امتداد دولي.
لقد انتهت الحملة، وانتهى الاقتراع، وأُعلنت النتائج. أما ما بدأ الآن فهو مرحلة أخرى: مرحلة تحويل الشرعية الانتخابية إلى عمل مؤسساتي، وتحويل الحضور السياسي في الصحراء إلى مساهمة مسؤولة في التنمية والتمثيل والدفاع عن المصالح الوطنية، في إطار المؤسسات والقانون.
وفي نهاية المطاف، قد تكون هذه هي الخلاصة الأهم التي حملتها صناديق 23 شتنبر: في الصحراء، لا تكفي الشعارات، ولا تكفي الصور، ولا يكفي الحضور الرمزي، فالأرقام نفسها أصبحت جزءاً من لغة السياسة، والتمثيلية المنتخبة أصبحت إحدى واجهات الحضور المؤسساتي للمغرب في أقاليمه الجنوبية.
ومن هذه الزاوية، فإن نتائج الانتخابات الأخيرة لا ينبغي أن تُقرأ فقط من الرباط، ولا فقط من زاوية تشكيل الأغلبية المقبلة، وإنما أيضاً من العيون والداخلة؛ حيث تظل صناديق الاقتراع، إلى جانب المؤسسات المنتخبة، جزءاً من المشهد الذي يقدمه المغرب للعالم وهو يخوض معركة سياسية ودبلوماسية من أجل ترسيخ مقترح الحكم الذاتي كحل للنزاع حول الصحراء.
في الصحراء المغربية ترجّح صناديق الاقتراع كفة التمثيل على صخب الحملات