2026 أغسطس/أوت 11 - تم تعديله في [التاريخ]

حين يصبح البحر أقرب من الوطن..



*بقلم: ذ. فوزية أورخيص*

هناك أخبار لا تمرّ أمامنا مثل غيرها. لا تحتاج إلى كثير من الشرح كي تترك في النفس سؤالا ثقيلاً. وصور الشباب وهم يلقون بأنفسهم في البحر، محاولين الوصول إلى سبتة، واحدة من تلك الأخبار.

ليس لأن الهجرة ظاهرة جديدة، ولا لأن المغاربة لم يعرفوا البحر طريقا إلى الضفة الأخرى. فمنذ عقود، ظل المتوسط بالنسبة إلى أجيال من المغاربة مساحة للحلم، كما كان في الوقت نفسه مساحة للفراق والانتظار والخوف.

لكن ما حدث أخيرا يعيد طرح السؤال بطريقة أكثر إيلاما:

متى يصبح الوطن، في مخيلة شاب، أقل إغراء من المجهول؟

الأرقام والأخبار تتحدث عن عشرات الآلاف من الواصلين إلى سبتة، وعن تدخلات أمنية وقضائية وسياسية، وعن جدل متواصل حول الهجرة والحدود والمسؤوليات. لكن خلف كل رقم إنسان، وخلف كل صورة شاب حكاية لا نعرف تفاصيلها.

ومن السهل أن نحاكم الذين ذهبوا.

الأصعب أن نسأل: ماذا رأوا في المستقبل هنا حتى اختاروا أن يواجهوا البحر؟

وهنا تذكرت طارق بن زياد.

ليس باعتباره شخصية تاريخية يمكن استدعاؤها لتزيين مقال عن الهجرة، ولا باعتباره مجرد قائد عسكري ارتبط اسمه بفتح الأندلس.

طارق بن زياد ينتمي إلى زمن مختلف تماماً، لكنه يترك لنا درساً في كيفية النظر إلى البحر والضفة الأخرى.

قبل أكثر من ثلاثة عشر قرناً، عبر طارق بن زياد البحر نحو الأندلس، في واحدة من أكثر لحظات التاريخ تأثيرا في علاقة الضفتين. لم يكن يعبر البحر بحثاً عن خلاص شخصي، وإنما كان يعبره في سياق مشروع تاريخي وسياسي وعسكري.

والبحر الذي كان أمامه مجهولا، لم يكن بالنسبة إليه نهاية الطريق، بل بدايته.

وهنا بالضبط عادت إلي صور سبتة.

لقد كبر كثير منا وهو ينظر إلى أوروبا باعتبارها المكان الذي توجد فيه الحياة الأفضل. العمل هناك، الدراسة هناك، الفرص هناك، وربما الكرامة أيضا هناك. ولا يمكن أن ننكر أن ملايين المغاربة وجدوا بالفعل في الهجرة فرصا غيرت حياتهم وحياة أسرهم، وأن أوروبا كانت وما تزال شريكا اقتصاديا وعلميا وإنسانيا أساسيا للمغرب.

لكن شيئاً آخر تسلل، مع الوقت، إلى مخيلتنا: أن مجرد الوصول إلى هناك انتصار؛ وهو ليس كذلك دائماً.

ربما وقف بعض الذين دخلوا سبتة هذه الأيام، على حقيقة صادمة ، أن أوروبا التي نراها من بعيد ليست دائما هي أوروبا التي نضعةفوقها اقدامنا. وأن الأضواء التي تبدو متلألئة من هذه الجهة من البحر قد تخفي وراءها وجه آخر لا يظهر في الصور، وهذا ليس اتهاما لأوروبا؛ فالدول لا توجد لكي تحقق أحلامنا. الدول تبحث عن مصالحها، وتفتح أبوابها حين تحتاج، وتغلقها حين ترى أن مصلحتها تقتضي ذلك. تستقطب الطبيب والمهندس والباحث والعامل الذي تحتاج إليه، وتضع القوانين التي تحمي اقتصادها وحدودها ومجتمعها؛ وهكذا تتصرف الدول.

السؤال إذن ليس لماذا لا تهتم بنا الضفة الأخرى بالقدر الذي نريده، بل لماذا انتظرنا منها أصلاً أن تفعل؟

وفي الوقت نفسه، سيكون من الظلم أن نجلس في مقاعد مريحة ونطلب من شاب في العشرين أن يتخلى عن حلم الهجرة ونقول له ببساطة: ابق في بلدك.

ليكون الرد:

أبقى هنا لأفعل ماذا؟

هذا السؤال لا ينبغي أن يخيفنا. إذا أردنا فعلا أن يختار أبناؤنا هذه الضفة، فعلينا أن نجعلها قابلة للاختيار.

لكن ماذا لو سألنا أنفسنا بصدق: هل وفرنا له فعلاً الشروط التي تجعله يختار البقاء؟

الوطن ليس مجرد جغرافيا، كما أن الهجرة ليست دائماً خيانة للوطن. الإنسان يبحث عن العمل، والكرامة، والاستقرار، والتعليم، وسكن قارّ لا يخشى عليه من جرافات الهدم تحت طائلة حكم قضائي، يؤدي له فاتورة البناء ويتناسى فاتورة عبق الذكريات.

فالطيور تهاجر حيث تجد مناخا وبيئة تضمن لها الاعتراف بقدرتها على صناعة مستقبلها ومستقبل فراخها.

وحين تصبح الرؤية ضبابية، يصبح ركوب البحر أقل خطرا من البقاء برا.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الهجرة من اختيار إلى خلاص.

عندما يصبح الوصول إلى الضفة الأخرى في حد ذاته انتصارا، بغض النظر عما ينتظر المهاجر هناك.

وعندما يتحول البحر من مساحة بين بلدين إلى طريق للهروب من بلد.

هنا يصبح الأمر أخطر من مجرد قضية حدود.

إنه سؤال عن صورة الوطن في وجدان أبنائه.

وحتى نجعل الهجرة اختيارا لا هروبا، والبقاء رضىً وسكينة، يجب أن يجد الشاب تعليما جيداً، وعملاً يحفظ كرامته، وفرصة لا تحتاج دائما إلى واسطة، وإمكانية أن يبدأ مشروعاً من دون أن تتحول الطريق أمامه إلى سلسلة لا تنتهي من الأبواب المغلقة.

والأهم أن ننظر إلى أبنائنا كاستثمار مربح لهذا الوطن، ووريدٍ لخدمة البلاد والعباد، وكنز بشري سيحمل مشعل الأجداد، وتبذل الدولة كل جهدها لحمايته من كل فاسد يرى فيه سوقاً خصبة لاستهلاك كل المهلوسات والمخدرات.

ليس هناك واجب أسمى ولا أعظم من حب الوطن، لكن هذا الحب وحده لا يدفع فاتورة آخر الشهر، وأيضا لا يمكن أن نجعل من اليأس مشروع حياة.

وبين الخطابين مساحة كبيرة ينبغي أن نبني فيها مغربا يجعل أبناءه قادرين على الاختيار: أن يبقوا لأن أمامهم فرصة، أو يسافروا لأن أمامهم فرصة أخرى تشاركية، لا أن يهربوا لأنهم مقتنعون أن لا شيء ينتظرهم هنا.

ولعل هذا هو الشيء الذي يمكن أن نستعيده اليوم من طارق بن زياد: ليس معاركه، فنحن لسنا في القرن الثامن. وليس سياق عصره، فقد تغير العالم، وتغيرت إسبانيا، وتغير المغرب، وأصبح ما يجمع ضفتي المتوسط من مصالح بشرية واقتصادية وعلمية أكبر بكثير مما كان يمكن له، بكل طموحه، أن يتخيله.

ما يستحق أن نستعيده هو المنهج: أن ننظر إلى الضفة الأخرى بلا عقدة نقص.

أن نتاجر معها، وندرس في جامعاتها، ونستفيد من علومها، ونستثمر معها، ونستقبل أبناءها وتستقبل أبناءنا، ونهاجر إليها حين تكون الهجرة فرصة حقيقية ومنظمة.

لكن ألا نضع مستقبلنا كاملا هناك؛ لأن الدول لا تبني مستقبل الدول الأخرى. ولا أحد سيبني لنا المغرب الذي نريد غيرنا.

ربما لهذا السبب، وأنا أرى صور سبتة، لم أتذكر طارق بن زياد باعتباره فاتحا للأندلس بقدر ما تذكرت الرجل الذي عبر البحر نحو الضفة الأخرى وهو يحمل معه مشروعاً، لا وهماً بالخلاص.

أكثر من ثلاثة عشر قرنا مرت.

تغيرت السفن، وتغيرت الحدود، وتغيرت موازين القوى، وبقي البحر بيننا وبين الضفة الأخرى.

وبقي السؤال أيضا، وإن تغير شكله:

هل سنظل ننظر إلى البحر باعتباره الطريق إلى المستقبل؟

أم سنبني على هذه الضفة مستقبلاً يجعل أبناءنا، عندما ينظرون إلى الضفة الأخرى، يرون فيها فرصة يتعاملون معها… لا خلاصاً ينتظرونه؟



في نفس الركن