*العلم الإلكترونية: أنس الشعرة*
في كل ربيع، لا تزهر حقول الفراولة في إقليم هويلفا الإسباني بالثمار فقط، بل بأجساد نساء مغربيات يعبرن البحر بحثًا عن أجر موسمي، في مشهد يتكرر منذ سنوات ويكشف حجم الارتهان المتبادل بين فلاحة الجنوب الإسباني وهشاشة الشغل النسوي القادم من الضفة الأخرى للمتوسط. هذا الأسبوع، وصلت الدفعة الأولى من العاملات المغربيات إلى الإقليم، إيذانًا بانطلاق موسم فلاحي يقوم في جزء كبير منه على الهجرة المؤقتة والعمل الموسمي منخفض الكلفة.
ووفق ما أوردته صحيفتا لاراثون ولا غاسيطا الإسبانيتين، فقد استقبلت هويلفا 420 عاملة موسمية مغربية، معظمهن نساء، للعمل في جني الفراولة وباقي الفواكه الحمراء، في إطار برنامج "التدبير الجماعي للتعاقد في بلد المنشأ" المعروف اختصارًا بـGECCO.
هذه العملية ليست معزولة ولا رمزية، بل تدخل ضمن مخطط واسع لتأمين اليد العاملة للقطاع الفلاحي في المنطقة. إذ تتوقع السلطات الإسبانية خلال هذا الموسم وصول ما مجموعه 21 ألفًا و496 عاملة من ثماني جنسيات مختلفة، وهو رقم يفوق بحوالي 4500 عاملة حصيلة الموسم الماضي. ومن بين هذا العدد الكبير، سبق لـ17 ألفًا و241 عاملة أن شاركن في حملات سابقة، بينما تلتحق 4255 امرأة بالبرنامج لأول مرة، في مؤشر على اتساع دائرة الاعتماد على هذا النمط من التشغيل.
وفي الأيام القليلة المقبلة، يُرتقب وصول 660 عاملة مغربية إضافية، ما يعزز موقع المغرب باعتباره المزود الرئيسي لليد العاملة الموسمية في فلاحة هويلفا، بإجمالي متوقع يبلغ 3305 عاملات مغربيات هذا الموسم وحده. ورغم توسيع البرنامج ليشمل عاملات من دول أخرى مثل كولومبيا والإكوادور وغواتيمالا وهندوراس، إضافة إلى موريتانيا والباراغواي والسنغال في إطار مشروع تجريبي، فإن الكتلة الأكبر من العاملات ما تزال تأتي من المغرب.
اقتصاديًا، يُقدَّم برنامج GECCO بوصفه حلًا عمليًا لأزمة نقص اليد العاملة في الفلاحة الإسبانية، خاصة في القطاعات التي تتطلب عملاً كثيفًا خلال فترات زمنية قصيرة. كما تُسوّقه السلطات باعتباره نموذجًا للهجرة “الدائرية” التي تضمن عودة العاملات إلى بلدانهن بعد نهاية الموسم، بما يخدم التنمية في بلد المنشأ ويحد من الهجرة غير النظامية.
غير أن هذا النموذج، رغم طابعه التنظيمي، يعيد إلى الواجهة أسئلة أعمق تتجاوز الأرقام والبلاغات الرسمية. فاعتماد قطاع فلاحي كامل على عاملات أجنبيات في وضعية هشّة، بعقود مؤقتة وسكن جماعي ومحدودية في القدرة على الدفاع عن الحقوق، يطرح إشكالًا بنيويًا يتعلق بطبيعة النموذج الزراعي نفسه، وبحدود العدالة الاجتماعية داخل سلاسل الإنتاج الغذائية في أوروبا.
ولا يمكن فصل هذه الهجرة الموسمية عن واقع اقتصادي واجتماعي يدفع آلاف النساء، خاصة من المناطق القروية، إلى القبول بشروط شغل صعبة مقابل دخل يظل، رغم محدوديته، أفضل من غياب البدائل في الداخل. وهنا يتحول "الاختيار" إلى ضرورة اقتصادية، وتتحول الهجرة المؤقتة إلى استراتيجية بقاء أكثر منها فرصة تنموية حقيقية.
كما أن توسيع البرنامج ليشمل دولًا جديدة لا يلغي الطابع البنيوي للمشكلة، بل يؤكد أن الطلب الأوروبي على العمل الرخيص والمؤقت آخذ في الاتساع، وأن السياسات العمومية تتجه إلى تنظيم هذا الطلب بدل إعادة النظر في شروط الإنتاج والأجور والاستقرار المهني داخل القطاع الفلاحي.