2026 أغسطس/أوت 26 - تم تعديله في [التاريخ]

حكايات مؤلمة من قلب الهشاشة.. حين يعمل الإنسان عمراً كاملاً ويبقى المستقبل مؤجلاً

حكايات رجال ونساء يعملون لسنوات في مهن وخدمات هشة دون استقرار أو حماية كافية، من الباعة المتجولين وعمال الإنعاش الوطني إلى عمال المناولة والقطاع غير الرسمي.



*بقلم: بوشعيب حمراوي*
مهن وخدمات مصنفة في المنطقة الرمادية بين الشغل والعطالة… أصحابها يشتغلون ويؤسسون أسراً على أمل أن يتحسن الغد، ثم يكتشفون بعد سنوات أن مورد الرزق كان مؤقتاً، وأن العمل لم يمنحهم بالضرورة الاستقرار ولا الأمان المهني والاجتماعي

هناك فقر نراه في الشارع، وفقر تخبرنا عنه الأرقام، وفقر آخر أكثر خبثاً لا يظهر بسهولة، لأن صاحبه لا يجلس عاطلاً أمام بيته ولا يمد يده طلباً للمساعدة، بل يستيقظ كل صباح، يرتدي ملابسه، يحمل أدوات عمله أو يدفع عربته أو يلتحق بمقر الشركة أو المرفق أو الورشة، يشتغل ساعات طويلة، يعود ببعض المال إلى أسرته، ولذلك يبدو في أعين الجميع إنساناً «يعمل» ويمتلك مورداً للرزق.

لكن السؤال الحقيقي ليس دائماً: هل يشتغل؟

السؤال الأهم هو: أي شغل هذا؟ وإلى أين سيقوده بعد عشرين أو ثلاثين سنة؟

وهنا تبدأ حكايات مؤلمة من قلب الهشاشة، حكايات أناس ليسوا بالضرورة عاطلين، لكنهم أيضاً لم يبلغوا درجة الاستقرار التي تجعلهم قادرين على بناء مستقبل مهني واجتماعي آمن؛ يعملون اليوم، لكنهم لا يعرفون إن كان العمل سيستمر غداً، ويكسبون مالاً، لكنهم لا يعرفون إن كان كافياً لمواجهة المرض والغلاء والدراسة والسكن والشيخوخة، وقد يقضون سنوات طويلة داخل مهنة أو خدمة دون أن تتحول تلك السنوات بالضرورة إلى رصيد يحميهم عند العجز أو التوقف عن العمل.

البداية تبدو دائماً أجمل من النهاية

غالباً ما تبدأ الحكاية بشاب يبحث عن فرصة. لا يشترط مكتباً ولا راتباً كبيراً ولا سيارة وظيفية، يريد فقط أن يبدأ.

يجد عملاً بسيطاً، أو يدخل ورشة، أو يلتحق بشركة، أو يشتغل في مقهى أو نظافة أو حراسة أو بناء، أو يبدأ تجارة صغيرة، أو يقدم خدمة بمقابل، فيفرح بأول دخل يحصل عليه ويشعر بأنه أصبح قادراً على الاعتماد على نفسه. ويقول كما يقول كثيرون: «المهم نبدا… ومن بعد غادي يتحسن الحال».

تبدو العبارة منطقية في العشرين أو الخامسة والعشرين. فكل بداية صغيرة يمكن أن تكبر. ومن حقه أن يحلم بأن الأجر سيرتفع، وأن الوظيفة ستصبح قارة، وأن الشركة سترسمه، وأن النشاط الصغير سيتحول إلى مشروع، وأن العربة ستصبح محلاً، وأن سنوات الخبرة ستفتح أمامه أبواباً أفضل.

وعلى أساس ذلك الأمل يتخذ أكبر قرارات حياته… يتزوج… يكتري بيتاً… يشتري أثاثاً بالتقسيط… ينجب طفلاً… ثم طفلاً آخر.

وتصبح هناك أسرة كاملة مرتبطة بذلك المورد المالي الذي كان صاحبه نفسه يعتقد في البداية أنه مجرد مرحلة انتقالية.

لكن السنوات تمر، والأطفال يكبرون، والكراء يرتفع، ومصاريف الدراسة تتضاعف، والعلاج يصبح أكثر كلفة، والأسعار تتغير.

بينما قد يبقى العمل في المكان نفسه تقريباً، والدخل محدوداً، والوضع المهني هشاً.

وعند الأربعين أو الخمسين قد يكتشف الإنسان حقيقة قاسية:

لقد بنى التزامات دائمة فوق مورد رزق لم يكن دائماً.

مورد رزق لا يعني بالضرورة مستقبلاً مهنياً

وهنا يجب أن نفرق بين مفهومين نتعامل معهما أحياناً وكأنهما شيء واحد: الدخل والمهنة.

قد يكون للإنسان دخل دون أن يكون له استقرار مهني. وقد يمارس عملاً يومياً دون أن يكون له مسار مهني واضح. وقد يعمل عشرين سنة دون أن تكون السنوات العشرون قد صنعت له ما يكفي من الأمان عندما يصبح عاجزاً عن مواصلة العمل. العامل الذي يعيش من قوة ذراعيه أو ظهره يملك رأسمالاً يتناقص مع العمر.

والعامل الذي يتقاضى فقط عندما يعمل قد يصبح المرض بالنسبة إليه خسارتين في الوقت نفسه: يحتاج إلى المال للعلاج، وفي اللحظة ذاتها يفقد المال لأنه لم يستطع الاشتغال.

وإذا كان العمل غير مستقر أو غير منظم بما يكفي، فإن إصابة أو مرضاً أو توقف نشاط أو قراراً إدارياً أو نهاية عقد شركة يمكن أن تقلب حياة أسرة كاملة.

لهذا، فإن الهشاشة ليست دائماً أن يكون الإنسان فقيراً اليوم.

بل أن يكون بينه وبين الفقر حادث واحد، أو مرض واحد، أو شهران بلا أجر، أو نهاية عقد واحدة.

ومندوبية التخطيط قد تعتبره مشتغلاً… لكن ذلك لا يخبرنا عن مستقبله

وهنا يصبح سؤال الإحصاء مهماً. هل البائع المتجول أو العامل اليومي أو صاحب الخدمة البسيطة أو الشخص الذي يشتغل بشكل غير مستقر يعتبر عاطلاً أم عاملاً؟

المنهجية الجديدة للمندوبية السامية للتخطيط في البحث حول اليد العاملة تعتبر الشغل النشاط الذي يمارس مقابل أجر أو بقصد تحقيق ربح، وتعتمد البطالة بالمعنى الصارم بالنسبة لمن لا يتوفر على عمل ويبحث عنه ويكون متاحاً له، كما وسعت قياسها ليشمل التشغيل غير الرسمي ومختلف أشكال نقص استخدام اليد العاملة.

ومعنى ذلك أن الإنسان قد يكون «مشتغلاً» إحصائياً، لكنه هش اجتماعياً ومهنياً.

فالإحصاء يجيب عن سؤال مهم: هل اشتغل الشخص مقابل دخل؟

لكنه لا يقول وحده: هل الدخل كاف؟ هل العمل مستقر؟ هل للعامل عقد واضح؟ هل سيظل في العمل بعد سنة؟ هل تتراكم له حقوق تقاعدية؟ هل يستطيع تحمل فترة مرض؟

وهل يستطيع أن يرفض الظلم أو الاستغلال دون أن يجد نفسه في اليوم التالي بلا مورد؟

بل إن المندوبية نفسها نبهت، في دراسة حديثة حول القطاع غير الرسمي والشيخوخة، إلى أن مسارات التشغيل غير الرسمي يمكن أن تؤدي، مع مرور العمر، إلى ضعف تراكم الحقوق المرتبطة بالتقاعد والحماية عند الشيخوخة.

وهنا يجب ألا نكتفي مستقبلاً بسؤال: كم انخفضت البطالة؟

بل أن نضيف: وكم ارتفعت جودة الشغل؟

البائع المتجول… مثال صغير على هشاشة أكبر

خذوا البائع المتجول مثالاً، دون أن نجعله وحده عنوان القضية.

هو يعمل ويستثمر ماله ويتحمل الخسارة ويعيل أسرته، لكنه قد يعيش في المكان نفسه بين السماح والمنع؛ تارة يبيع بصورة عادية، وتارة تصل السلطة فيطلب منه الرحيل، وقد تقع حملات تُحجز خلالها عربات أو أفرشة أو سلع، حسب طبيعة المخالفات والمساطر المعتمدة. بل إن هناك من يتم إتلاف سلعته.

فتصبح علاقته بمصدر رزقه مرتبطة أيضاً بما قد يقرره باشا أو قائد أو مقدم أو شيخ أو أعوان السلطة أو أفراد القوات المساعدة.

لا نقول إن تطبيق القانون ظلم، ولا يمكن أن ندافع عن الفوضى واحتلال الملك العمومي، لكن من حقنا أن نسأل: لماذا يُترك الإنسان أحياناً سنوات يعتقد أن نشاطه أصبح أمراً عادياً، ثم يجد نفسه فجأة مطالباً بالاختفاء من المكان دون أن يعرف أين يوجد البديل؟

إن عربته بالنسبة إلى الإدارة قد تكون موضوع تنظيم للملك العمومي، لكنها بالنسبة إليه قد تكون رأس مال أسرة بأكملها.

والمطلوب ليس التساهل الدائم ولا المطاردة الدائمة.

المطلوب تنظيم واضح يجعل البائع يعرف أين يحق له أن يعمل، ويخرجه من حالة نفسية قاسية تجعله أحياناً يراقب سيارة السلطة أكثر مما يراقب زبائنه.

عمال الإنعاش الوطني… يعيش الإنسان عمراً داخل عمل اسمه «مؤقت»

وهناك صورة أخرى تكاد تختصر المفارقة كلها: عامل الإنعاش الوطني.

سبق أن أثرتُ هذا الملف منذ سنة 2017، عندما كتبت عن عمال يشتغلون داخل مرافق عمومية ويؤدون مهام مختلفة، بينما تظل علاقتهم المهنية بعيدة عن النموذج العادي للموظف العمومي أو العامل القار. وبعد سنوات، لا يزال جوهر السؤال مطروحاً.

فوزير الداخلية أكد في 2026 أن الأصل في الإنعاش الوطني هو توفير فرص شغل مؤقتة وموسمية، وأن الوضعية لا تعد وضعية قانونية قارة تخول الإدماج أو الترسيم المباشر في الوظيفة العمومية، رغم ما تم توسيعه من حماية اجتماعية وتعويض عن حوادث الشغل. كما واصلت أسئلة برلمانية خلال 2025 إثارة حالات لأشخاص يشتغلون لسنوات طويلة في مرافق وجماعات ترابية، مع استمرار هشاشة وضعهم الإداري والمهني.

والمفارقة هنا لا تحتاج إلى كلام كثير: قد يدخل الرجل الإنعاش الوطني وهو في الخامسة والعشرين باعتباره حلاً مؤقتاً للبطالة. يتزوج… ينجب… يكبر أطفاله… وتمر سنوات طويلة… ثم يظل هو في نظام يقوم، في أصله، على العمل المؤقت.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المؤقت يمكن أن يستمر عشرات السنين في حياة الإنسان، فمتى ينتهي المؤقت ومتى يبدأ المستقبل؟

الصفقة تنتهي… لكن أسرة العامل لا تنتهي

الصورة نفسها، وإن اختلف إطارها القانوني، نجدها لدى فئات من عمال وعاملات شركات المناولة، وشركات تدبير النظافة والحراسة والنقل والصيانة وغيرها من الخدمات التي ترتبط بصفقات وعقود محددة الآجال مع الإدارات والجماعات والمؤسسات.

قد يعمل شخص سنوات داخل المؤسسة نفسها. يعرف أبوابها ومكاتبها ومعداتها وموظفيها. يأتي كل صباح إلى المكان نفسه. لكن اسم الشركة يتغير. تنتهي صفقة، وتبدأ أخرى، وقد تأتي شركة جديدة.

وفي الأسابيع التي تسبق انتقال التدبير يبدأ السؤال داخل بيت العامل: «واش غادي نبقا نخدم؟». إنه سؤال صغير في الكلمات، لكنه كبير داخل الأسرة. لأن الرجل أو المرأة لا يسألان عن الوظيفة فقط، بل عن الكراء وقفة الأطفال وثمن الغذاء والأقساط والدواء.

قد يبقى المرفق محتاجاً دائماً إلى النظافة، ويظل المستشفى أو الإدارة أو المؤسسة في حاجة إلى الحراسة، وتظل المدينة محتاجة إلى النقل وجمع النفايات، لكن العامل الذي يؤدي المهمة قد يشعر أن استمراره مرتبط بنتيجة صفقة ليست له أدنى سلطة عليها.

وهذه من أقسى مفارقات النموذج: قد يكون العمل دائماً، بينما يشعر العامل نفسه أنه مؤقت. الصفقة لها تاريخ بداية وتاريخ نهاية.

أما العامل فله زوجة وأطفال وقرض وبيت وحياة لا تنتهي بانتهاء الصفقة. ولهذا ينبغي أن يكون انتقال التدبير بين الشركات محكوماً بقواعد وضمانات تجعل الإنسان أقل عرضة لأن يصبح الحلقة الأضعف في كل تغيير. فالصفقات محددة الآجال… أما حياة العمال وأسرهم فليست محددة الأجل.

الخوف يجعل الإنسان يتنازل قبل أن يطالب

والهشاشة المهنية لا تظهر في الراتب فقط. تظهر أيضاً في علاقة الإنسان بمن يملك القرار في رزقه… مدير الشركة… رئيس الفريق… المشرف… المقاول… المسؤول.

فالإنسان الذي يستطيع بسهولة العثور على عمل آخر يمكنه أن يقول «لا» عندما يُظلم. أما من يعرف أن فقدان وظيفته قد يعني شهوراً من البطالة، فإنه يحسب الكلمة قبل أن ينطق بها.

قد يتنازل عن راحته. قد يتحمل ساعات إضافية. قد يواصل العمل وهو مريض. قد يصمت أمام معاملة لا تليق به. ليس لأنه لا يعرف معنى الكرامة، بل لأنه يعرف ثمنها عندما تكون الثلاجة فارغة. هذا إن كان يتوفر فعلاً على ثلاجة.

وهنا يصبح الخوف جزءاً غير مكتوب من عقد العمل. والحقوق الموجودة في القانون لا تصبح دائماً حقوقاً فعلية إذا كان العامل يخشى المطالبة بها.

وهناك مهن لا نعرف حتى كيف نسمي أصحابها

إلى جانب ذلك كله، توجد خدمات وأعمال صغيرة كثيرة لا تدخل بسهولة في التصنيف الشعبي المعتاد للمهن.

شخص يحمل البضائع. آخر يغسل السيارات. امرأة تنظف السلالم والبيوت. عامل موسمي. مساعد صباغ أو نجار أو ميكانيكي.

جامع للكرتون والبلاستيك. عامل مستودع. نادل أو عامل مقهى. عامل مخبزة. عامل ضيعة. أشخاص يقومون بخدمات متفرقة حسب الطلب…

لا نحتاج أن نحكي قصة كل واحد منهم على حدة لكي نفهم القضية.

فالسؤال واحد: ماذا يبني هذا العمل لصاحبه بعد سنوات؟

إذا كان كل ما يحققه هو مبلغ نقدي في نهاية اليوم، بينما يظل المرض والشيخوخة وفقدان القدرة على العمل خارج الحساب، فإننا أمام اقتصاد يستفيد من عمل الإنسان اليوم ويتركه وحيداً أمام الغد.

والأسوأ أن بعض مصادر الرزق قد تتحول من فرصة إلى ورطة

وهناك بعد آخر للهشاشة يجب ألا نتجاهله.

بعض الأنشطة تبدأ بطريقة تبدو عادية لصاحبها.

تجارة صغيرة. خدمة غير منظمة. نشاط يمارسه الناس منذ سنوات.

فيظن صاحبه أن الأمر أصبح مهنة طبيعية ويبني عليها حياته.

ثم قد يكتشف لاحقاً أن نشاطه يحتاج إلى رخص أو شروط أو التزامات لم يستوفها، أو يجد نفسه أمام محضر أو غرامة أو حجز أو نزاع أو متابعة، بحسب طبيعة المخالفة.

ولا يعني هذا أن الاقتصاد غير الرسمي اقتصاد إجرامي، ولا أن كل عمل غير منظم يقود إلى السجن.

لكن معناه أن غياب التنظيم والحماية القانونية والاجتماعية قد يجعل لقمة العيش نفسها مصدراً للمخاطر القانونية والمالية، إذا لم تعمل الدولة على إخراج الناس تدريجياً من المنطقة الرمادية إلى نشاط واضح ومقنن.

فليس معقولاً أن نترك مواطناً سنوات يعيش من نشاط معين، ثم لا نتذكره إلا عندما نقرر منعه. التنظيم الحقيقي يبدأ قبل العقوبة. يبدأ بالتأهيل، والترخيص الممكن، وتبسيط المساطر، وإيجاد البدائل.

المشكلة تبدأ فعلياً عندما يعود العامل إلى البيت

وربما لا نفهم الهشاشة جيداً إذا بقينا ننظر إلى الإنسان فقط في مكان عمله.

علينا أن نتبعه إلى بيته. هناك تتحول الأرقام إلى وجوه. زوجة تنتظر. طفل يحتاج إلى حذاء. آخر يحتاج إلى نظارات. فاتورة كهرباء. كراء. دواء. دخول مدرسي.

وعندما ترتفع الأسعار لا يستطيع رب الأسرة أن يقول لأطفاله إن دخله لم يرتفع بالنسبة نفسها. فتبدأ عملية ترتيب الحرمان. هذا الشهر نؤجل الملابس. الأسبوع المقبل نشتري الدواء الآخر. اللحم ليس ضرورياً. وعلاج الأسنان «حتى يفرج الله».

وهكذا يتعلم الأطفال بدورهم لغة الهشاشة دون أن يدرسها أحد لهم. الطفل الصغير يطلب. أما الكبير فينظر أولاً إلى وجه أبيه قبل أن يطلب.

وهذه ربما أقسى درجات الفقر: أن يتعلم الطفل مبكراً ألا يحلم بما قد يحرج والديه.

لماذا نقبل أن يكون العمل علاجاً مؤقتاً للبطالة لا علاجاً دائماً للهشاشة؟

لسنا هنا أمام قضية فئات تريد الامتياز.

ولا أمام دعوة إلى توظيف الجميع في الإدارة العمومية. ولا إلى إلغاء المناولة والصفقات أو ترك الشوارع بلا تنظيم.

القضية أبسط وأكثر عمقاً: كيف نجعل كل من يعمل يشعر أن سنوات العمل تقوده إلى مكان أفضل؟

كيف يصبح الشغل سلماً يصعد به الإنسان، لا دائرة يظل يدور داخلها حتى يتعب؟

كيف نجعل صاحب النشاط الصغير ينتقل إلى نشاط منظم؟

وكيف نضمن انتقالاً أكثر أماناً للعمال حين تتغير شركات المناولة؟

وكيف نجد حلاً لفئات يمكن أن تقضي زمناً طويلاً داخل أوضاع صممت أصلاً لتكون مؤقتة؟

وكيف نجعل الحماية الاجتماعية والتقاعد والتأمين والسلامة المهنية والتكوين أموراً مرافقة للعمل، لا امتيازات لا تصل إلا إلى أصحاب الوظائف الأكثر استقراراً؟

إن الدولة الاجتماعية لا تقاس فقط بعدد الإعانات التي تمنحها عندما يسقط المواطن في الفقر. الأقوى أن تمنع سقوطه من البداية.

نريد قياس الأمان إلى جانب قياس البطالة

ولهذا، فإن معركة التشغيل المقبلة يجب ألا تظل محصورة في رقم البطالة.

نحتاج إلى الحديث بنفس القوة عن جودة العمل، واستمراريته، ودخله، وحمايته، وقدرته على بناء المستقبل.

كم شخصاً يشتغل دون أن يستطيع ادخار شيء؟

كم أسرة ستدخل دائرة الفقر إذا توقف دخلها شهرين؟

كم عاملاً يبلغ الخمسين ولا يعرف ما الذي ينتظره في الستين؟

كم شخصاً عاش ثلاثين سنة على «المؤقت»؟

هذه الأرقام الاجتماعية لا تقل أهمية عن معدل البطالة.

فالنجاح الحقيقي ليس أن ننقل شخصاً في جدول إحصائي من خانة «عاطل» إلى خانة «مشتغل». النجاح أن ننقله في الحياة من الخوف إلى الأمان.

ليست حكايات الكسل… إنها حكايات الذين عملوا كثيراً

هذه ليست حكايات أشخاص رفضوا العمل.

إنها حكايات رجال ونساء اشتغلوا. حرسوا. نظفوا. بنوا. نقلوا. باعوا. حملوا. وخدموا الناس والإدارات والشركات والمدن.

بعضهم بدأ شاباً وهو يقول: «غير البداية».

ثم تزوج. وأنجب. وعاش. وانتظر أن تتحسن البداية.

حتى كبر الأطفال وتعب الجسد وبقي الاستقرار مؤجلاً.

وحين يصل الإنسان إلى تلك المرحلة لا يكون السؤال:

كم ربحت طوال هذه السنوات؟

بل: ماذا بنت لي كل هذه السنوات؟

لأن العمل الحقيقي لا ينبغي أن يمنح الإنسان فقط مالاً يعود به إلى أسرته مساء.

ينبغي أن يمنحه أيضاً سبباً لكي ينام وهو أقل خوفاً من صباح الغد.

وعندما يصبح العامل قادراً على القول: لي دخل كريم، ولي حقوق، ولي حماية، ولي تقاعد، وإذا تغيرت الشركة أو مرضت أو كبرت في السن فلن تسقط أسرتي معي… عندها فقط نستطيع أن نقول إننا لم نوفر له مجرد مورد رزق، بل منحناه مهنة وحياة ومستقبلاً.

وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل في مدننا وقرانا آلاف الحكايات المؤلمة من قلب الهشاشة؛ حكايات أناس يشتغلون كل يوم من أجل ألا يصبحوا فقراء، بينما يعيشون كل يوم خائفين من اليوم الذي قد يصبحون فيه كذلك.




في نفس الركن