☰
2026 أكتوبر 10 - تم تعديله في [التاريخ]

حزب الاستقلال يقرأ الخطاب الملكي.. الإنصاف وثقة الشباب رهان مغرب المستقبل

بين طموح القوة الاقتصادية وانتظار المواطن لثمار التنمية، تبرز معادلة المرحلة المقبلة.. محمد اليطفتي يقرأ في بلاغ حزب الاستقلال رهانات الإنصاف وثقة الشباب ومسؤولية المؤسسات عن تحويل التوجهات إلى نتائج.


الخطاب الملكي يرسم معالم مغرب المستقبل.. وحزب الاستقلال يؤكد أن رهان التحول لا يكتمل إلا بالعدالة الاجتماعية والمجالية واستعادة ثقة الشباب

الإعلامي محمد اليطفتي
*بقلم: محمد اليطفتي*

لم يعد الرهان المطروح أمام المغرب اليوم مقتصراً على مواصلة وتيرة التحديث الاقتصادي وتثبيت موقع المملكة ضمن القوى الصاعدة، بل بات يتمثل، بالقدر نفسه من الأهمية، في ضمان الأثر الملموس لهذا التحول على حياة المواطنات والمواطنين، وترجمة ما تحقق من مكتسبات إلى فرص أوسع للشغل والارتقاء الاجتماعي، وخدمات عمومية أكثر جودة وإنصافاً، وتنمية لا تترك مجالاً أو فئة خارج مسار التقدم. ومن هذا المنظور، تكتسب مضامين الخطاب الملكي السامي، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، أهمية خاصة، باعتباره محدداً للتوجهات الكبرى للمرحلة المقبلة، ومجدداً للتأكيد على أن بناء مغرب قوي اقتصادياً لا ينفصل عن ترسيخ دولة الكرامة والإنصاف وتكافؤ الفرص.

وفي هذا السياق، يأتي بلاغ اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال ليعبر عن قراءة سياسية تستحضر الترابط بين الاختيارات الاستراتيجية للدولة وانتظارات المجتمع، وتؤكد أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من منطق تدبير التحولات إلى منطق صناعة أثرها الاقتصادي والاجتماعي. فالمغرب، الذي راكم منجزات مهمة في تحديث بنياته التحتية وتعزيز حضوره الدبلوماسي وتطوير اقتصاده، مدعو اليوم إلى تعميق هذا المسار بإعادة ترتيب الأولويات، وتعبئة الإمكانات الوطنية، وتوسيع قاعدة الاستفادة من ثمار النمو، بما يجعل التنمية رافعة فعلية لتحسين شروط العيش وتعزيز الثقة في المستقبل.

إن أحد أبرز مداخل هذه المرحلة يتمثل في تعزيز السيادة الاستراتيجية للمملكة، في عالم تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية، وتتسع فيه دائرة التنافس على الموارد الحيوية وسلاسل الإمداد. ومن ثم، فإن الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، لم تعد مجرد قطاعات للتحديث أو مجالات للاستثمار، بل أصبحت عناصر أساسية في حماية القرار الوطني، وتقوية قدرة الاقتصاد على الصمود، وتوسيع هامش المبادرة الوطنية. غير أن نجاح هذه الأوراش يظل رهيناً بقدرتها على خلق قيمة مضافة مستدامة، وتحفيز الاستثمار المنتج، وإحداث فرص الشغل اللائق، وربط التنافسية الاقتصادية بالمسؤولية الاجتماعية للمقاولة.

وإذا كانت السيادة الاقتصادية شرطاً لتعزيز استقلالية القرار الوطني، فإن العدالة الاجتماعية والمجالية تظل المعيار الأهم لقياس مدى نجاح النموذج التنموي في الاستجابة لانتظارات المغاربة. فلا معنى لنمو لا ينعكس على القدرة الشرائية، ولا لتنمية لا تقلص الفوارق بين الجهات، ولا لتحديث مؤسساتي لا يفضي إلى تحسين جودة التعليم والصحة والنقل والخدمات الأساسية. وهي معادلة تضع أمام الحكومة المقبلة مسؤولية الانتقال من إعلان الطموحات إلى بلورة سياسات عمومية واضحة الأهداف، محددة الآجال، وقابلة للتقييم والمساءلة، حتى يصبح الأثر الاجتماعي للتنمية جزءاً أصيلاً من منطق القرار الاقتصادي، لا مجرد نتيجة مؤجلة له.

ومن هنا، يبرز تأكيد اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال على ضرورة إقرار سياسة عمومية مندمجة للنهوض بأوضاع الشباب، باعتباره قضية تتجاوز التدابير القطاعية الظرفية، لتلامس جوهر العلاقة بين المواطن والمؤسسات. فاستعادة ثقة الشباب لا تتحقق بالخطاب وحده، وإنما بفتح آفاق واقعية أمامهم في التعليم والتكوين والتشغيل والمبادرة، وإشراكهم في صناعة القرار العمومي، والإنصات إلى تطلعاتهم وانتظاراتهم. كما أن تجديد الثقة في العمل السياسي يقتضي أن تستعيد المؤسسات المنتخبة قدرتها على الإقناع من خلال الإنجاز والنزاهة والنجاعة، وأن يشعر المواطن بأن صوته الانتخابي يفضي إلى سياسات تستجيب لانشغالاته اليومية. وفي هذا الإطار، فإن المصالحة مع الشباب ليست مسؤولية قطاع حكومي بعينه، بل هي ورش وطني يستدعي التزاماً جماعياً من الدولة والأحزاب والمؤسسات المنتخبة والمجتمع.

وعلى المستوى الترابي، يعيد البلاغ التأكيد على أهمية الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري باعتبارهما مدخلاً لتجديد أساليب تدبير الشأن العام، وتقريب القرار من المواطن، وتحقيق تنمية أكثر التصاقاً بخصوصيات المجالات وحاجيات ساكنتها. فالتحدي لم يعد في تكريس هذه الاختيارات دستورياً ومؤسساتياً فحسب، بل في تفعيلها بما يلزم من صلاحيات وموارد مالية وبشرية، وإقامة علاقة تعاقدية واضحة بين الدولة والجهات، تتيح للمجالس المنتخبة ممارسة اختصاصاتها بكفاءة ومسؤولية.

إن الجهوية المتقدمة لا يمكن أن تتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية ما لم تقترن بتوزيع منصف للاستثمارات، وتأهيل الإدارة الترابية، وتعزيز قدرات النخب المحلية والجهوية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أن اللاتمركز الإداري لا ينبغي أن يظل عنواناً لإصلاح مؤسساتي مؤجل، بل يتعين أن يُترجم إلى قرارات أسرع، وخدمات أقرب، وإدارة أكثر فعالية في معالجة انتظارات المواطنين. فالرهان الحقيقي هو الانتقال من مركزية القرار إلى نجاعة الفعل العمومي، ومن تدبير موحد لا يراعي الفوارق إلى سياسات ترابية تستحضر خصوصيات الإنسان والمجال.

وفي الشق المتعلق بالسياسة الخارجية، يبرز البلاغ أهمية الحفاظ على المكتسبات التي حققتها المملكة في الدفاع عن وحدتها الترابية وتعزيز موقعها كشريك موثوق ومسؤول. غير أن هذا الموقع يقتضي، في الوقت نفسه، تطوير طبيعة الشراكات الدولية على أساس المصالح المتبادلة والتنمية المشتركة والاحترام المتبادل. ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى بناء مرحلة جديدة من العلاقات المغربية الإسبانية تعكس الحاجة إلى تجاوز المقاربات التي تختزل التعاون في قضايا الهجرة والأمن، نحو شراكة استراتيجية أوسع تشمل الاقتصاد والاستثمار والتبادل التجاري والتنمية الإقليمية.

فالمغرب ليس مطالباً بأن يتحمل بمفرده أعباء تدبير التحركات البشرية العابرة للحدود، ولا يمكن اختزال علاقته بأوروبا في دور أمني، بالنظر إلى ما يمتلكه من مؤهلات اقتصادية وجيوسياسية وما يضطلع به من أدوار إقليمية ودولية. وتظل الشراكة المتوازنة، القائمة على الثقة والحوار والاحترام المتبادل، السبيل الأنجع لحماية المصالح المشتركة، بعيداً عن الضغوط والحسابات الظرفية.

أما على المستوى الحزبي والمؤسساتي، فإن تأكيد حزب الاستقلال انخراط فريقه النيابي في إنجاح الاختيارات الاستراتيجية للبلاد يضعه أمام مسؤولية سياسية مضاعفة، تقتضي التوفيق بين المساهمة الجادة في العمل التشريعي والرقابي، والدفاع عن انتظارات المواطنين الاجتماعية والاقتصادية. فالالتزام الوطني لا يلغي ضرورة مراقبة الأداء الحكومي وتقييم السياسات العمومية، كما أن المشاركة السياسية لا تستمد مشروعيتها من الحضور داخل المؤسسات وحده، بل من القدرة على تقديم البدائل، وتصحيح الاختلالات، والدفاع عن التوازن بين متطلبات التنمية وضرورات الإنصاف.

وهنا تحديداً تتجلى أهمية المرجعية التعادلية لحزب الاستقلال، التي تجعل الإنسان في صلب المشروع التنموي، وتربط الحرية الاقتصادية بالتضامن الاجتماعي، والمبادرة الفردية بالمسؤولية الجماعية، والنمو الاقتصادي بتكافؤ الفرص. وهي مرجعية تجد اليوم مجالاً واسعاً لاستعادة راهنيتها، في ظل الحاجة إلى نموذج تنموي يجمع بين قوة الاقتصاد وعدالة توزيع ثماره، وبين فعالية الدولة وحيوية المجتمع، وبين التنافسية والانتصار للكرامة الإنسانية.

إن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى إعادة إنتاج الوعود ذاتها، بقدر ما تحتاج إلى تجديد أدوات العمل العمومي، ورفع مستوى النجاعة، وتكريس ثقافة النتائج والمساءلة، وإعادة الاعتبار للوساطة السياسية الجادة. فالتحدي لا يكمن فقط في تحديد ما ينبغي إنجازه، وإنما في القدرة على التنفيذ، وفي ضمان ألا تتسع المسافة بين الخطط المعلنة والواقع المعيش، وبين طموحات المواطنين وأداء المؤسسات.

وبذلك، فإن القراءة السياسية لبلاغ اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال تكشف عن رهان يتجاوز التعبير عن التفاعل مع الخطاب الملكي إلى التأكيد على طبيعة المسؤولية التي تفرضها المرحلة على الحكومة المقبلة والبرلمان والأحزاب السياسية. وهي مسؤولية قوامها تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى التزامات قابلة للقياس، وجعل العدالة الاجتماعية والمجالية معياراً مركزياً للسياسات العمومية، واستعادة ثقة الشباب باعتبارها شرطاً لتجديد الحياة الديمقراطية، وتفعيل الجهوية المتقدمة بما يضمن تنمية متوازنة بين مختلف جهات المملكة.

فمغرب المستقبل لن تُقاس قوته بحجم مشاريعه واستثماراته وحدها، بل أيضاً بمدى قدرته على صون كرامة مواطنيه، وتوسيع فرصهم، وتقليص الفوارق بينهم، وإشراكهم في صناعة مصيره. وتلك هي المعادلة التي يتعين أن تؤطر عمل المؤسسات خلال المرحلة المقبلة: دولة قوية بمؤسساتها، واقتصاد متين بقدرته على الإنتاج والابتكار، ومجتمع متماسك بعدالة فرصه، ومواطن واثق بأن ثمار التنمية حق مشترك وليست امتيازاً لفئات أو مجالات بعينها.



في نفس الركن