*بقلم: محمد اليطفتي*
ليس أخطر من أن تتحول سحنة الإنسان إلى تهمة، وأن يصبح لون بشرته أو اسمه أو دينه سبباً كافياً لإهانته والاعتداء عليه. وهذا بالضبط ما تكشفه، مرة أخرى، الواقعة المؤسفة التي شهدها شارع «غران بيا» وسط سبتة السليبة، حين وجد مواطن نفسه عرضة للإهانة والضرب لمجرد أن المعتدين حسبوه، من خلال مظهره، مهاجراً غير نظامي.
إنها ليست مجرد مشادة عابرة في شارع عام، ولا حادثة يمكن اختزالها في خلاف شخصي بين أفراد. فحين يكون الدافع هو الاشتباه في هوية شخص أو أصله أو انتمائه، فإن الأمر يتجاوز حدود السلوك الفردي ليكشف عن مناخ اجتماعي مقلق، تتغذى فيه الأحكام المسبقة من خطاب يخلط بين الهجرة والهوية، وبين المظهر والانتماء، وبين الاختلاف و«الخطر».
والأشد إثارة للقلق أن هذه الحادثة تأتي في سياق شهد، بحسب ما تم تداوله، استهداف قاصرة مسلمة بعبارات مهينة خلال إحدى مظاهرات الحدود، في مشهد يكشف كيف يمكن للشحن السياسي والاجتماعي أن ينزلق إلى استباحة كرامة المواطنين، وأن يجعل من المسلم، في بعض الخطابات والممارسات، موضع شبهة دائمة، حتى وهو يعيش في مدينته وبين أهله.
لقد كان محمد مصطفى، زعيم حزب «Ceuta Ya!»، محقاً في التحذير من خطورة هذا المناخ ومن تداعيات الخطاب الذي يدفع نحو خلط الأوراق واستهداف الناس على أساس مظهرهم أو هويتهم الدينية واللغوية. فالمجتمعات لا تُبنى بإذكاء المخاوف المتبادلة، ولا يُصان السلم الاجتماعي بتحويل فئات من المواطنين إلى كبش فداء لكل أزمة أو توتر.
إن مسلمي سبتة ليسوا مهاجرين طارئين على المدينة، ولا غرباء عن تاريخها ومجتمعها. إنهم مواطنون لهم كرامتهم وحقوقهم، ومن غير المقبول أن تكون السحنة أو الانتماء الديني أو الاسم العربي مدعاة للريبة والإهانة والعنف. كما أن محاربة الهجرة غير النظامية، مهما كانت مشروعيتها في إطار القانون، لا تمنح أحداً حق ممارسة «العدالة» في الشارع، ولا تبرر الاعتداء على إنسان بناءً على مجرد انطباع عن مظهره.
وإذا كانت الديمقراطية تُقاس، قبل كل شيء، بقدرتها على حماية الأقليات وصون كرامة المختلف، فإن ما يجري يستدعي يقظة سياسية ومجتمعية حقيقية. المطلوب ليس فقط إدانة الاعتداء بعد وقوعه، وإنما مواجهة جذور الخطاب العنصري، ووضع حد لكل أشكال التحريض والتنميط التي تجعل بعض المواطنين يشعرون بأنهم مطالبون، في كل لحظة، بإثبات أنهم «ينتمون» إلى مدينتهم.
إن سبتة لا تحتاج إلى مزيد من الأسوار داخل المجتمع، ولا إلى مناخ يحول الاختلاف الديني والثقافي إلى مصدر خوف وعداء. ما تحتاجه هو احترام القانون، وصون الكرامة الإنسانية، ومواجهة العنصرية بلا مواربة. فحين تصبح السحنة تهمة، يصبح الصمت عن العنصرية مشاركة في تكريسها.
رئيسية 








الرئيسية




