2026 يوليو/جويلية 22 - تم تعديله في [التاريخ]

حين يتحول مهرجان بطنجة إلى منصة انتخابية مقنّعة


صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الإصطناعي

*العلم الإلكترونية: محمد اليطفتي*

لا أحد في طنجة، ولا في المغرب قاطبة، يختلف حول المكانة السامية لعيد العرش المجيد باعتباره مناسبة وطنية جامعة تجسد أسمى معاني التلاحم بين العرش والشعب، وترمز إلى استمرارية الدولة المغربية ووحدتها واستقرارها. وهي مناسبة ينبغي أن تظل فوق كل الحسابات الحزبية والانتخابية الضيقة، لأنها ملك لجميع المغاربة دون استثناء، ولأن رمزيتها الوطنية أكبر من أن تُزج بها في صراعات التنافس الانتخابي أو رهانات كسب المواقع والمقاعد.

وعلى امتداد عقود طويلة، ظل المغاربة ينظرون إلى الاحتفالات المرتبطة بعيد العرش باعتبارها فضاءً للوحدة الوطنية والتعبئة الجماعية حول الثوابت الكبرى للأمة، لا باعتبارها مناسبة لتحقيق مكاسب سياسية أو انتخابية لفائدة هذا الطرف أو ذاك. ومن هنا تنبع حساسية أي نقاش يتعلق بتنظيم الأنشطة والتظاهرات المرتبطة بهذه المناسبة، خاصة عندما تتداخل فيها الاعتبارات الثقافية والاجتماعية مع حسابات سياسية تفرض على الجميع قدراً أكبر من الحذر والوضوح والشفافية.

وفي هذا السياق يبرز الجدل الذي رافق الإعلان عن تكليف الكاتب العام لمؤسسة "طنجة الكبرى للعمل التربوي والثقافي والاجتماعي والرياضي" بمهام التنسيق والإشراف على تنظيم مهرجان "صيف طنجة الكبرى"، وهو القرار الذي قُدم باعتباره خطوة تروم الفصل بين المهرجان والاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وتبديد كل الشكوك التي أثيرت حول إمكانية توظيف هذه التظاهرة الفنية والثقافية الكبرى في سياق انتخابي حساس.

غير أن المتتبعين للشأن المحلي يطرحون سؤالاً يبدو أكثر عمقاً من مجرد إعادة توزيع الاختصاصات داخل المؤسسة المنظمة، ويتمثل في معرفة ما إذا كان هذا الإجراء كافياً بالفعل لتحقيق الحياد المطلوب وإبعاد كل شبهة للتوظيف السياسي. فالقضية، في نظر الكثيرين، لا ترتبط بمن يتولى التوقيع على الوثائق أو من يشرف على الجوانب التنظيمية اليومية، وإنما تتعلق أساساً بالبنية العامة للمؤسسة وبالصفة السياسية لرئيسها وما يمكن أن يترتب عن ذلك من تأثير مباشر أو غير مباشر على الرأي العام.

فإذا كان رئيس المؤسسة قد حصل على تزكية حزبية أو يوجد في موقع يؤهله لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة، فإن الإشكال لا يختفي بمجرد نقل بعض المهام إلى مسؤول آخر داخل المؤسسة نفسها. لأن الرئاسة تظل قائمة، والسلطة المعنوية والإشراف العام يظلان قائمين، كما أن صورة المؤسسة في الوعي الجماعي تبقى مرتبطة بشخص رئيسها أكثر من ارتباطها بأي مسؤول إداري آخر مهما كانت صلاحياته.

ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن القفز عليه: كيف يمكن إقناع الرأي العام بأن مهرجاناً ضخماً يستقطب عشرات الآلاف من المواطنين، ويستفيد من تغطية إعلامية واسعة، ويقام في فترة زمنية تسبق الانتخابات مباشرة، لا يشكل بأي شكل من الأشكال فرصة لتحقيق إشعاع سياسي أو انتخابي لفائدة من يوجد على رأس المؤسسة المنظمة؟ وكيف يمكن الفصل بين الحضور المكثف للأنشطة الفنية والثقافية وبين ما قد ينتج عنها من رأسمال رمزي وسياسي يمكن استثماره لاحقاً في معركة انتخابية؟

إن الديمقراطية لا تُقاس فقط بمدى احترام النصوص القانونية في حدودها الدنيا، بل تُقاس أيضاً بمدى الالتزام بروح تلك النصوص وبالأخلاقيات التي تقوم عليها المنافسة السياسية الشريفة. فهناك أحياناً ممارسات قد لا تكون مخالفة بشكل صريح للقانون، لكنها تظل مثار تساؤل من زاوية تكافؤ الفرص والحياد الواجب توفره في الفضاء العمومي.

ولذلك فإن النقاش الدائر اليوم لا ينبغي اختزاله في مسألة قانونية تقنية ضيقة، وإنما يجب أن يُطرح من زاوية أخلاقية وسياسية أوسع. لأن جوهر القضية يتعلق بثقة المواطنين في المؤسسات وفي نزاهة العملية الديمقراطية. وهذه الثقة لا تُبنى بالبلاغات ولا بالتصريحات التوضيحية وحدها، بل تُبنى بالقرارات الواضحة التي تقطع مع كل ما يمكن أن يثير الشك أو يفتح باب التأويل.

ومن هذا المنطلق، فإن المخرج الأكثر انسجاماً مع مبدأ الحياد وتكافؤ الفرص كان يقتضي، في نظر عدد من المتابعين، أن يضع رئيس المؤسسة مسافة واضحة بين مسؤوليته الجمعوية وطموحه السياسي، وذلك من خلال التخلي عن رئاسة المؤسسة خلال هذه المرحلة الحساسة على الأقل. فحين يجتمع الموقع الجمعوي المؤثر مع الطموح الانتخابي في توقيت واحد، يصبح من الصعب إقناع الجميع بأن الحدود الفاصلة بين المجالين ما تزال قائمة بالشكل المطلوب.

ولا يتعلق الأمر هنا بالتشكيك في النوايا أو إصدار أحكام مسبقة على الأشخاص، بل بالدفاع عن مبدأ عام يفترض أن يسري على الجميع دون استثناء. فالمؤسسات الثقافية والاجتماعية وفضاءات العمل المدني ينبغي أن تظل بعيدة عن كل شبهة استثمار انتخابي، حتى تحافظ على مصداقيتها واستقلاليتها ودورها الطبيعي في خدمة المجتمع.

كما أن التجارب الديمقراطية الحديثة أظهرت أن مجرد وجود تضارب محتمل في المصالح قد يكون كافياً لاتخاذ إجراءات وقائية تحمي المؤسسات وتحافظ على صورتها أمام الرأي العام. فالحكامة الجيدة لا تنتظر وقوع الإشكال حتى تتدخل لمعالجته، وإنما تعمل على استباقه ومنع كل الظروف التي قد تؤدي إليه أو تثير الشكوك حوله.

إن ما تحتاجه طنجة اليوم، وهي تستعد لاستقبال موسم صيفي حافل بالأنشطة والتظاهرات، هو أن يظل النقاش العمومي محكوماً بقيم الشفافية والوضوح واحترام ذكاء المواطنين. فالمواطن لم يعد يكتفي بالخطاب الرسمي أو بالتفسيرات الجاهزة، بل أصبح يطالب بضمانات ملموسة تؤكد أن المؤسسات تؤدي أدوارها بعيداً عن أي حسابات انتخابية أو حزبية.

وفي المقابل، فإن من الواجب التأكيد على أن هذا النقاش لا يمس إطلاقاً بثقة المواطنين في مؤسسات الدولة أو في السلطات الترابية المشرفة على تدبير الشأن العام. فقد أثبتت ولاية جهة طنجة تطوان الحسيمة، في أكثر من محطة، حرصها على احترام القانون وتطبيقه على الجميع دون تمييز، كما برهنت على التزامها بضمان شروط النزاهة والحياد في مختلف الاستحقاقات والمواعيد الوطنية. وهو ما يجعل الرأي العام مطمئناً إلى أن السلطات المختصة ستظل يقظة تجاه كل ما من شأنه المساس بمبدأ تكافؤ الفرص أو التأثير على سلامة المنافسة الديمقراطية.

إن الرهان الحقيقي اليوم ليس في تنظيم مهرجان ناجح من الناحية الفنية أو الجماهيرية فقط، بل في ضمان أن يبقى هذا النجاح ملكاً لمدينة طنجة ولساكنتها وللمغاربة جميعاً، لا أن يتحول، عن قصد أو عن غير قصد، إلى رصيد انتخابي لفائدة أي طرف سياسي. فالمهرجانات تنتهي، أما أثرها في الوعي الجماعي وفي صورة المؤسسات فيستمر لسنوات طويلة.

ولهذا فإن أفضل سبيل لإغلاق باب الجدل نهائياً هو اللجوء إلى أعلى درجات الوضوح السياسي والأخلاقي، بما يضمن الفصل الكامل بين العمل الجمعوي والعمل الانتخابي، ويحفظ للمهرجان مصداقيته، وللمؤسسة استقلاليتها، وللمنافسة الديمقراطية نزاهتها.

إن حماية قدسية المناسبات الوطنية من كل توظيف انتخابي، وصون العمل الثقافي من الحسابات السياسية الضيقة، ليست مسؤولية جهة بعينها، بل مسؤولية جماعية تهم الفاعلين السياسيين والجمعويين والإعلاميين ومختلف مؤسسات الدولة. وعندما يكون الأمر متعلقاً بمناسبة في حجم عيد العرش المجيد، فإن واجب التحفظ والحياد يصبح أكبر، وتغدو الحاجة إلى الوضوح أكثر إلحاحاً.

وعليه، فإن مطلب التخلي عن رئاسة المؤسسة خلال هذه المرحلة الانتخابية لا يُفهم باعتباره موقفاً ضد شخص أو جهة، بل باعتباره دعوة إلى ترسيخ ثقافة سياسية جديدة قوامها الفصل الواضح بين المسؤوليات، وتحصين الفضاء العمومي من كل ما قد يثير الشكوك أو يضعف ثقة المواطنين في عدالة المنافسة الديمقراطية. فالديمقراطية القوية لا تُبنى فقط بالقوانين، وإنما أيضاً بالأعراف والممارسات التي تجعل النزاهة واقعاً ملموساً لا مجرد شعار يُرفع عند الحاجة.



في نفس الركن