★ بقلم: بوشعيب حمراوي ★
برنامج حكومي بطموحات اجتماعية واقتصادية كبيرة، يراهن على إنصاف المتقاعدين والأرامل، وحماية القدرة الشرائية، وتشغيل الشباب، وإصلاح التعليم والصحة، والعدالة المجالية… في انتظار أن تنتقل الأرقام من قبة البرلمان إلى جيوب المواطنين وحياتهم اليومية.
ليس من الإنصاف أن نستقبل كل برنامج حكومي جديد بسكاكين النقد، ولا أن نحاكم النوايا قبل اختبار الأفعال، كما ليس من الحكمة أن نصفق للوعود قبل أن تتحول إلى منجزات. وبين التفاؤل المشروع والحذر المسؤول، اختارت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، في برنامجها الذي قدمته يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 أمام مجلسي البرلمان، أن ترفع سقف طموحاتها، وأن تضع أمام المغاربة تعهدات اجتماعية واقتصادية تستحق القراءة والتثمين، قبل أن يحين موعد المحاسبة والتقييم.
لقد حمل البرنامج الحكومي للفترة 2026–2031 إشارات إيجابية تستحق التوقف عندها، ليس فقط بسبب الأرقام المعلنة، ولكن أساسًا بسبب التحول الذي يبدو أنه بدأ يتشكل في فلسفة تدبير الشأن العام: من التركيز على حجم الاستثمارات والأوراش الكبرى إلى الاهتمام بمردوديتها الاجتماعية، ومن الاحتفاء بما شُيّد من إسمنت وحديد إلى التساؤل عما تحقق من كرامة وعيش كريم وخدمات وفرص عمل.
وهو تحول نأمل أن يكون عميقًا وحقيقيًا، لأن المغرب، الذي قطع أشواطًا مهمة في بناء التجهيزات والبنيات التحتية، يحتاج اليوم إلى أن يشعر المواطن البسيط بأن ثمار التنمية تصل إليه، أينما كان، وفي مختلف مراحل حياته.
ولعل أجمل ما يمكن تسجيله في هذا البرنامج أنه حاول أن يخاطب المواطن بلغته اليومية: كم سأربح؟ كيف سأعيش؟ أين سأشتغل؟ وكيف سأتعلم وأتعالج وأتقاعد؟
◆ المتقاعد والأرملة… حين تستعيد العدالة الاجتماعية معناها
من أبرز الالتزامات التي تستحق التنويه ما يتعلق بإصلاح أنظمة التقاعد، والرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم شهريًا، مع الإعلان عن رفع معاش الأرملة إلى 100%، وفق ما سيحدده الإصلاح المرتقب.
إنها خطوة تحمل، من حيث المبدأ، بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا مهمًا، لأنها تلامس أوضاع فئات أفنت سنوات عمرها في العمل والخدمة، ثم وجدت نفسها أمام معاشات لا تواكب ارتفاع تكاليف المعيشة.
فالمتقاعد لا يطلب صدقة، وإنما ينتظر اعترافًا بما قدمه من جهد وعطاء. والأرملة لا ينبغي أن تتحول وفاة زوجها إلى عقوبة مالية تضاف إلى ألم الفقد.
ولذلك، فإن نجاح هذا الإصلاح سيكون انتصارًا حقيقيًا لفكرة التضامن والإنصاف، شريطة أن يشمل المستحقين بصورة عادلة، وأن يحدد بوضوح شروط الاستفادة وآجال التنفيذ، وأن يحافظ على التوازنات المالية لصناديق التقاعد.
◆ القدرة الشرائية… الاختبار اليومي للحكومة
لا يحتاج المواطن إلى تقارير اقتصادية مطولة حتى يعرف إن كانت أوضاعه تتحسن. يكفي أن يدخل السوق، أو يؤدي فاتورة الكهرباء والماء، أو يشتري أدوية أسرته، ليكتشف الفرق بين الأمس واليوم.
من هذه الزاوية، يبدو توجه الحكومة نحو محاربة المضاربة والوسطاء، وإصلاح الضريبة على الدخل، والرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم، مع إقرار دعم لفواتير الكهرباء لفائدة الأسر المستحقة في حدود 100 درهم، توجهًا يستحق التشجيع.
غير أن الرهان الحقيقي لن يكون فقط في حجم الدعم، بل في قدرة الحكومة على معالجة الأسباب التي تجعل الأسعار تلتهم الأجور والمعاشات.
إن تخفيف العبء عن الأسر المغربية ينبغي أن يتحول إلى سياسة دائمة، لا إلى إجراءات ظرفية. والمطلوب أن يصبح ارتفاع الدخل مصحوبًا باستقرار الأسعار، حتى لا تسترجع الأسواق بيد ما تمنحه الدولة باليد الأخرى.
◆ الشباب… من الانتظار إلى الإنتاج
لعل أخطر ما يواجه المغرب ليس ضعف الموارد أو قلة المشاريع، وإنما وجود طاقات شبابية كبيرة تنتظر فرصتها للمشاركة في التنمية.
ولذلك، فإن تعهد الحكومة بتكوين 100 ألف شاب سنويًا وفق حاجيات المقاولات، وتمكين 100 ألف آخرين من أول تجربة مهنية، وتوسيع برامج التدرج المهني، ومواكبة عشرات الآلاف من المقاولات، يمثل مدخلًا واعدًا لمعالجة معضلة البطالة.
لكن المطلوب ألا تتحول هذه البرامج إلى مجرد محطات عابرة، تمنح الشاب شهادة تكوين أو تجربة مؤقتة، ثم تعيده إلى نقطة البداية.
نريد تشغيلًا ينتج الاستقرار، وتكوينًا ينتهي إلى مهنة، ومقاولات تخلق الثروة وتضمن الكرامة.
فالنجاح الحقيقي لن يقاس بعدد الشباب الذين مروا عبر برامج التكوين، وإنما بعدد الذين وجدوا عملًا مستقرًا، أو أسسوا مشاريع قادرة على الاستمرار.
ومن الإيجابي أيضًا ربط التشغيل بالاستثمار الخاص، لأن الدولة لا يمكنها أن تظل المشغل الوحيد، كما أن القطاع الخاص مدعو إلى تحمل مسؤوليته الوطنية والاجتماعية.
◆ التعليم والصحة… من الحق في الولوج إلى الحق في الجودة
من النقاط المضيئة في البرنامج الحكومي وضع التعليم والصحة ضمن الأولويات الكبرى.
فالتعهد بتمكين 80% من التلاميذ من التحكم في التعلمات الأساسية بحلول سنة 2031، والسعي إلى القضاء على الهدر المدرسي، يعكسان إدراكًا لأهمية المدرسة في بناء المستقبل.
لكن المدرسة المغربية تحتاج، إلى جانب البرامج الجديدة، إلى رد الاعتبار للمدرس، وتحسين ظروف التعلم، وتقليص الاكتظاظ، وتأهيل المؤسسات التعليمية، خصوصًا في العالم القروي والمناطق المهمشة.
فلا قيمة لمؤسسة تحمل صفة الريادة إن كان التلميذ لا يجد فيها شروط التعلم الكريم، أو كان الأستاذ يعمل تحت ضغط مستمر.
أما في الصحة، فإن تعميم التغطية الصحية، وتطوير خدمات الاستعجال، واعتماد الملف الطبي الموحد، كلها إجراءات يمكن أن تحدث تحولًا ملموسًا في علاقة المواطن بالمرفق الصحي.
والمغربي لا يريد فقط بطاقة تخوله العلاج، بل يريد مستشفى يستقبله، وطبيبًا يفحصه، ودواءً يجده، وموعدًا طبيًا لا يضطر إلى انتظاره شهورًا.
◆ العالم القروي والجهات… تنمية لا تترك أحدًا خلفها
يحمل البرنامج إشارات مشجعة بشأن العدالة المجالية، من خلال تعزيز الموارد المالية للجهات، ودعم السكن القروي، وتوسيع خدمات الماء والطاقة والاتصال.
وإذا نجحت الحكومة في تحويل هذه الالتزامات إلى مشاريع مندمجة، فإنها ستساهم في تقليص الفوارق بين المغرب الذي يستفيد من الاستثمارات الكبرى والمغرب الذي ما زال ينتظر نصيبه من الخدمات الأساسية.
إن الجهوية المتقدمة لا ينبغي أن تظل عنوانًا إداريًا أو قانونيًا، بل يجب أن تصبح أداة لإنتاج التنمية وتوزيع ثمارها.
وهنا لا بد من التذكير بأن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بما تتوفر عليه المدن الكبرى من تجهيزات، بل أيضًا بما يصل إلى الجماعات القروية والمدن المتوسطة والصغيرة.
فأقاليم مثل بنسليمان، التي تتوفر على إمكانات طبيعية واقتصادية وموقع استراتيجي متميز، تنتظر أن تنعكس الأوراش الوطنية على بنياتها الصحية والتعليمية، وفرص تشغيل شبابها، وخدمات النقل والتجهيزات الأساسية.
إنصاف هذه المجالات سيكون من أقوى المؤشرات على نجاح التوجه الاجتماعي والترابي للحكومة.
◆ السيادة الوطنية… من الموقف السياسي إلى الأمن الاقتصادي
ومن الإيجابي أن البرنامج لم يحصر السيادة الوطنية في بعدها السياسي والدبلوماسي، بل وسعها لتشمل الأمن المائي والغذائي والطاقي والرقمي.
فالمغرب، الذي يدافع بثبات عن وحدته الترابية، ويجعل من مقترح الحكم الذاتي تحت سيادته أساسًا لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، يحتاج أيضًا إلى تعزيز قدراته الذاتية في المجالات الاستراتيجية.
إن تطوير تحلية مياه البحر، والطاقات المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والبذور الوطنية، والذكاء الاصطناعي، ليس مجرد خيار اقتصادي، بل استثمار في استقلال القرار الوطني وفي حماية الأجيال القادمة.
فالسيادة لا تكتمل بالحدود وحدها، وإنما تتعزز كذلك بالقدرة على تأمين الماء والغذاء والطاقة والمعرفة.
◆ تخليق الحياة العامة… شرط نجاح كل الإصلاحات
ومن بين الالتزامات التي تستحق التنويه الإعلان عن تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح.
إن التنمية لا تحتاج فقط إلى الأموال والمشاريع، بل تحتاج قبل ذلك إلى الثقة.
والثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالشفافية والمحاسبة وربط المسؤولية بالنتائج.
فكل درهم يضيع بسبب الفساد هو درهم يُنتزع من مدرسة أو مستشفى أو طريق أو فرصة شغل.
لذلك، سيكون من المفيد أن تقترن هذه الإرادة التشريعية بآليات عملية لتتبع الصفقات العمومية، وتقييم الأداء، وحماية المال العام، وضمان المساواة أمام القانون.
◆ من التصفيق إلى التفعيل… هنا يبدأ الامتحان
لا شك أن البرنامج الحكومي يحمل طموحات كبيرة، وأن تحقيق نمو اقتصادي سنوي في حدود 5%، وتحسين القدرة الشرائية، وإصلاح التقاعد، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتوفير فرص الشغل، كلها التزامات من شأنها، إن تحققت، أن تحدث فارقًا مهمًا في حياة المغاربة.
لكننا ندرك أيضًا أن البرامج الحكومية ليست نصوصًا أدبية يُحتفى بجمال عباراتها، ولا مسابقات للأرقام الكبيرة.
إنها تعهدات سياسية وأخلاقية أمام الأمة.
ومن هنا، فإن التفاؤل الذي نستقبل به البرنامج ينبغي أن ترافقه مطالبة الحكومة بوضع جدولة زمنية واضحة، وتحديد مصادر التمويل، وتوزيع المسؤوليات، وإعلان مؤشرات سنوية قابلة للقياس والتقييم.
وسيكون من المفيد أن تقدم الحكومة للمغاربة، في نهاية كل سنة، حصيلة دقيقة تقارن بين ما وعدت به وما أنجزته، بعيدًا عن لغة التبرير أو الاحتفال المبالغ فيه.
ولا ينبغي أن تعتبر الحكومة النقد البناء خصومة سياسية، كما لا ينبغي أن تتحول المعارضة إلى مؤسسة لرفض كل شيء، حتى حين تكون المشاريع في صالح المواطنين.
فالمغرب يحتاج إلى حكومة تنجز، ومعارضة تراقب وتقترح، ومؤسسات تحاسب، ومجتمع مدني يواكب ويساهم.
◆ أخيرًا… استووا واعتدلوا وتراصوا خارج المساجد
لعل البرنامج الحكومي الجديد يضعنا أمام فرصة أخرى لترجمة النداء الذي طالما رددناه: استووا واعتدلوا وتراصوا، يرحمكم الله، خارج المساجد.
استووا في تحمل المسؤولية، واعتدلوا في توزيع الثروة والفرص، وتراصوا لخدمة الوطن والمواطنين.
فلا معنى لأن تتحدث الحكومة عن العدالة الاجتماعية، ثم تتعثر مشاريعها بسبب صراعات المصالح أو الحسابات الحزبية أو ضعف التنسيق بين الوزارات والمؤسسات.
ولا معنى لأن نرفع شعار الدولة الاجتماعية إن ظل المواطن مضطرًا إلى البحث عن وساطة للحصول على حق يفترض أن تكفله له القوانين.
نحن أمام برنامج يستحق التفاؤل، ويستحق أن تُمنح الحكومة فرصة ترجمته إلى واقع. فالإنصاف يقتضي تثمين التوجهات الجيدة، كما تقتضي المسؤولية متابعة تنفيذها دون مجاملة.
إن المغاربة لا ينتظرون المعجزات، ولا يطالبون بأن تتحقق كل الوعود دفعة واحدة. إنهم يريدون فقط أن يلمسوا، سنة بعد أخرى، أن أوضاعهم تتحسن، وأن أبناءهم يجدون فرصًا أفضل، وأن شيخوختهم أصبحت أكثر أمنًا، وأن وطنهم يزداد قوة وإنصافًا.
سنكون سعداء إذا نجحت حكومة المنصوري، لأن نجاحها في الوفاء بالتزاماتها لن يكون انتصارًا لحزب أو تحالف، وإنما مكسبًا للمغرب والمغاربة.
ولذلك، نقول للحكومة الجديدة: لقد أحسنتم رفع سقف الطموح، ونرجو أن تحسنوا تنزيله.
نثمن اليوم ما أعلنتم، وسنتابع غدًا ما أنجزتم.
فالوعد يزرع الأمل، والإنجاز يصنع الثقة، والاستمرارية وحدها تحول الأمل إلى واقع.
ولن يكون أجمل من أن تنتهي هذه الولاية الحكومية والمغاربة يقولون:
لقد وعدونا… ووفوا.
رئيسية 








الرئيسية




