MigraPress يرصد اختفاء 72 ألف إنسان خلف معادلة جيوسياسية ويفتح الأسئلة المسكوت عنها بشأن الضحايا والإعادات الجماعية ومصادر الرواية الرسمية
ساحل سبتة ملف أمني وآثار منسية
*العلم الإلكترونية*
وفق تقرير حديث لمنصة «MigraPress»، المهتمة بشؤون الهجرة، لم يكن وصف ما جرى في سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026 بأنه «غزو» مجرد اختيار لغوي عابر؛ فالكلمة العسكرية التي تسربت إلى جزء من الخطاب الإعلامي والسياسي الإسباني نقلت الحدث، منذ اللحظة الأولى، من مجال الهجرة وحقوق الإنسان إلى مجال الأمن القومي والسيادة والتهديد الخارجي.
وخلال أقل من 48 ساعة، دخل نحو 72 ألف شخص إلى سبتة، وفق الأرقام التي أعلنتها السلطات الإسبانية، قبل أن يعود قرابة 70 ألفًا منهم إلى المغرب. غير أن هؤلاء الأشخاص، على الرغم من ضخامة عددهم وتنوع أوضاعهم، سرعان ما اختفوا خلف رواية أمنية تتحدث عن عملية منسقة استُخدمت فيها الهجرة للضغط على إسبانيا وإرباك منظومة مراقبة حدودها.
وتوقف تقرير «MigraPress» عند الطريقة التي عالجت بها صحيفتا «El Español» و«El País» الإسبانيتان الأحداث، مستندتين، بدرجات متفاوتة، إلى تقرير أعده المركز الوطني للهجرة والحدود «CENIF»، وهو وحدة للاستخبارات الجنائية تابعة للمفوضية العامة لشؤون الأجانب والحدود في الشرطة الوطنية الإسبانية.
وكانت قاضية المحكمة الوطنية الإسبانية، ماريا تاردون، قد طلبت التقرير في إطار إجراءات ترمي إلى تحديد ما إذا كانت الوقائع تحمل مؤشرات على فعل منظم يمكن أن يدخل ضمن الاختصاص الجنائي للمحكمة. غير أن انتقال مضامين الوثيقة إلى الإعلام سبق الحسم القضائي في طبيعة الوقائع والمسؤوليات المرتبطة بها.
ولا يجادل التحليل في ضرورة التحقيق في أي مؤشرات على وجود تنظيم أو توجيه، لكنه يحذر من الانتقال من فرضية تستحق الفحص إلى رواية مكتملة تُقدَّم إلى الجمهور باعتبارها حقيقة نهائية، خصوصًا عندما تعتمد التغطية أساسًا على مصادر أمنية وقضائية وسياسية، في مقابل غياب شبه كامل لأصوات الأشخاص الذين كانوا في قلب الحدث.
صحيفتان مختلفتان وإطار أمني واحد
صدرت المادتان اللتان حللهما التقرير عن صحيفتين تختلفان في توجههما التحريري؛ إذ تقترب «El Español» من اليمين، بينما تُصنف «El País» تاريخيًا ضمن الصحافة الليبرالية القريبة من وسط اليسار.
ورغم هذا الاختلاف، التقت الصحيفتان عند إطار تفسيري واحد: ما وقع لم يكن، وفق الرواية التي نقلتاها، حركة هجرة جماعية عفوية أو استجابة لشائعات انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وإنما عملية اتسمت بالتخطيط والتوجيه الميداني واستهدفت إغراق قدرة إسبانيا على إدارة الحدود.
تعاملت «El Español» مع تقرير CENIF باعتباره المصدر المركزي لفهم الوقائع، ونقلت عنه حديثًا عن موجات متعاقبة من الوافدين، وعن أشخاص عرّفهم التقرير باعتبارهم عناصر من الدرك المغربي، بعضهم بالزي الرسمي وبعضهم بملابس مدنية، كانوا يوجهون الحشود نحو منافذ العبور.
أما «El País»، فاعتمدت لغة أكثر حذرًا، وتحدثت عن «مؤشرات» و«شبهات» بشأن وجود توجيه نشط، من دون أن تقدم فرضية تورط الدولة المغربية باعتبارها حقيقة قضائية محسومة. لكنها ربطت الأحداث بسابقة أزمة سنة 2021، ما وضع القارئ أمام إيحاء باستمرارية سياسية بين الواقعتين.
ويشير التقرير إلى أن هذا التقارب في الإطار العام يستحق الانتباه؛ فعندما تتبنى منابر مختلفة سياسيًا اللغة الأمنية نفسها، يصبح الأمر أوسع من مجرد موقف حزبي، ويعكس ميلًا وطنيًا إلى قراءة القضايا المرتبطة بسبتة ومليلية من زاوية السيادة والتهديد.
غير أن الجدل الذي أعقب تسريب مضمون تقرير CENIF أظهر أن الرواية الرسمية الإسبانية نفسها لم تكن موحدة. ففي الوقت الذي نقلت فيه وسائل إعلام أن الوثيقة تشير إلى قيام عناصر مغربية بتوجيه حركة العابرين، أعلن المدير العام للشرطة الوطنية أنه لا يوجد تقرير يحمّل قوات الأمن المغربية مسؤولية «التخطيط أو التنفيذ» المباشر للدخول الجماعي.
ويفرض هذا التضارب التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة: ما رصدته الوثيقة من وقائع وصور وشهادات، والتفسير الذي قدمه معدوها لهذه المعطيات، والقراءة الإعلامية والسياسية التي بُنيت عليها لاحقًا.
72 ألف شخص بلا أصوات أو وجوه
يلاحظ تقرير MigraPress أن التغطيتين قدمتا تفاصيل واسعة بشأن تحركات عناصر الأمن، وتوقيت الموجات المتعاقبة، وأنواع الملابس والتجهيزات التي استخدمها بعض العابرين، والاستراتيجية المفترضة لإرباك منظومة المراقبة.
لكن هذا التدقيق اختفى تمامًا عندما تعلق الأمر بالأشخاص أنفسهم.
فمن بين نحو 72 ألف شخص دخلوا سبتة، لم تُنقل في المادتين شهادة مباشرة واحدة تفسر لماذا تحركوا، وكيف وصلت إليهم أخبار إمكانية العبور، وما الذي واجهوه في الطريق، ولماذا عاد معظمهم بعد ساعات أو أيام قليلة.
لم يظهر هؤلاء باعتبارهم أشخاصًا يملكون دوافع وقصصًا وارتباطات عائلية وخيارات فردية، بل ظهروا في صورة «موجات» و«تدفقات» و«عناصر» داخل خطة يُفترض أن جهة أخرى صممتها.
ويشدد التقرير على أن تحليل الهجرة الجماعية لا يستقيم باختزال آلاف القرارات الفردية في تفسير واحد. فقد يكون بعض الأشخاص قد تحركوا بعد انتشار معلومات أو شائعات عن تراجع المراقبة، وقد يكون آخرون اعتبروا الأمر فرصة مؤقتة، بينما اندفعت أسر بكاملها تحت تأثير حالة جماعية اتسع نطاقها بسرعة.
ولا تنفي هذه الاحتمالات إمكان وجود توجيه أو تسهيل، لكنها تكشف أن الرواية الأمنية ليست التفسير الوحيد المتاح، وأن غياب شهادات العابرين يجعلها رواية ناقصة مهما بلغت دقة المصادر المؤسسية التي استندت إليها.
كما يكشف تصنيف الوافدين إلى شباب يرتدون بدلات غوص، ثم أسر تضم نساء وأطفالًا، ثم مجموعات جديدة من الشباب، جانبًا آخر غاب عن التغطية. فوجود عائلات وأطفال لم يُناقش باعتباره مؤشرًا على هشاشة إنسانية تستدعي الحماية، بل قُرئ باعتباره جزءًا من تكتيك يهدف إلى تعطيل قدرة القوات الإسبانية على الرد.
وهنا يعمل توصيف «الغزو» على نزع الصفة الإنسانية من دون الحاجة إلى استعمال إهانات مباشرة؛ إذ يكفي تحويل المدنيين إلى وحدات داخل عملية أمنية حتى تتراجع أسئلة الحقوق والحماية والمسؤولية.
الضحايا في هامش الرواية
يضع التقرير حصيلة الضحايا في قلب نقده للتغطية الإسبانية. فقد تحدثت تقارير إعلامية عن دفن 88 جثمانًا انتُشلت في الجانب الخاضع للإدارة الإسبانية، إلى جانب إعلان انتشال جثامين أخرى في المياه المغربية، لترتفع الحصيلة المتداولة إلى ما يقارب مائة وفاة.
ومهما يكن الرقم النهائي الذي ينبغي أن تحسمه الجهات المختصة، فإن المؤكد أن عشرات الأشخاص فقدوا حياتهم خلال واحدة من أكبر عمليات العبور الجماعي التي عرفتها المنطقة.
ومع ذلك، لم تحظ هوية الضحايا وظروف وفاتهم ومصير عائلاتهم بالمكانة نفسها التي حظيت بها فرضيات التخطيط والتوجيه والمسؤولية الجيوسياسية.
لم تظهر أسماء معظمهم، ولم تُروَ قصصهم، ولم يُطرح بما يكفي سؤال ما إذا كان من الممكن إنقاذهم، أو كيف جرى تنسيق عمليات النجدة، أو من يتحمل مسؤولية ضمان سلامة الأشخاص الموجودين في المياه وعلى جانبي الحدود.
ويعتبر التقرير أن وضع أعداد الضحايا في نهاية التغطية، بعد صفحات من التفاصيل الأمنية والسياسية، لا يمثل مجرد اختيار في ترتيب الفقرات، بل يعكس ترتيبًا للأولويات تصبح فيه الدولة ومؤسساتها في مركز القصة، بينما تتحول حياة الأشخاص ووفاتهم إلى تفصيل ثانوي.
عودة 70 ألفًا.. رقم يحتمل أكثر من قراءة
قدمت بعض القراءات عودة نحو 70 ألف شخص من أصل 72 ألفًا باعتبارها دليلًا على أن الدخول لم يكن يستهدف الهجرة أو الاستقرار، وإنما كان جزءًا من عملية ضغط مؤقتة.
لكن MigraPress ترى أن هذا الاستنتاج، وإن كان ممكنًا، ليس الوحيد الذي يسمح به الرقم.
فقد تكون العودة مرتبطة بإدراك عدد كبير من الأشخاص صعوبة البقاء، أو خشيتهم من الدخول في إجراءات ترحيل رسمية، أو قرب ارتباطاتهم العائلية والاجتماعية في شمال المغرب، أو اكتشافهم أن الظروف التي وجدوها في سبتة لم تكن كما توقعوا.
كما يمكن أن يكون بعضهم قد تعامل مع العبور باعتباره تجربة مؤقتة لاستكشاف إمكانية الانتقال، لا قرارًا نهائيًا بقطع الصلة بمكان الإقامة الأصلي.
ولا يقدم التقرير هذه القراءات باعتبارها حقيقة بديلة محسومة، وإنما باعتبارها فرضيات كان ينبغي اختبارها من خلال الحديث إلى العابرين والباحثين المتخصصين، بدل اعتماد تفسير أمني واحد وإغلاق الباب أمام بقية الاحتمالات.
الإعادات الجماعية والسؤال القانوني المعقد
تثير عودة عشرات الآلاف خلال فترة قصيرة أسئلة قانونية لا تقل أهمية عن سؤال الجهة التي شجعتهم على العبور. فمن الضروري معرفة الكيفية التي جرت بها هذه العودة، وما إذا كانت طوعية بالكامل، وما الإجراءات التي اتُبعت بشأن القاصرين وطالبي اللجوء والأشخاص الموجودين في أوضاع هشة.
ولا يمكن الاستناد إلى حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية «N.D. وN.T. ضد إسبانيا» الصادر سنة 2020 للقول تلقائيًا إن كل إعادة فورية غير قانونية؛ فالمحكمة انتهت في تلك القضية إلى عدم ثبوت انتهاك الاتفاقية، بالنظر إلى ظروف محددة ارتبطت بسلوك صاحبي الشكوى ووجود سبل قانونية للدخول لم يستخدماها.
لكن الحكم نفسه أكد أهمية أن تتيح الدول وسائل حقيقية وفعالة للدخول القانوني، ولا سيما للأشخاص الراغبين في طلب الحماية. ولذلك لا يمكن إسقاط نتيجة تلك القضية آليًا على عشرات الآلاف من الحالات المختلفة، كما لا يمكن افتراض سلامة جميع الإعادات من دون التحقق من ظروفها والإجراءات المتبعة فيها.
السؤال القانوني الدقيق ليس ما إذا كان كل شخص قد حصل بالضرورة على مسطرة منفصلة، ولا ما إذا كانت كل إعادة تمثل تلقائيًا انتهاكًا، وإنما ما إذا كانت الضمانات الواجبة قد أُتيحت بحسب وضع كل فئة، وخاصة القاصرين وطالبي اللجوء ومن قد يواجهون مخاطر خاصة.
تقرير أمني لا يعني حقيقة نهائية
لا يطعن تحليل MigraPress في مشروعية عمل CENIF أو في حق الأجهزة الإسبانية في تحليل المخاطر التي تواجه الحدود. فالمركز وحدة رسمية مختصة بالاستخبارات الجنائية في قضايا الهجرة والحدود، ومن الطبيعي أن يقرأ الأحداث من زاوية أمنية.
لكن طبيعة اختصاصه تعني أيضًا أن تقريره يمثل قراءة مؤسساتية محددة، لا دراسة مستقلة تستوعب وحدها جميع الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والقانونية والسياسية للحدث.
ولهذا كان يتعين على وسائل الإعلام مقارنة معطيات الوثيقة بمصادر أخرى: شهادات العابرين، وتقارير منظمات حقوق الإنسان، وخبراء الهجرة، والجهات المغربية، ومسؤولي الإنقاذ، والهيئات المعنية بالطفولة واللجوء.
فالتحفظ تجاه المصدر الأمني لا يعني تكذيبه مسبقًا، كما أن صفته الرسمية لا تجعل كل استنتاجاته حقيقة قضائية نهائية. وبين الرفض المطلق والتصديق الكامل توجد وظيفة الصحافة: التحقق والمقارنة وكشف حدود كل رواية.
سبتة خارج سياقها التاريخي
تقدم التغطيات الإسبانية سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين إسبانيتين تتعرض سيادتهما للتهديد، وهو ما ينسجم مع الموقف القانوني والسياسي الرسمي لإسبانيا.
لكن هذا التأطير يغيب عنه الموقف المغربي الذي يعتبر المدينتين جزءًا من ترابه، ويضع استمرار الإدارة الإسبانية لهما ضمن إرث استعماري لم تتم تسويته.
ولا يعني إدخال هذا البعد التاريخي حسم النزاع لمصلحة طرف، وإنما الاعتراف بأن الأحداث تقع في مجال جغرافي وسياسي متنازع على تفسيره، وأن الهجرة فيه تتقاطع منذ عقود مع ملفات السيادة والتعاون الأمني والعلاقات المغربية الإسبانية.
وعندما يُستبعد هذا السياق بالكامل، تظهر إسبانيا في صورة ضحية جيوسياسية لا مصالح لها في بناء رواية أمنية عن الحدث، بينما يظهر المغرب باعتباره الفاعل الوحيد الذي يوظف الهجرة لتحقيق أهداف سياسية.
والحال أن مدريد بدورها فاعل سياسي له مصالح واضحة في تأكيد الطابع الاستثنائي للواقعة؛ فذلك يساعدها على طلب مزيد من الدعم الأوروبي لحماية الحدود الخارجية للاتحاد، وتعزيز الموارد الأمنية المخصصة لسبتة ومليلية، والرد على المعارضة التي اتهمت الحكومة بالتأخر في توقع الأزمة والتعامل معها.
ولا يثبت وجود هذه المصالح أن الرواية الأمنية خاطئة، لكنه يفرض إخضاعها للمساءلة نفسها التي تُخضع لها النيات المغربية المفترضة.
حين يصبح الأمن هو المصدر والخبر والتفسير
يكشف تقرير MigraPress أن جميع المصادر الأساسية تقريبًا في المادتين الإسبانيتين جاءت من داخل المنظومة المؤسسية: الشرطة الوطنية، والقضاء، والسلطات المحلية في سبتة، وحزب سياسي تقدم بشكوى.
في المقابل، غابت المصادر المستقلة القادرة على تقديم قراءة مختلفة أو وضع الادعاءات الأمنية في سياقها، سواء تعلق الأمر بباحثين في الهجرة أو منظمات إنسانية أو محامين أو شهود مباشرين.
ولا يقتصر هذا الخلل على صحيفتين بعينهما، بل يمثل مشكلة بنيوية تظهر في صحافة الأزمات؛ إذ تدفع سرعة الأحداث وتعقيدها المؤسسات الإعلامية إلى الاعتماد على المصادر الرسمية الجاهزة، فتتحول رواية المؤسسة إلى البنية الأساسية للخبر، ثم تصبح الخبر نفسه، وأخيرًا تتحول إلى التفسير الذي يُطلب من الجمهور قبوله.
وتزداد خطورة هذا المسار عندما تستخدم لغة عسكرية مثل «الغزو» و«الهجوم» و«إغراق الحدود»، لأن الكلمات لا تصف الحدث فقط، وإنما تحدد أيضًا نوع الاستجابة التي تبدو مقبولة تجاهه.
فإذا كان القادم «مهاجرًا» أو «طالب حماية»، حضرت أسئلة القانون والإنقاذ واللجوء. أما إذا تحول إلى «غازٍ»، فإن الأمن يصبح الجواب الوحيد، وتتراجع مساحة الحقوق إلى الهامش.
بين فرضية تستحق التحقيق ورواية لم تكتمل أدلتها
لا يخلص تقرير MigraPress إلى أن فرضية وجود توجيه أو تسهيل منظم مستحيلة، ولا ينفي قيمة الصور والشهادات والمعطيات التي جمعتها الشرطة الإسبانية. فهذه العناصر تستحق تحقيقًا قضائيًا ومهنيًا دقيقًا، كما تستحق جوابًا واضحًا من جميع الجهات المعنية.
لكنه يرفض أن تُعامل الفرضية باعتبارها حقيقة مكتملة قبل انتهاء التحقيق، أو أن تستخدم لتفسير عشرات الآلاف من القرارات الفردية، أو أن تحجب الأسئلة المتعلقة بالضحايا والإعادات والحماية والمسؤولية الإنسانية.
فما حدث في سبتة كان أزمة حدودية وأمنية وسياسية، لكنه كان أيضًا مأساة إنسانية شارك فيها رجال ونساء وأطفال، وفقد خلالها عشرات الأشخاص حياتهم.
وإذا كانت مهمة أجهزة الأمن تحديد مصدر الخطر، ومهمة القضاء البحث عن المسؤولية الجنائية، فإن مهمة الصحافة أوسع من إعادة نشر ما تقوله المؤسسات. عليها أن تبحث كذلك عمن لم يُسمع صوته، وأن تراجع الكلمات التي تحول الأشخاص إلى أرقام، وأن تمنح الضحايا مكانًا لا يقل عن المكان الممنوح للاتهامات.
فالاختبار الحقيقي لأي رواية عن سبتة لا يكمن في قدرتها على تفسير ما فعلته الدول وحدها، وإنما في قدرتها على رؤية البشر الذين اختفوا بين الحدود والتقارير والعناوين.
ساحل سبتة ملف أمني وآثار منسية