أصداء الخطاب تمتد من البرلمان إلى صحافة العالم
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
لم ينتهِ الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة، عند حدود القاعة الكبرى للبرلمان المغربي، ولم تبقَ رسائله حبيسة النقاش السياسي الوطني. فقد عبرت كلماته الحدود، ووجدت طريقها إلى كبريات وكالات الأنباء والصحف الأوروبية، وإلى مواقف وتحليلات شخصيات سياسية وأكاديمية دولية، قرأت الخطاب من زوايا متعددة، تراوحت بين السيادة الوطنية والتحولات الجيوسياسية، مروراً بالعلاقات المغربية الإسبانية، وانتهاءً بالرهانات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
واللافت أن هذا الاهتمام الدولي لم ينصبّ على الخطاب باعتباره مجرد افتتاح تقليدي لموسم تشريعي جديد، بل انصرف إلى الرسائل التي حملها بشأن موقع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي، وطبيعة العلاقات التي يريد إقامتها مع شركائه، والتحديات التي تواجه مشروعه التنموي.
غير أن قراءة هذه الأصداء تستدعي التمييز بين التغطية الإعلامية والموقف السياسي الرسمي، وبين الإشادة الأكاديمية والاعتراف الدبلوماسي، حتى لا تتحول المتابعة الصحفية إلى احتفال يفقدها قيمتها التحليلية.
◆ الصحافة الدولية تلتقط رسالة السيادة
كانت العلاقات المغربية الإسبانية من أبرز القضايا التي استأثرت باهتمام وسائل الإعلام الأجنبية. فوكالة رويترز ركزت على إعلان الملك محمد السادس أن النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة بلغ حدوده، وأن الأزمات المتكررة تفرض مراجعة المقاربات المعتمدة.
أما وكالة إيفي الإسبانية، فاختارت إبراز انتقاد الملك للتصريحات غير المسؤولة لبعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، وتشديده على أن الشراكة لا يمكن أن تكون موضوع ضغط أو تهديد أو ابتزاز.
وسارت صحيفة «إل باييس» الإسبانية في الاتجاه نفسه، لكنها ربطت الرسائل الملكية أيضاً بالسياق السياسي الإسباني وبالزيارة المرتقبة للملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية.
وفي فرنسا وألمانيا، حضرت الرسائل المتعلقة بالهجرة والسيادة والتعاون الثنائي في تغطيات وكالة فرانس برس ودويتشه فيله، فيما اختارت شبكة يورونيوز الأوروبية تسليط الضوء على التحذير الملكي من الضغوط المرتبطة بأزمة الهجرة في سبتة.
هذه التغطيات تكشف أن الإعلام الأوروبي التقط الجانب الذي يمس مصالح دوله المباشرة، خصوصاً أمن الحدود والهجرة والعلاقات مع المغرب.
لكن الخطاب الملكي كان أوسع من ذلك بكثير.
فهو لم يكن خطاباً موجهاً إلى إسبانيا وحدها، ولا مجرد رد على مواقف سياسية وإعلامية عابرة. لقد حمل تصوراً مغربياً جديداً للشراكة الدولية، يقوم على احترام السيادة وتوازن المصالح والتنمية المشتركة.
وهنا تتجلى إحدى الرسائل الأساسية للخطاب: المغرب يريد أن يكون شريكاً في صياغة الحلول، وليس مجرد طرف مكلف بتنفيذ ما يقرره الآخرون.
◆ إسبانيا أمام سؤال الشراكة الحقيقية
إن الموقف الملكي من العلاقات المغربية الإسبانية يكتسب أهميته من التوقيت الذي أُعلن فيه.
فالأزمة المرتبطة بالتدفق البشري نحو سبتة، وما أثارته من جدل سياسي وقضائي وإعلامي داخل إسبانيا، أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً متجدداً: هل يمكن أن تقوم شراكة استراتيجية متينة عندما تتحول بعض الملفات المشتركة إلى أدوات للمزايدة السياسية؟
المغرب، من خلال الخطاب الملكي، لا يعلن القطيعة، ولا يتراجع عن أهمية التعاون مع جارته الشمالية، بل يطرح الحاجة إلى تجديد أسس هذا التعاون.
وهذا موقف يستحق التوقف عنده.
فالشراكات الاستراتيجية لا تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة أو حجم المبادلات التجارية، وإنما بقدرة الأطراف على احترام مصالح بعضها بعضاً، ومعالجة خلافاتها في إطار الحوار والمسؤولية المتبادلة.
وفي المقابل، فإن الإشكالات القانونية المتعلقة بالقاصرين والهجرة واللجوء تتطلب حلولاً تحترم القوانين والضمانات الإنسانية، لأن قوة العلاقات بين الدول لا ينبغي أن تأتي على حساب حقوق الأشخاص المعنيين بها.
ويبقى السؤال: كيف ستتفاعل مدريد مع الرؤية الاستراتيجية الجديدة التي أعلن الملك أن المغرب سيقدمها إلى شركائه؟
الأجوبة الحقيقية لن تقدمها العناوين الصحفية وحدها، بل ستكشف عنها المواقف الحكومية والمفاوضات والقرارات العملية خلال المرحلة المقبلة.
◆ أندرو موريسون.. قراءة بريطانية في الموقع الجيوسياسي للمغرب
بعيداً عن التركيز الإعلامي على العلاقات المغربية الإسبانية، جاءت تصريحات عضو البرلمان البريطاني أندرو موريسون، الذي سبق أن شغل مناصب وزارية، لتسلط الضوء على أبعاد أخرى للخطاب.
فموريسون اعتبر أن الخطاب الملكي يبرز الدور الجيوسياسي المتنامي للمغرب، والأهمية الاستراتيجية للجهوية المتقدمة، والحاجة إلى مقاربة متوازنة لقضية الهجرة.
وهذه القراءة تكشف أن الاهتمام بالمغرب يتجاوز موقعه الجغرافي بوصفه بوابة بين إفريقيا وأوروبا.
فالمملكة أصبحت فاعلاً في ملفات اقتصادية وأمنية وتنموية إقليمية، وتسعى إلى تعزيز حضورها داخل التحولات التي يعرفها العالم.
لكن أهمية تصريح موريسون لا تعني أنه يمثل موقفاً رسمياً للحكومة البريطانية، وإنما تعكس اهتمام شخصية برلمانية بريطانية ذات تجربة حكومية بالاختيارات المغربية.
◆ أصوات من الشيلي والولايات المتحدة وبريطانيا
ومن أمريكا الجنوبية، رأت الأستاذة الجامعية الشيلية باث ميليت أن الخطاب الملكي يبرز الطموحات التنموية للمغرب وإشعاعه المتزايد على الساحة الدولية، مشيرة إلى المكانة التي راكمتها المملكة باعتبارها شريكاً موثوقاً وحريصاً على الوفاء بالتزاماته.
أما الخبير القانوني الدولي البريطاني أندرو روزمارين، فقد أشاد بتشخيص الخطاب للتحولات الجيو-اقتصادية، وبالرؤية الاستراتيجية المتعلقة بتسريع الإصلاحات والعدالة المجالية وتثمين قدرات الشباب.
ومن الولايات المتحدة، اعتبر المحلل السياسي والأستاذ الجامعي المغربي الأمريكي محمد الداداوي أن الخطاب يفتح مرحلة جديدة أمام مغرب يستبق التحولات ويقترح مساراً للتنمية المشتركة، بدل الاكتفاء بالتفاعل مع المبادرات الخارجية.
وتتقاطع هذه القراءات عند فكرة أساسية: المغرب يسعى إلى تعزيز استقلالية قراره، وتوسيع مساهمته في صياغة الشراكات والمبادرات الإقليمية.
لكن الأهمية الحقيقية لهذه القراءات ليست في عبارات الإشادة وحدها، بل في الأسئلة التي تطرحها حول قدرة المملكة على تحويل طموحاتها إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة.
◆ ما لم تتوقف عنده العناوين الدولية بما يكفي
إذا كان الإعلام الدولي قد أعطى مساحة واسعة للعلاقات المغربية الإسبانية، فإن إحدى أقوى رسائل الخطاب كانت موجهة إلى الداخل المغربي.
فالملك تحدث عن ضرورة وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية، وعن التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص.
كما شدد على أهمية الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وعلى ضرورة جعل القطاع الخاص فاعلاً استراتيجياً في خلق الثروة ومناصب الشغل.
ولعل الرسالة الأكثر مباشرة تتعلق بالتنمية الترابية والجهوية المتقدمة، حيث أصبح التأخر في نقل الاختصاصات والموارد إلى الجهات والأقاليم عائقاً أمام التنمية والاستجابة لانشغالات المواطنين.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى مفارقة أساسية.
فقد تنشغل الصحافة الأجنبية بما يعني حكوماتها ومجتمعاتها من قضايا الهجرة والتعاون الأمني، بينما ينتظر المواطن المغربي الأجوبة عن قضايا الشغل والصحة والتعليم والسكن والنقل والعدالة المجالية.
ولا يمكن فصل الصورتين عن بعضهما.
فالمغرب الذي يسعى إلى تعزيز موقعه الدولي يحتاج، في الوقت نفسه، إلى تقوية جبهته الاجتماعية والاقتصادية، وإلى جعل ثمار التنمية محسوسة لدى المواطنين في المدن والقرى والمناطق البعيدة عن المراكز الكبرى.
إن المكانة الدولية لا تُختزل في حجم الحضور الدبلوماسي، وإنما تتعزز أيضاً بجودة الخدمات العمومية، وقوة الاقتصاد، وثقة المواطن في مؤسساته.
◆ من صدى الكلمات إلى قوة الأفعال
لقد افتتح الملك محمد السادس ولاية تشريعية جديدة برسائل واضحة تتعلق بطموح المغرب الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية والمجالية، ومكانة الشباب، والجهوية المتقدمة، وتجديد الشراكات الدولية.
وقد وجدت بعض هذه الرسائل صدى سريعاً في الصحافة الأجنبية ولدى شخصيات سياسية وأكاديمية من قارات مختلفة.
لكن الاختبار الأكبر يبدأ بعد انحسار التغطيات الإعلامية.
هل ستنجح الحكومة في تحويل التوجيهات الملكية إلى برنامج عمل واضح؟
هل سيستعيد البرلمان دوره في التشريع والمراقبة والمساءلة، أم ستغلب عليه الحسابات الحزبية؟
هل ستنتقل الجهوية المتقدمة من النصوص إلى الصلاحيات والموارد والقرارات؟
وهل ستتحول الرؤية الجديدة للشراكة مع أوروبا إلى تعاون أكثر توازناً واحتراماً للمصالح المتبادلة؟
إن أصداء الخطاب الملكي خارج المغرب تستحق القراءة والتقدير، لكنها تضعنا أيضاً أمام حقيقة أساسية: قوة الخطاب لا تُقاس فقط بعدد العواصم التي يصل إليها صداه، وإنما بمدى قدرة المؤسسات على تحويل مضامينه إلى واقع يلمسه المواطن.
فالعالم قد يستمع بإعجاب إلى ما يقوله المغرب، لكنه سيحكم، في نهاية المطاف، على ما ينجزه.
والمغاربة أنفسهم أولى بأن يلمسوا نتائج هذا الإنجاز.
ذلك هو الرهان الحقيقي للولاية التشريعية والحكومية الجديدة: أن يكون الصدى الدولي للخطاب الملكي مقدمة لنجاح وطني ملموس، وأن تتحول قوة الرسائل إلى قوة المؤسسات، وقوة الطموح إلى عدالة وتنمية وكرامة لجميع المغاربة.
لم ينتهِ الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة، عند حدود القاعة الكبرى للبرلمان المغربي، ولم تبقَ رسائله حبيسة النقاش السياسي الوطني. فقد عبرت كلماته الحدود، ووجدت طريقها إلى كبريات وكالات الأنباء والصحف الأوروبية، وإلى مواقف وتحليلات شخصيات سياسية وأكاديمية دولية، قرأت الخطاب من زوايا متعددة، تراوحت بين السيادة الوطنية والتحولات الجيوسياسية، مروراً بالعلاقات المغربية الإسبانية، وانتهاءً بالرهانات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
واللافت أن هذا الاهتمام الدولي لم ينصبّ على الخطاب باعتباره مجرد افتتاح تقليدي لموسم تشريعي جديد، بل انصرف إلى الرسائل التي حملها بشأن موقع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي، وطبيعة العلاقات التي يريد إقامتها مع شركائه، والتحديات التي تواجه مشروعه التنموي.
غير أن قراءة هذه الأصداء تستدعي التمييز بين التغطية الإعلامية والموقف السياسي الرسمي، وبين الإشادة الأكاديمية والاعتراف الدبلوماسي، حتى لا تتحول المتابعة الصحفية إلى احتفال يفقدها قيمتها التحليلية.
◆ الصحافة الدولية تلتقط رسالة السيادة
كانت العلاقات المغربية الإسبانية من أبرز القضايا التي استأثرت باهتمام وسائل الإعلام الأجنبية. فوكالة رويترز ركزت على إعلان الملك محمد السادس أن النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة بلغ حدوده، وأن الأزمات المتكررة تفرض مراجعة المقاربات المعتمدة.
أما وكالة إيفي الإسبانية، فاختارت إبراز انتقاد الملك للتصريحات غير المسؤولة لبعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، وتشديده على أن الشراكة لا يمكن أن تكون موضوع ضغط أو تهديد أو ابتزاز.
وسارت صحيفة «إل باييس» الإسبانية في الاتجاه نفسه، لكنها ربطت الرسائل الملكية أيضاً بالسياق السياسي الإسباني وبالزيارة المرتقبة للملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية.
وفي فرنسا وألمانيا، حضرت الرسائل المتعلقة بالهجرة والسيادة والتعاون الثنائي في تغطيات وكالة فرانس برس ودويتشه فيله، فيما اختارت شبكة يورونيوز الأوروبية تسليط الضوء على التحذير الملكي من الضغوط المرتبطة بأزمة الهجرة في سبتة.
هذه التغطيات تكشف أن الإعلام الأوروبي التقط الجانب الذي يمس مصالح دوله المباشرة، خصوصاً أمن الحدود والهجرة والعلاقات مع المغرب.
لكن الخطاب الملكي كان أوسع من ذلك بكثير.
فهو لم يكن خطاباً موجهاً إلى إسبانيا وحدها، ولا مجرد رد على مواقف سياسية وإعلامية عابرة. لقد حمل تصوراً مغربياً جديداً للشراكة الدولية، يقوم على احترام السيادة وتوازن المصالح والتنمية المشتركة.
وهنا تتجلى إحدى الرسائل الأساسية للخطاب: المغرب يريد أن يكون شريكاً في صياغة الحلول، وليس مجرد طرف مكلف بتنفيذ ما يقرره الآخرون.
◆ إسبانيا أمام سؤال الشراكة الحقيقية
إن الموقف الملكي من العلاقات المغربية الإسبانية يكتسب أهميته من التوقيت الذي أُعلن فيه.
فالأزمة المرتبطة بالتدفق البشري نحو سبتة، وما أثارته من جدل سياسي وقضائي وإعلامي داخل إسبانيا، أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً متجدداً: هل يمكن أن تقوم شراكة استراتيجية متينة عندما تتحول بعض الملفات المشتركة إلى أدوات للمزايدة السياسية؟
المغرب، من خلال الخطاب الملكي، لا يعلن القطيعة، ولا يتراجع عن أهمية التعاون مع جارته الشمالية، بل يطرح الحاجة إلى تجديد أسس هذا التعاون.
وهذا موقف يستحق التوقف عنده.
فالشراكات الاستراتيجية لا تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة أو حجم المبادلات التجارية، وإنما بقدرة الأطراف على احترام مصالح بعضها بعضاً، ومعالجة خلافاتها في إطار الحوار والمسؤولية المتبادلة.
وفي المقابل، فإن الإشكالات القانونية المتعلقة بالقاصرين والهجرة واللجوء تتطلب حلولاً تحترم القوانين والضمانات الإنسانية، لأن قوة العلاقات بين الدول لا ينبغي أن تأتي على حساب حقوق الأشخاص المعنيين بها.
ويبقى السؤال: كيف ستتفاعل مدريد مع الرؤية الاستراتيجية الجديدة التي أعلن الملك أن المغرب سيقدمها إلى شركائه؟
الأجوبة الحقيقية لن تقدمها العناوين الصحفية وحدها، بل ستكشف عنها المواقف الحكومية والمفاوضات والقرارات العملية خلال المرحلة المقبلة.
◆ أندرو موريسون.. قراءة بريطانية في الموقع الجيوسياسي للمغرب
بعيداً عن التركيز الإعلامي على العلاقات المغربية الإسبانية، جاءت تصريحات عضو البرلمان البريطاني أندرو موريسون، الذي سبق أن شغل مناصب وزارية، لتسلط الضوء على أبعاد أخرى للخطاب.
فموريسون اعتبر أن الخطاب الملكي يبرز الدور الجيوسياسي المتنامي للمغرب، والأهمية الاستراتيجية للجهوية المتقدمة، والحاجة إلى مقاربة متوازنة لقضية الهجرة.
وهذه القراءة تكشف أن الاهتمام بالمغرب يتجاوز موقعه الجغرافي بوصفه بوابة بين إفريقيا وأوروبا.
فالمملكة أصبحت فاعلاً في ملفات اقتصادية وأمنية وتنموية إقليمية، وتسعى إلى تعزيز حضورها داخل التحولات التي يعرفها العالم.
لكن أهمية تصريح موريسون لا تعني أنه يمثل موقفاً رسمياً للحكومة البريطانية، وإنما تعكس اهتمام شخصية برلمانية بريطانية ذات تجربة حكومية بالاختيارات المغربية.
◆ أصوات من الشيلي والولايات المتحدة وبريطانيا
ومن أمريكا الجنوبية، رأت الأستاذة الجامعية الشيلية باث ميليت أن الخطاب الملكي يبرز الطموحات التنموية للمغرب وإشعاعه المتزايد على الساحة الدولية، مشيرة إلى المكانة التي راكمتها المملكة باعتبارها شريكاً موثوقاً وحريصاً على الوفاء بالتزاماته.
أما الخبير القانوني الدولي البريطاني أندرو روزمارين، فقد أشاد بتشخيص الخطاب للتحولات الجيو-اقتصادية، وبالرؤية الاستراتيجية المتعلقة بتسريع الإصلاحات والعدالة المجالية وتثمين قدرات الشباب.
ومن الولايات المتحدة، اعتبر المحلل السياسي والأستاذ الجامعي المغربي الأمريكي محمد الداداوي أن الخطاب يفتح مرحلة جديدة أمام مغرب يستبق التحولات ويقترح مساراً للتنمية المشتركة، بدل الاكتفاء بالتفاعل مع المبادرات الخارجية.
وتتقاطع هذه القراءات عند فكرة أساسية: المغرب يسعى إلى تعزيز استقلالية قراره، وتوسيع مساهمته في صياغة الشراكات والمبادرات الإقليمية.
لكن الأهمية الحقيقية لهذه القراءات ليست في عبارات الإشادة وحدها، بل في الأسئلة التي تطرحها حول قدرة المملكة على تحويل طموحاتها إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ملموسة.
◆ ما لم تتوقف عنده العناوين الدولية بما يكفي
إذا كان الإعلام الدولي قد أعطى مساحة واسعة للعلاقات المغربية الإسبانية، فإن إحدى أقوى رسائل الخطاب كانت موجهة إلى الداخل المغربي.
فالملك تحدث عن ضرورة وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية، وعن التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص.
كما شدد على أهمية الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وعلى ضرورة جعل القطاع الخاص فاعلاً استراتيجياً في خلق الثروة ومناصب الشغل.
ولعل الرسالة الأكثر مباشرة تتعلق بالتنمية الترابية والجهوية المتقدمة، حيث أصبح التأخر في نقل الاختصاصات والموارد إلى الجهات والأقاليم عائقاً أمام التنمية والاستجابة لانشغالات المواطنين.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى مفارقة أساسية.
فقد تنشغل الصحافة الأجنبية بما يعني حكوماتها ومجتمعاتها من قضايا الهجرة والتعاون الأمني، بينما ينتظر المواطن المغربي الأجوبة عن قضايا الشغل والصحة والتعليم والسكن والنقل والعدالة المجالية.
ولا يمكن فصل الصورتين عن بعضهما.
فالمغرب الذي يسعى إلى تعزيز موقعه الدولي يحتاج، في الوقت نفسه، إلى تقوية جبهته الاجتماعية والاقتصادية، وإلى جعل ثمار التنمية محسوسة لدى المواطنين في المدن والقرى والمناطق البعيدة عن المراكز الكبرى.
إن المكانة الدولية لا تُختزل في حجم الحضور الدبلوماسي، وإنما تتعزز أيضاً بجودة الخدمات العمومية، وقوة الاقتصاد، وثقة المواطن في مؤسساته.
◆ من صدى الكلمات إلى قوة الأفعال
لقد افتتح الملك محمد السادس ولاية تشريعية جديدة برسائل واضحة تتعلق بطموح المغرب الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية والمجالية، ومكانة الشباب، والجهوية المتقدمة، وتجديد الشراكات الدولية.
وقد وجدت بعض هذه الرسائل صدى سريعاً في الصحافة الأجنبية ولدى شخصيات سياسية وأكاديمية من قارات مختلفة.
لكن الاختبار الأكبر يبدأ بعد انحسار التغطيات الإعلامية.
هل ستنجح الحكومة في تحويل التوجيهات الملكية إلى برنامج عمل واضح؟
هل سيستعيد البرلمان دوره في التشريع والمراقبة والمساءلة، أم ستغلب عليه الحسابات الحزبية؟
هل ستنتقل الجهوية المتقدمة من النصوص إلى الصلاحيات والموارد والقرارات؟
وهل ستتحول الرؤية الجديدة للشراكة مع أوروبا إلى تعاون أكثر توازناً واحتراماً للمصالح المتبادلة؟
إن أصداء الخطاب الملكي خارج المغرب تستحق القراءة والتقدير، لكنها تضعنا أيضاً أمام حقيقة أساسية: قوة الخطاب لا تُقاس فقط بعدد العواصم التي يصل إليها صداه، وإنما بمدى قدرة المؤسسات على تحويل مضامينه إلى واقع يلمسه المواطن.
فالعالم قد يستمع بإعجاب إلى ما يقوله المغرب، لكنه سيحكم، في نهاية المطاف، على ما ينجزه.
والمغاربة أنفسهم أولى بأن يلمسوا نتائج هذا الإنجاز.
ذلك هو الرهان الحقيقي للولاية التشريعية والحكومية الجديدة: أن يكون الصدى الدولي للخطاب الملكي مقدمة لنجاح وطني ملموس، وأن تتحول قوة الرسائل إلى قوة المؤسسات، وقوة الطموح إلى عدالة وتنمية وكرامة لجميع المغاربة.
رئيسية 








الرئيسية




