☰
2026 أكتوبر 29 - تم تعديله في [التاريخ]

حكاية المغرب الذي نبنيه بالحجر ونهدمه بسوء تربية واحتضان البشر

ماذا لو شيّدنا المؤسسات ونسينا الإنسان الذي أُنشئت من أجله؟ بوشعيب حمراوي يطلق صرخة تضعنا أمام سؤال المغرب الذي نبنيه والمستقبل الذي نتركه لأبنائنا.


◆ حين ننسى لماذا أنشأنا المؤسسات

الكاتب بوشعيب حمراوي
★ العلم الإلكترونية - بقلم: بوشعيب حمراوي ★
من المدرسة والمسجد والشارع إلى الأحزاب والنقابات والجمعيات… لنجعل من مؤسساتنا فضاءات لبناء الإنسان وترسيخ القيم وصيانة الهوية وحماية الوطن.

لم نعد ندرك، أو لعلنا نتظاهر بعدم الإدراك، ما الذي نريده بالضبط من مدارسنا ومساجدنا وسجوننا وملاعبنا ومراكزنا الثقافية والفنية ودور شبابنا وجمعياتنا وأحزابنا ونقاباتنا وتنظيماتنا الحقوقية. فقد تعددت المؤسسات، وتكاثرت الهياكل، وتضخمت الشعارات، وتناسلت البرامج والمخططات، لكن السؤال الجوهري ظل معلقًا: أي إنسان مغربي نريد أن نصنع؟ وأي مجتمع نريد أن نبني؟ وأي وطن نريد أن نورثه للأجيال القادمة؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة ليس قلة مؤسساتها ولا ضعف إمكانياتها المادية، بل أن تفقد تلك المؤسسات الغاية من وجودها، وأن تتحول من وسائل للبناء والإصلاح والتأطير إلى فضاءات لتدبير المصالح وتوزيع الامتيازات وإعادة إنتاج الأعطاب نفسها.

فما قيمة مدرسة لا تربي على التفكير والاستقامة والمسؤولية؟ وما جدوى مسجد لا ينعكس أثر خطابه على أخلاق المصلين وسلوكهم اليومي؟ وما فائدة سجن يخرج منه بعض نزلائه أكثر استعدادًا للعودة إلى الجريمة؟ وما معنى ملعب رياضي يتحول من فضاء للتنافس الشريف إلى مصدر للعنف والكراهية؟ وما نفع جمعية ترفع شعار خدمة المجتمع بينما لا تتجاوز أنشطتها حدود الملفات الإدارية والدعم المالي والصور التذكارية؟

ثم ماذا ننتظر من أحزاب لا تتذكر المواطن إلا في مواسم الانتخابات؟ ومن نقابات تختزل أحيانًا الدفاع عن الشغيلة في حسابات المواقع والمكاسب؟ ومن تنظيمات حقوقية قد تنشغل بالصراعات والاصطفافات أكثر من انشغالها بكرامة الإنسان وحقوقه وواجباته؟

إنها أسئلة موجعة، لكنها ضرورية؛ لأن المجتمعات التي تخشى مساءلة مؤسساتها لا تستطيع إصلاحها.

◆ المدرسة والمسجد والأسرة… من المسؤول عن صناعة الضمير؟

لا يمكن بناء وطن قوي بمؤسسات ضعيفة التأثير في الإنسان. فالمدرسة ليست مجرد بناية تضم حجرات وطاولات وسبورات، وليست مصنعًا للشهادات والمراتب والنجاح العددي. إنها المؤسسة التي ينبغي أن يتعلم فيها الطفل معنى الوطن، وقيمة العمل، وحرمة المال العام، واحترام القانون، وقبول الاختلاف، ورفض الغش والرشوة والعنف.

والمسجد ليس مجرد فضاء لأداء الصلوات، بل مؤسسة روحية وتربوية يفترض أن تسهم في ترسيخ الصدق والأمانة والتسامح والعدل والتضامن. فلا معنى لتدين لا يمنع صاحبه من أكل حقوق الآخرين، ولا قيمة لمظاهر الورع حين تنفصل عن المعاملة والسلوك.

أما الأسرة، فهي المدرسة الأولى التي يتلقى فيها الطفل دروس الحياة قبل أن يدخل الفصل الدراسي أو يستمع إلى خطيب الجمعة. وحين يتعلم داخل بيته أن الكذب ذكاء، وأن الغش شطارة، وأن الرشوة وسيلة لقضاء الأغراض، وأن الاعتداء على الملك العام حق مكتسب، فإننا لا نربي مواطنًا، بل نزرع بذور فساد قد تنمو معه إلى مواقع المسؤولية.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية: قد نحارب الفساد في الإدارات، بينما نواصل إنتاج أسبابه داخل البيوت والمؤسسات التربوية والفضاءات الاجتماعية.

◆ الشعب والفساد… علاقة لا يجوز إخفاؤها

قد لا تعجب هذه الحقيقة الكثيرين، لكن علينا أن نمتلك شجاعة طرحها: الفساد لا يعيش فقط بفضل من يمارسونه داخل المؤسسات، بل يجد أحيانًا من يغذيه ويحميه ويبرره داخل المجتمع نفسه.

فحين يقدم المواطن رشوة للحصول على خدمة، أو يبحث عن واسطة لتجاوز القانون، أو يشتري صوتًا انتخابيًا أو يبيع صوته، أو يشهد زورًا، أو يستولي على ملك عمومي، أو يصفق لمسؤول فاسد لأنه قريب منه عائليًا أو حزبيًا أو قبليًا، فإنه لا يكون مجرد ضحية للفساد، بل يصبح، بدرجات متفاوتة، طرفًا في استمراره.

لكن الإنصاف يفرض علينا أيضًا ألا نضع جميع المواطنين في سلة واحدة. فهناك من يُدفع إلى التعامل مع ممارسات فاسدة بسبب اختلال موازين القوة أو الخوف من ضياع حق أو تعطل مصلحة. والمسؤولية الأكبر تقع على من يمتلك السلطة ويستغلها، وعلى المؤسسات التي تعجز عن الوقاية والمراقبة والمحاسبة.

إن الفساد ليس مرضًا حكوميًا فقط، ولا حزبيًا فقط، ولا إداريًا فقط. إنه خلل قد يتسلل إلى الثقافة الاجتماعية حين يصبح التحايل أمرًا عاديًا، والاستقامة سذاجة، والثراء غير المشروع علامة نجاح، والمطالبة بالحق دون وساطة ضربًا من الخيال.

لذلك لن يكفي تغيير مسؤول بمسؤول، أو حكومة بحكومة، أو مجلس بآخر، إذا بقيت العقليات نفسها تنتج الممارسات ذاتها.

فهل نريد بالفعل محاربة الفساد، أم نريد فقط أن نحرم خصومنا من الاستفادة منه لنستفيد نحن؟

◆ السجون والملاعب والثقافة… مؤسسات البناء أم فضاءات للضياع؟

إن السجن الذي لا يعيد تأهيل الإنسان، ولا يمنحه فرص التعلم والتكوين والاندماج، يظل عاجزًا عن أداء جزء أساسي من رسالته الإصلاحية.

والملعب الذي لا يربي على احترام المنافس والقانون، قد يتحول من مدرسة للروح الرياضية إلى فضاء لتفريغ الغضب والعنف.

والمركز الثقافي الذي لا يفتح أبوابه للمبدعين، ولا يحتضن الفكر والفن والنقاش المسؤول، يصبح مجرد بناية صامتة.

أما دور الشباب والمؤسسات الجمعوية، فلا ينبغي أن تكون مجرد عناوين في لوائح إدارية أو مناسبات موسمية لتقديم تقارير الأنشطة، بل فضاءات لاكتشاف المواهب وتأطير الأجيال وإشراكها في خدمة المجتمع.

نحن لا نعاني بالضرورة من غياب الهياكل بقدر ما نعاني أحيانًا من ضعف الروح التي يفترض أن تسكنها.

لقد أصبح من الضروري أن نقيس نجاح المؤسسات ليس فقط بعدد بناياتها وميزانياتها وموظفيها وأنشطتها، بل بحجم الأثر الذي تتركه في الإنسان والمجتمع.

◆ الأحزاب والنقابات والجمعيات… حين تضيع الرسالة وسط المصالح

لا يمكن الحديث عن إصلاح المجتمع دون مساءلة التنظيمات التي يفترض أن تؤطره وتمثله وتدافع عن مصالحه.

فالحزب السياسي مدرسة للمواطنة والمشاركة وتدبير الاختلاف، وليس مجرد آلة انتخابية لتوزيع التزكيات والمناصب.

والنقابة إطار للدفاع عن الحقوق المهنية والاجتماعية، وليست وسيلة لحماية الامتيازات أو تصفية الحسابات.

والجمعية فضاء للتطوع والمبادرة والتضامن، وليست مقاولة موسمية تعيش على الدعم العمومي دون أثر ملموس.

والهيئة الحقوقية يفترض أن تكون صوتًا للكرامة والإنصاف، وأن تدافع عن الحقوق وفق مبادئ واضحة، دون انتقائية أو توظيف سياسي.

وليس من العدل تعميم هذه الاختلالات على الجميع، فهناك فاعلون نزهاء ومناضلون حقيقيون يقدمون الكثير بصمت. لكن وجود النماذج المشرفة لا ينبغي أن يمنعنا من فضح الممارسات التي تسيء إلى العمل السياسي والنقابي والجمعوي والحقوقي.

إن المؤسسات لا تنهار فقط عندما يغادرها الصالحون، بل عندما يصبح وجودهم داخلها استثناءً، ويغدو الصمت عن الانحراف شرطًا للاستمرار.

◆ الوطن ليس مجرد أرض… والعرض ليس مجرد نسب

لقد اختزلنا أحيانًا مفهوم العرض في الزوجة والأبناء والحسب والنسب، ونسينا أن للإنسان عرضًا وطنيًا لا يقل قداسة في وجدانه عن عرضه الشخصي.

فالوطن عرض، والكرامة عرض، والهوية عرض، واللغة والثقافة والتاريخ والذاكرة الجماعية عناصر من كرامة الأمة وسيادتها.

وأمنا الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية تحددها الخرائط والحدود، بل هي تاريخ الأجداد، وعرق العاملين، وتضحيات المقاومين، وأحلام الأطفال، ومستقبل الأجيال التي لم تولد بعد.

كيف نرفع شعارات حب الوطن ثم نسمح بتخريب مدارسه ومرافقه؟ وكيف نفتخر بهويتنا المغربية ونحن نتسامح مع من يعبث بتراثها أو يختزلها في شعارات للاستهلاك؟ وكيف نتحدث عن السيادة ونحن لا نحمي استقلال عقولنا وقدرتها على التفكير والنقد والتمييز؟

إن حماية الوطن لا تتحقق فقط بحراسة الحدود، على أهميتها، بل أيضًا بحماية المدرسة من التفاهة، والإدارة من الرشوة، والسياسة من المتاجرة، والثقافة من التمييع، والإعلام من التضليل، والشباب من اليأس والاستغلال.

ولا تعني حماية الهوية المغربية الانغلاق على العالم أو رفض الثقافات الأخرى. فالمغرب راكم قوته الحضارية عبر انفتاحه وتعدد روافده وتفاعله مع محيطه الإفريقي والعربي والأمازيغي والمتوسطي. وإنما الخطر الحقيقي هو أن نفقد القدرة على التمييز بين الانفتاح الواعي والذوبان غير الواعي، وبين التفاعل الحضاري والتبعية الفكرية.

◆ العقل المغربي… المعركة التي لا يجوز خسارتها

لقد أصبحت معركة بناء الإنسان أكثر تعقيدًا مع التوسع الهائل في استعمال وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية.

فلم تعد الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام التقليدي وحدها تؤثر في تشكيل وعي الأجيال. هناك اليوم مؤثرون وخوارزميات ومنصات قادرة على الوصول إلى الأطفال والشباب والتأثير في أفكارهم وسلوكهم وتطلعاتهم.

وهذا التحول يحمل فرصًا هائلة للتعلم والإبداع، لكنه يفتح كذلك أبوابًا للتضليل والابتزاز والتحرش الرقمي ونشر الكراهية وتطبيع العنف والاستهلاك المفرط للمحتويات السطحية.

إن أخطر أشكال الاختراق ليست دائمًا تلك التي تستهدف الأرض، بل التي تستهدف العقل، فتحرمه من التفكير المستقل، وتجعله عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والإشاعة، وبين الحرية والفوضى، وبين النقد المشروع والهدم المتعمد.

ولهذا فإن بناء المناعة الوطنية لا يكون بالخوف من الأفكار أو مصادرة الآراء، بل بتكوين مواطن متعلم وواعٍ، يمتلك القدرة على السؤال والتحليل والمقارنة والاختيار، ويعتز بانتمائه دون أن يفقد احترامه للآخرين.

◆ لا نهضة دون ثورة في السلوك والضمير

لسنا بحاجة إلى المزيد من الشعارات بقدر حاجتنا إلى استعادة المعنى الحقيقي للمسؤولية.

نريد مدرسة تصنع الإنسان قبل الشهادة، ومسجدًا يربط العبادة بالأخلاق، وسجنًا يعيد التأهيل، وملعبًا ينشر الروح الرياضية، ومركزًا ثقافيًا يصنع الإبداع، وجمعية تخدم المجتمع، وحزبًا يؤطر المواطنين، ونقابة تحمي كرامة العاملين، وإعلامًا ينير العقول، وإدارة تحترم القانون والإنسان.

ونريد قبل ذلك كله مواطنًا يدرك أن محاربة الفساد تبدأ من رفض ممارسته، وأن حب الوطن ليس نشيدًا يردد في المناسبات، بل سلوك يومي يظهر في احترام القانون، وإتقان العمل، وصيانة الملك العام، والدفاع عن الحقوق، والالتزام بالواجبات.

إن تخليق الحياة العامة لا يمكن أن ينجح بالمواعظ وحدها، وإنما يحتاج إلى عدالة ناجزة، ومحاسبة عادلة، وشفافية في تدبير المال العام، وتكافؤ في الفرص، ومؤسسات قوية لا تحمي أحدًا من المساءلة.

ولا يجوز أن يُطلب من المواطن أن يكون نزيهًا بينما يرى بعض المسؤولين يفلتون من المحاسبة، أو أن يؤمن بالمساواة أمام القانون وهو يشاهد تفاوتًا في تطبيقه.

فإصلاح المواطن وإصلاح المؤسسات معركتان متلازمتان، ولا يمكن أن تنجح إحداهما بمعزل عن الأخرى.

◆ صرخة أخيرة… أنقذوا الإنسان قبل أن تبحثوا عن إنقاذ المؤسسات

إنني لا أكتب هذه الكلمات لأعلن اليأس من المجتمع المغربي، بل لأرفض الاستسلام لأمراضه واختلالاته.

أكتبها لأنني أؤمن بأن المغاربة يملكون من التاريخ والقيم والطاقات والكفاءات ما يؤهلهم لبناء مجتمع أكثر عدلًا ونزاهة وتضامنًا. لكن هذه الإمكانيات لن تتحول إلى قوة حقيقية ما لم نواجه عيوبنا بالشجاعة نفسها التي نواجه بها خصومنا وتحدياتنا الخارجية.

لقد حان الوقت لنتوقف عن تحميل الدولة وحدها مسؤولية كل شيء، كما حان الوقت لنتوقف عن تحميل الشعب وحده أوزار اختلالات المؤسسات.

فالوطن مسؤولية مشتركة، والفساد مسؤولية من يمارسه ومن يحميه ومن يستفيد منه، والإصلاح واجب الدولة والمجتمع معًا.

ليس المطلوب تطهير المجتمع من الأشخاص المختلفين معنا، بل تطهير الممارسات من الفساد، وتحرير المؤسسات من المحسوبية، وحماية الحقوق بالقانون، وتجديد القيم بالتربية والقدوة والمحاسبة.

فالأرض التي ندافع عنها ضد الأطماع الخارجية تستحق منا أيضًا أن ندافع عنها ضد الفساد الداخلي، وأن نحمي خيراتها من النهب، وأجيالها من الضياع، ومؤسساتها من العبث.

وإذا كان الدفاع عن الحدود يحمي جغرافية الوطن، فإن الدفاع عن التربية والنزاهة والعدل والهوية يحمي روحه ومستقبله.

وما أخشاه ليس أن نفتقر إلى المدارس والمساجد والسجون والملاعب والجمعيات والأحزاب والنقابات، بل أن نمتلكها جميعًا، ونفقد رغم ذلك الإنسان الذي أنشئت من أجله.

فأي وطن سنترك لأبنائنا إذا نجحنا في تشييد البنايات وفشلنا في بناء الإنسان؟

وأي سيادة سنحتفل بها إذا حافظنا على الأرض، وتركنا العقول والضمائر نهبًا للفساد والتضليل والضياع؟

إنها صرخة من أجل المغرب، ومن أجل الإنسان المغربي. فقبل أن نسأل: من أفسد مؤسساتنا؟ علينا أن نسأل أيضًا: كيف نصلح الإنسان الذي يديرها، ويعمل فيها، ويستفيد منها، ويراقب أداءها؟

لأن الأوطان لا يحميها الحجر وحده، بل يحميها البشر الذين يعرفون قيمتها، ويستحقون الانتماء إليها.

بناء الإنسان وترسيخ القيم أساس قوة المؤسسات ومستقبل الوطن



في نفس الركن