الرباط: أنس الشعرة
تشهد مدينة سبتة المحتلة تطورات متسارعة، تؤكد أن تداعيات موجة الهجرة الجماعية الأخيرة لم تنته بعد، بل دخلت مرحلة جديدة تتداخل فيها الحملات الرقمية المجهولة مع محاولات اليمين المتطرف الإسباني توظيف الأزمة سياسياً وإيديولوجياً. وبينما تتواصل الدعوات عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتنظيم محاولة عبور جماعية جديدة نحو المدينة يوم 15 غشت الجاري، تتزايد المؤشرات على أن ما وقع لم يكن مجرد تحرك عفوي، بل سبقته عمليات تعبئة واسعة عبر الفضاء الرقمي، في معطيات تتقاطع مع الرواية التي قدمتها السلطات المغربية منذ البداية بشأن استغلال الإشاعات والمنصات الإلكترونية وشبكات الاتجار بالبشر لدفع الشباب والقاصرين نحو المغامرة بحياتهم.
وكشفت وسائل إعلام إسبانية، في مقدمتها صحيفة «إلباييس»، عن رصد مئات الرسائل والمنشورات المتداولة على «فيسبوك»، و«واتساب»، و«إنستغرام»، تدعو إلى التجمع قرب سبتة وتحدد يوم 15 غشت موعداً لمحاولة جديدة، مع تبادل معلومات حول طرق الوصول إلى المنطقة الحدودية. كما أظهرت تحقيقات إعلامية إسبانية وجود مئات الآلاف من المستخدمين داخل مجموعات تناقش الهجرة نحو المدينة، في وقت لا تزال فيه هوية المشرفين على عدد كبير من هذه الصفحات غير معروفة، ودون وجود أدلة علنية تثبت قيادة مركزية موحدة لهذه الدعوات، وإن كانت طبيعة الرسائل وتشابهها وسرعة انتشارها تعكس مستواً لافتاً من التعبئة الرقمية.
وتتوافق هذه المعطيات مع تقارير استخباراتية إسبانية تحدثت عن نشاط رقمي واسع سبق أحداث نهاية يوليوز، سجل ملايين التفاعلات بمشاركة حسابات من عدة دول، بينها الجزائر، وتونس، وفرنسا، وهو ما يعزز فرضية وجود عمليات تضخيم منسقة للمحتوى الداعي إلى الهجرة، دون أن يشكل ذلك دليلاً قاطعاً على إدارة موحدة لجميع الحسابات المشاركة.
وفي المقابل، أظهرت التطورات أن الأزمة لم تقتصر على بعدها الأمني والإنساني، بل تحولت أيضاً إلى مادة للاستغلال السياسي داخل إسبانيا. فقد سارع قادة وأعضاء من أحزاب وتنظيمات اليمين المتطرف إلى التوجه نحو سبتة، مقدمين ما جرى باعتباره «غزواً» يهدد الهوية الإسبانية، ومطالبين بتشديد عسكرة الحدود، ومحاولين ربط الهجرة بالإسلام والمسلمين.
غير أن هذه المحاولات اصطدمت برفض واسع داخل المدينة؛ حيث وقف مسلمون ومسيحيون معاً في مواجهة الخطابات التحريضية، مؤكدين أن سبتة ليست ساحة لنشر الكراهية أو تصفية الحسابات السياسية. كما فشلت دعوات بعض رموز اليمين المتطرف إلى تعبئة الإسبان ضد سكان المدينة، بعدما قوبلت بتحركات مضادة وشعارات ترفض النازية والإسلاموفوبيا، في مشهد عكس تمسك جزء كبير من المجتمع المحلي بالتعايش رغم حساسيات الظرف.
وتكشف هذه التطورات أن أزمة سبتة تجاوزت منذ مدة بعدها المرتبط بالهجرة غير النظامية، لتصبح ساحة تتقاطع فيها حملات التضليل الرقمي، وشبكات تهريب البشر، والاستقطاب السياسي داخل إسبانيا. وفي المقابل، تبدو المعطيات الميدانية أقرب إلى ما أكدته وزارة الداخلية المغربية، التي شددت منذ البداية على أن موجة العبور لم تكن نتيجة عوامل ظرفية فقط، وإنما غذتها حملات تضليل عبر الفضاء الرقمي، وتأويلات مغلوطة لقرارات إدارية إسبانية، واستغلال مباشر من شبكات الاتجار بالبشر، بما يستوجب مقاربة أمنية وتوعوية مشتركة، بعيداً عن محاولات توظيف الأزمة لإذكاء خطاب الكراهية أو تحميل المسؤولية لأطراف دون الاستناد إلى وقائع مثبتة.
2026 أغسطس/أوت 6 - تم تعديله في
[التاريخ]
حملات رقمية مشبوهة تدعو إلى موجة عبور جديدة نحو سبتة المحتلة
اليمين المتطرف يحاول استثمار الأزمة ضد المغرب ويفشل في خلق صراع ديني داخل المدينة
في نفس الركن
{{#item}}
{{/item}}
{{/items}}