Quantcast
2026 أكتوبر 19 - تم تعديله في [التاريخ]

خريف أوروبي ساخن: أزمة نموذج أم مخاض عالم متعدد الأقطاب؟

خلف غضب الشوارع الأوروبية، تتراكم أسئلة أكبر من المطالب المرفوعة… فهل تملك القارة إجاباتها قبل أن يشتد الخريف؟


أوروبا أمام اختبار الغضب الاجتماعي وتحولات العالم

الكاتب عبد العزيز حيون
الكاتب عبد العزيز حيون
*بقلم: عبد العزيز حيون*

تشهد العديد من العواصم والمدن الأوروبية، من باريس ومدريد وروما إلى بروكسل وتيرانا وصوفيا ووارسو، تحركات اجتماعية واسعة النطاق واحتجاجات متصاعدة تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية، ومحاربة البطالة، ومواجهة شبح الإقصاء الاجتماعي، وتأمين الحق في السكن اللائق.

هذه الاحتجاجات لم تعد مجرد حركات مطلبية عابرة، وإنما أضحت تنذر بملامح «خريف أوروبي» ساخن ومعقد، يعكس أزمة أعمق تمس بنيان النموذج الاجتماعي والاقتصادي للقارة العجوز.

وتأتي هذه الاحتجاجات في سياق ضغوط اقتصادية خانقة يعاني منها المواطن الأوروبي البسيط، حيث أدى التضخم المتسارع وارتفاع أسعار الطاقة وغلاء المعيشة إلى تآكل الطبقة الوسطى وتهميش الطبقات الهشة.

وبخصوص أزمة الإسكان، على سبيل المثال، تعاني كبرى المدن الأوروبية من أزمة سكن غير مسبوقة بسبب غلاء العقارات وارتفاع الفوائد البنكية، مما جعل امتلاك منزل أو حتى استئجاره حلمًا شبه مستحيل للكثيرين.

وعلى الرغم من تفاوت معدلات البطالة بين دولة وأخرى، فإن جودة الشغل تراجعت بفعل انتشار عقود العمل الهشة وغياب الأفق المهني للشباب.

◆ ولكن لماذا تتأزم أوروبا اليوم؟

في اعتقادي، لا يمكن فصل هذه الاحتجاجات الداخلية عن التحولات الكبرى التي تعيشها القارة على المستويين الإقليمي والدولي، والتي تتلخص في النقاط التالية:

◆ أولًا: تراجع الموارد والديموغرافيا وتقلص النفوذ التقليدي

فأوروبا تعاني حاليًا من تراجع ديموغرافي حاد وشيخوخة مستمرة في الهرم السكاني، وهو ما تزامن مع تقلص الموارد الطبيعية والمالية.

وإذا أضفنا إلى ذلك تقلص الحضور البشري والاقتصادي التقليدي لبعض الدول الأوروبية في إفريقيا، بفعل تنامي الوعي السيادي والتحولات الجيوسياسية هناك، يتضح حجم الضغط المفروض على اقتصادات هذه الدول لتمويل أنظمتها الاجتماعية السخية تاريخيًا.

◆ ثانيًا: صعود الاقتصادات الناشئة وبروز بدائل واعدة

في المقابل، تشهد الساحة الدولية تنامي أقطاب اقتصادية كبرى وظهور اقتصادات ناشئة واعدة في إفريقيا وآسيا.

ويبرز المغرب، مثلًا، في الضفة الجنوبية للمتوسط، نموذجًا صاعدًا في التنمية الصناعية والبنى التحتية والجاذبية الاستثمارية، مما يعيد رسم خريطة التنافسية الاقتصادية العالمية ويقلص من احتكار أوروبا للميزة التفاضلية.

◆ ثالثًا: فشل سياسات تدبير الهجرة والاندماج

وفي هذا الإطار، تشكل سياسات الاتحاد الأوروبي في تدبير ملف الهجرة حلقة مفرغة من الفشل المستمر، فبين مقاربة أمنية متشددة تفاقم الأزمات الإنسانية، وعجز عن دمج المهاجرين بشكل عادل ومنتج، أصبحت الهجرة مادة دسمة للتجاذبات السياسية الداخلية.

◆ رابعًا: التشرذم السياسي وصعود اليمين المتطرف

أدى هذا المناخ المضطرب إلى ظهور وتنامي تيارات اليمين المتطرف التي تستثمر في مخاوف المواطنين لتأجيج الخطاب الهوياتي المعادي للمهاجرين.

وفي الوقت نفسه، يعاني الاتحاد الأوروبي من تناقضات سياسية صارخة بين دوله الأعضاء حول ملفات مركزية، كالتضامن المالي والسياسات الخارجية وإدارة الأزمات.

◆ خامسًا: أزمة الطاقة والتبعية والتوترات الدولية

فقد فاقمت الخلافات الحادة مع روسيا وأزمة إمدادات الطاقة جراح الاقتصاد الأوروبي، في وقت تزداد فيه هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية والصين على القرار الاقتصادي والأمني للقارة، مما يجعل أوروبا تتحمل وحدها فاتورة العقوبات والتوترات الجيوسياسية الكبرى، دون رؤية استراتيجية مستقلة وواضحة.

◆ نحو أي مصير تسير القارة؟

إن ما تعيشه إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وألبانيا وغيرها، على سبيل المثال وليس الحصر، ليس سوى انعكاس لاهتزاز أركان «دولة الرفاه» الأوروبية.

وإن استمرار سياسات ترقيعية ومعالجة الأزمات بمنطق أمني أو وطني حصري ضيق لن يزيد الطين إلا بلة.

إن أوروبا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما إصلاح جذري يعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية ويبني شراكات ندية ومتوازنة مع محيطها الإقليمي، لا سيما في الضفة الأخرى للمتوسط، أو الاستغراق في الانغلاق والتوتر الذي قد يحول «الخريف الساخن» إلى أزمة بنيوية طويلة الأمد.

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار