Quantcast
2026 سبتمبر 5 - تم تعديله في [التاريخ]

حين تُختزل المعرفة في شهادة.. من يعيد للعلم منزلته؟

بين شاشة تنجز الواجب في ثوانٍ، وشهادة يُنظر إليها باعتبارها مجرد جسر إلى الوظيفة، تتراجع أسئلة المعرفة والتكوين وبناء الإنسان. الكاتب "محمد الحفظاوي" يعود إلى المنطلق الأول، ويتتبع رحلة العلم من أمر «اقرأ» إلى مدارس الحضارة ومختبرات الحياة، سائلًا: ماذا يبقى من التعليم حين يغيب شغف التعلّم؟


منزلة العلم ومهاراته في التشريع وفي الحياة

الكاتب "محمد الحفظاوي"
الكاتب "محمد الحفظاوي"

*بقلم: محمد الحفظاوي*

في هذا الزمان الذي ظهرت فيه أهمية العلم، وقيمة المعرفة، ومهارات الحياة المتنوعة، برزت أيضًا آفات كثيرة، منها العزوف عن القراءة والبحث العلمي، وفشو السرقات الأدبية، والتواكل على التكنولوجيا الرقمية، والاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي في إنجاز الأعمال العلمية وغيرها، والسعي إلى الانخراط في المؤسسات التعليمية لنيل الشهادات من أجل الحصول على لقمة الخبز فقط.

فارتبط العلم بالشهادات المؤهلة للتوظيف، وضمرت، إن لم نقل انعدمت، الرغبة في التعلم والتعليم من أجل التكوين الذاتي، والتأهل لرتب العالمية، واكتساب الخبرة ومهارات إنتاج المعرفة لنفع الذات والمجتمع. وما ذاك إلا بسبب غياب الرؤية الشرعية المؤطرة لحركة الإنسان، وانتشار ثقافة الاستهلاك والعقلية الرأسمالية المادية في المجتمع. وكما يقول علماء الاجتماع: فشت ثقافة السيولة على حساب قيم الصلابة.

كل هذا وغيره من مشكلات الواقع العلمي يتطلب التذكير بمنزلة العلم ومهاراته في التشريع وفي الحياة، لإحداث اليقظة من الغفلة العامة عن القصد الأصلي والنية الأساس في طلب العلم، وسلوك طرقه المسهلة لمسالك الرفعة الدنيوية وعلو المنزلة الأخروية.

ونحن هنا لا نلغي من حسابنا اعتبار حظوظ النفس الإنسانية من الحصول على الشهادات ونيل الدرجات، والحصول على الوظائف من أجل اكتساب دخل يوفر حياة كريمة، إلا أننا نعتب على من لا يلقي بالًا للقصد الأصلي والنية الأولى من طلب العلم؛ وهو الامتثال للأمر الرباني، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1].

إن طلب العلم من أفضل القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، ومن أعظم الطاعات التي ترفع منزلة المسلم وتعلي قدره عند الله سبحانه. ولقد أمر الله عباده بالعلم والتعلم والتفكير والتدبر، وحذرهم من الجهل واتباع الهوى، وبيّن أن العلم الذي ينفع صاحبه يوم القيامة هو العلم الذي يبتغي فيه وجه الله تعالى ونيل رضاه، ويتأدب فيه بأدب الإسلام، ويتخلق بأخلاق سيد الأنام ﷺ، الذي كان خلقه القرآن.

لذلك، كانت أول آيات الذكر الحكيم نزولًا عن مفتاح العلم، وهو القراءة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۝ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].

فافتتحت سورة العلق بكلمة ﴿اقرأ﴾، وفيها أمر، على الحقيقة، بطلب تحصيل فعل في الحال أو الاستقبال، بالقراءة بنطق كلام معين مكتوب أو محفوظ عن ظهر قلب. كما ثنّى بذكر فضيلة وسيلة التعليم ونشر العلم، وهي الخط بالكتابة بالقلم؛ إذ «ما دُوّنت العلوم، ولا قُيّدت الحِكم، ولا ضُبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كُتب الله المنزلة إلا بالكتابة؛ ولولا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا»[1].

ولمكانة العلم في الإسلام وأهله، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18][2].

فانظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه، وثنّى بالملائكة، وثلّث بأهل العلم! وناهيك بهذا شرفًا وفضلًا.

وقال تعالى مبينًا فضل العلماء وما لهم من مكانة رفيعة: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11][3].

ورفع الدرجات يدل على عظيم الفضل، ويشمل الرفعة المعنوية في الدنيا بعلو المنزلة وحسن الصيت[4]، والحسنة في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة.

فمن خلال آيات العلم في القرآن الكريم، يتبين أن العلم أساس هذه الأمة، بل هو أساس استخلاف هذا النوع البشري كله على بقية الأنواع في أرض الله.

ولقد حث الإسلام على طلب العلم، وأولى العلوم بالطلب علوم الدين، التي يعرف بها الإنسان نفسه ويعرف ربه، ويهتدي إلى رسالته في الحياة، ويعلم ما له وما عليه.

لذلك، ذكر الإمام البخاري، رحمه الله، في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله»[5].

قال بدر الدين العيني: «فيه فضل العلماء على سائر الناس، وفيه فضل الفقه في الدين على سائر العلوم، وإنما ثبت فضله لأنه يقود إلى خشية الله والتزام طاعته»[6].

ثم بعد ذلك، كل علم يكشف حقيقة تهدي الناس إلى الحق، أو تقربهم من خير، أو تحقق لهم مصلحة وتدرأ عنهم مفسدة. ويشمل هذا علوم الطب والهندسة والفيزياء والرياضيات والفلك والتاريخ وغيرها.

وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122][7].

قال ابن الفرس: «وفي هذه الآية أيضًا دلالة على وجوب طلب العلم، وأنه من فروض الكفاية في بعض، وفرض عين في بعض»[8].

فطلب العلم في التشريع الإسلامي يرقى إلى رتبة الوجوب والفرضية، بحيث يثاب فاعله ويأثم تاركه. لذلك، قال القرطبي في هذه الآية: «وهذا يقتضي الحث على طلب العلم»[9].

وقد جاء التنصيص على فرضية طلب العلم في متن حديث أنس بن مالك، الذي قال فيه: قال رسول الله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»[10].

والعلم منه فرض العين، وهو المعلوم من الدين بالضرورة وأحكامه، مثل الصلاة والصيام والحج؛ فمعرفة أحكامها متعينة في حق كل مخاطب بها. ويدخل في العلم المتعين من سلك مجالًا معرفيًا تحتاجه الأمة، مثل الطلبة في جميع مسالك الشعب الجامعية، فقد تعين في حقه الاستمرار فيه وتحققه بمقاصده.

وفروض الكفاية هي العلوم التي يخاطب بها المجتمع، بإقامتها وتوفير مؤسساتها وتخريج المتخصصين فيها، مما يحقق كفاية المجتمع من خدماتها. فقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

وقد دلت الآية بإشارتها على وجوب تهيئة شروط تكوين العلماء الذين يفتون ويقدمون خبرتهم للناس السائلين في المجتمع، مثل المجتهدين في الفقه والمتخصصين في كل العلوم والمعارف.

ولقد استُعمل في النص القرآني لفظ «نفر»، وهو لفظ يدل، في دلالته اللغوية الأصلية، على الفرار والذهاب، وكذلك على الجهاد. يقال: «استنفر الإمام الناس لجهاد العدو، فنفروا ينفرون إذا حثهم على النفير ودعاهم إليه»[11]، مما يدل على ما يتطلبه طلب العلم من اجتهاد وعزيمة وهمة عالية.

ويبين عليه الصلاة والسلام فضائل طلب العلم وخيراته. روى الترمذي من حديث أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له طريقًا إلى الجنة»[12].

طريق العلم طريق خير عظيم، ولذلك كان طلب النبي ﷺ من ربه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114][13].

وقال ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»[14].

وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علّمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته؛ يلحقه من بعد موته»[15].

لذلك، ونظرًا لهذه المنزلة العظيمة للعلم، فهم السلف الصالح أن الاشتغال بالعلم عبادة خالصة يتقرب بها العبد إلى مولاه. فقد رُوي عن ابن مسعود قوله: «الدراسة صلاة»[16].

وقال ابن عباس، رضي الله عنه: «تذاكر العلم بعض ليلة أحب إليّ من إحيائها»[17].

إن اعتبار العلم عبادة يقتضي إخلاصه لله، والاشتغال به قصد التقرب إليه سبحانه، وتحري السلامة والصواب في عملية الطلب. والعبادة تكليف شرعي لا يراد به المفاخرة والمباهاة، ولكنه التزام يدل على مفردات الطاعة والامتثال والاتباع، ولا تبرأ ذمة العبد إلا بالقيام بعبادة العلم على ما يتطلبه الواجب الشرعي وضرورات الحياة.

وقد جعل المسلمون للعلم، من منطلق الواجب الشرعي والضرورة الحضارية، أماكن داخل المساجد والجوامع في شرق البلاد الإسلامية وغربها.

واقترن الفتح الإسلامي لبلاد المغرب بنشر تعليم القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية. ثم بنى المسلمون جامع الأنصار في أول موقع لمعسكرهم في المغرب سنة 31هـ، وجعلوه للصلاة والتعليم معًا، فكان أول مدرسة للتعليم بالمغرب.

وأسس عقبة بن نافع الفهري سنة 51هـ حاضرة القيروان، وبنى فيها جامعها الكبير، فكان ثكنة عسكرية وجامعًا للصلاة ومدرسة للتعليم. فكانت تونس، منذ القرن الأول الهجري، من المراكز العلمية المهمة في العالم الإسلامي.

وفي أواسط القرن الثاني الهجري، تأسست في الأندلس خلافة أموية اهتمت بالعلم، وتأسس معهد طليطلة، وكان أكبر معهد يتعلم فيه المسلمون وغير المسلمين علوم علماء الإسلام.

«وكان الغربيون يترجمون من الكتب المكتوبة باللسان العربي ما يرغبون في ترجمته إلى اللاتينية، وكان هذا هو العامل الأساسي في ظهور النهضة العلمية والأدبية والفنية وغيرها في أوروبا»[18].

وفي المغرب، أسس الأدارسة دولتهم وجعلوا مدينة فاس عاصمة لهم، وفيها بنت فاطمة أم البنين جامع القرويين سنة 245هـ/859م، الذي صار فيما بعد جامعة تُدرّس مختلف العلوم النقلية والعقلية.

وقد عُرفت الدولة العلوية بتشجيعها للعلم والعلماء، وتشييد المعاهد والمدارس والجامعات والمجالس العلمية.

وفي المشرق الإسلامي، تم تأسيس مدارس خاصة للعلم منذ أواسط القرن الخامس الهجري، كما في الشام. ومن مؤسسي المدارس بالشام نور الدين محمد بن زنكي وصلاح الدين الأيوبي.

ومن أشهر المدارس في المشرق المدرسة النظامية ببغداد، التي افتتحها الخليفة العباسي القائم بأمر الله، إلى جانب جامع الأزهر بمصر.

الهوامش:

[1] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 20/120.

[2] آل عمران: 18.

[3] المجادلة: 11.

[4] الصيت: الذكر الحسن؛ الكليات للكفوي، فصل الصاد، ص: 472.

[5] صحيح البخاري، كتاب العلم، باب «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، حديث رقم: 71.

[6] عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 2/73.

[7] التوبة: 122.

[8] أحكام القرآن لابن الفرس، 3/202.

[9] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 8/295.

[10] أخرجه ابن ماجة في سننه، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، حديث رقم: 224، وصححه الألباني.

[11] لسان العرب لابن منظور، مادة: نفر.

[12] أخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم، باب فضل طلب العلم، حديث رقم: 2646، وقال الترمذي: حديث حسن.

[13] طه: 114.

[14] أخرجه البخاري في الجامع الصحيح، كتاب الخمس، باب قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾، حديث رقم: 3116؛ وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق»، حديث رقم: 7312.

[15] أخرجه ابن ماجة في سننه، باب ثواب معلم الناس الخير، حديث رقم: 242، وحسنه الألباني.

[16] جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، 1/26.

[17] المصدر نفسه، 1/28.

[18] الحضارة الإسلامية لعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، دار القلم، دمشق، الطبعة الثانية، 1435هـ/2014م، ص: 608.

من الكتاب إلى بناء الحضارة
من الكتاب إلى بناء الحضارة

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار