العلم - محمد بشكار
ما الذي يحدث في العالم، لا تسمع إلا عبارات التحذير من شر قادم، والأدهى أن عبارات التخدير هذه ذات المعجون والأفيون، تأتي بصيغة الأمر: خزِّن الطعام والماء والدواء، وإياك أن تنسى الشمع الذي ستذرف معه الدمع، والمذياع أيضا فهو أنيس الجياع !
ما الذي يحدث في العالم، لا تسمع إلا عبارات التحذير من شر قادم، والأدهى أن عبارات التخدير هذه ذات المعجون والأفيون، تأتي بصيغة الأمر: خزِّن الطعام والماء والدواء، وإياك أن تنسى الشمع الذي ستذرف معه الدمع، والمذياع أيضا فهو أنيس الجياع !
صحيح أننا لَسْنا مفصُولين عن واقعنا ولو بقطْعِ الرَّأس، ولكن عوض الاستسلام لثقافة سارية الخوف صباح مساء، الأجدر أن نتصالح مع أنفسنا منخرطين في هموم المجتمع، تلك الأحوج إلى خطاب تنويري يستمد زيته من الجذور، وليس ترويج كلام يبدو للجميع مُعقَّداً كأنه قادمٌ من الفضاء، نحتاج أولا الانسجام مع أنفسنا واستجماع شتاتها من كل تغريبٍ، وليت من يدَّعي الحداثة لا يضع رجلاً في هُوَّة تخلُّفنا ورِجلا في قمة الجبل، ظاناً أن جوازات سفر حمراء ستعصِمُه من الطوفان، ليته يتخلَّص من تمزُّقه الهُوِّياتي ويستطيع عَلَناً عناق كل قيم التحرر، سواء من حيث العلاقة بين الجنسين ما لم يتسرب جنس ثالث في هيئة خنثى، والعدالة الاجتماعية في الإرث ألم تر كيف شرّد الجشع الأسر، وسريان القانون على الجميع حسابا وعقابا، واندحار الرقابة التي تحد من حرية التفكير والتعبير وحتى الشخير، والحق في اختيار مُعتقَد ديني يروق هواه دون ازدراء لباقي الأديان، والحق في الموت الرحيم ثبِّتنا يا رب على الشهادة، وتوظيف الطب تجميلا، ألم تر كيف تحول بعض الرجال نساءً وهَلُمَّ في خلق الله تبديلا !
إن الضربة النووية الحقيقية التي يبشر بويلاتها تجار الأسلحة، هي التي تصيب الأجهزة العصبية للشعوب، من جراء افتعال أكاذيب تشل التفكير، وما الخوف إلا أحد أنجع وسائل التحُّكم والسيطرة، يريدون أن يدخل الإنسان سوق رأسه، متقوقعا كإي بدائي في كهف سحيق، بينما يفتحون أكثر من سوق عالمية بين ظهرانينا، هم ينتجون كل شيء من الفكرة إلى الإبرة، بينما نبقى نحن مجرد مستهلكين تحت علافةٍ مقلوبين!
العَالَمُ الصناعي لا يريدنا أن نصنع شيئا، ليضمن لنفسه دائماً وأبدا سوقا مفتوحة على ظهورنا، أما نحن فما علينا - كما أسلفت- إلا أن ندخل أسواق رؤوسنا الأسبوعية، وإلا ينقلب عالينا إلى أسفلٍ بافْتِعال حربٍ وقودها الناس والحجارة، كيف لا وهم يَعْلمون أن كل أسباب اندلاعها متواجدة في ذهنيتنا الموصولة بالقبيلة، يكفي فقط النفخ في الرماد، ولنا المثلُ الفاجع في دُولٍ عربية كانت تُداعب في حُلمِها الطوباوي، بكل ما أوتيتْ من شعارات قومية جوفاء، وهْم غدٍ تقدُّمي وطلائعي أجمل، فانقلب الغد أمْساً بالرِّجعية إلى أرذل القرون، حتى بتنا لا نعرف أي الأسماء ستحمل هذه الدول في الخريطة مستقبلا، لا نعرف تَبَعاً لسياسة التفريق والضم والتمزيق، تلك التي تنتهج لعبتها القِوى المتحكمة في منابع الثروات بهذه المناطق، أيُّها سيختفي من الجغرافيا وأيُّها سيمتد أو يضيق، أمَّا الشعوب مِمَّن تبقَّى على قيدها بين الحياة والموت، فضاقت بهم سبُل العيش واتخذوا بقية العالم منفى، وهاهم دون أوطان في شوارعه شاردون !
العَالَمُ الصناعي.. ذاك الذي طال به الأمد في غرفة الرفاهية، فانقلب من ثائر شرس إلى ناعم، يزورنا اليوم سُيَّاحُه الطيِّبون، كلما حَنُّوا لمعالم وآثار من عصور الانحطاط السحيقة، يدرك جيِّدا موقعنا الزمني من طريقة تشغيلنا للعقل، فهو للأسف لا يتجاوز في نوره غرفة الماضي، هناك حيث يقبع مع الأشباح مَجْدُنا التَّليد، أما ما تبقَّى من أزمنتنا المُضارعة، ففي ظلامية وظُلم ومظالم وما ربُّكَ بِظَلاَّمٍ للعبيد !