العلم - زهير العلالي
بالنسبة للقارئ، خصوصا المهتم، تقدم عتبات مؤلَّف "السيميائيات ودراسة المعنى: بين صوت النص وصدى الصورة" لصاحبه الدكتور محمد خريصي، مفاتيح أولية لفهم توجه الكتاب ومضمونه الفكري.
فبتفكيك العناصر الخارجية والداخلية، أو ما يسمى "العتبات النصية"، المحيطة بالمتن، ندرك الحقل المعرفي الذي ينتمي إليه الكتاب، حيث يحدد العنوان الرئيس "السيميائيات ودراسة المعنى" بوضوح جوهر النص وانتمائه إلى حقل السيميائيات (علم العلامات)، كما تحيل "دراسة المعنى"، على أن الكتاب لا يقف عند رصد العلامات فقط، بل يبحث في كيفية توليدها للمعاني واستيعابها.
بينما يكشف العنوان الفرعي "بين صوت النص وصدى الصورة" طبيعة المنهج والموضوع، إذ يقوم الكتاب على مقاربة ثنائية تجمع بين اللفظي (صوت النص) والبصري (صدى الصورة)، مما يشير إلى انفتاح الدراسة على السيميائيات السردية والبصرية معا.
صورة الغلاف، تظهر لوحة تشكيلية غنية بالألوان والخطوط والرسومات المتداخلة، تجمع بين كتابات أشبه بالمخطوطات القديمة ورسومات لحيوانات ورموز بدائية ملونة، وهي دلالة مباشرة على فلسفة السيميائيات نفسها؛ حيث تترابط العلامات اللغوية (الخطوط) مع نظيراتها الأيقونية (الصور والرموز) في حيز واحد لإنتاج دلالات متعددة وترسيخ، بلغة "رولان بارث Roland Barthes"، فكرة "صدى الصورة".
هذا بالنسبة للغلاف الأمامي، أما التصدير في ظهر الكتاب، والذي ورد فيه الاستشهاد بالفيلسوفين "جون لوك John Locke" و"غوتفريد لايبنيتس Gottfried Leibniz"، فيظهر للقارئ الخلفية المعرفية الرصينة التي يتميز بها الرجل؛ وقد أدرجه للإشارة إلى التأصيل الفلسفي والتاريخي لنشأة العلم الذي يعالجه الكتاب (السيميائيات)، وتحديدا إلى كيفية تشكل المفاهيم الأولى حول "العلامة" و"المعنى" في الفلسفة الحديثة.
فلوك أول من استخدم مصطلح "السيميائيات (Semeiotike)" في كتابه الشهير "مقال في الفهم البشري" (1690)، والذي قسّم فيه العلوم إلى ثلاثة أقسام، جعل ثالثها "علم العلامات". بينما مهد لايبنيتس للسيميائيات الحديثة التي لا تكتفي بدراسة الكلمات، بل تدرس تفاعل الأنظمة المختلفة (نصوص، صور، رموز)، وهو ما يخدم تماما العنوان الفرعي (بين صوت النص وصدى الصورة).
أما عتبة الفهرس التي تلخص مسارات متن الكتاب، فالقارئ يستشف منها تدرجا منهجيا متناسقا ينتقل من العام إلى الخاص، ومن اللغوي إلى البصري؛ إذ تركز الفصول الثلاثة الأولى على الجانب النظري، لينتقل بنا في الفصول الثلاثة الوسطى إلى التطبيق السيميائي على الخطابات البصرية والإشهارية، في حين يفتح الفصل السابع والأخير آفاقا جديدة بانتقال مسارات العلامات من اللسانيات إلى السيميائيات.
وبانتقالنا إلى متن الكتاب، نجده ينطلق من فكرة أساس، أو بالأحرى رأي، تكاد تجمع من خلاله المقاربات الفلسفية واللسانية المعاصرة على الدور المركزي والرمزي للغة واللسان في بناء الوعي البشري وتشكيل الأنساق الفكرية، مخرجة اللغة من نطاقها الضيق بوصفها مجرد أداة تواصلية أو نفعية مباشرة، لتجعل منها أداة ذات أبعاد رمزية واستعارية تضع حدا فاصلا بين الكائن البشري وباقي مخلوقات الكون.
ولتوضيح هذه الفكرة، اعتمد د. خريصي، على إسهام الفيلسوف الألماني "إرنست كاسيرر Ernst Cassirer" الذي أعاد تعريف الإنسان بوصفه "كائنا رمزيا Animal symbolique" يعيش في عالمين متداخلين، عالم حقيقي مادي وآخر رمزي مشكّل من اللغة، والأسطورة، والفن، والدين.
ويرى كاسيرر، حسب ما أورده المؤلِّف في الفصل الأول من الكتاب، أن هذا "النسق الرمزي Systéme symbolique" الذي يمتلكه الإنسان هو الذي يحدث فرقا نوعيا في طبيعة استجابته للمحيط؛ فبينما يستجيب الحيوان للمثيرات الخارجية عبر جهازين (مستقبل ومؤثر) بشكل مباشر وفوري، يمتلك الإنسان جهازا ثالثا (الجهاز الرمزي) لا وجود له عند الحيوانات الأخرى يسمى (رجع)، والذي يؤخر الاستجابة المباشرة، مما يجعل ردود فعل الإنسان أفعالا فكرية واعية.
وبما أن موضوع الكتاب هو السيميائيات، فمن الطبيعي أن يدرج صاحبنا رائدي هذا العلم، السويسري "فرديناند دي سوسير Ferdinand de Saussure" الذي أقام ثورة علمية نقلت اللسانيات إلى مصاف العلوم المستقلة عبر تحديد "اللسان" كموضوع محدد وعلمي للدراسة وسط علم أعم هو "السميولوجيا"، والأمريكي "تشارلز ساندرز بورس Charles Sanders Peirce" -سنتطرق إليه في موضع آخر من هذا المقال- الذي عمق فهمنا لطبيعة العلامة وتعددية التأويل.
فدي سوسير، تنبأ من خلال فكرة أن اللسان بمثابة البوابة الرئيسة نحو فهم مناطق جديدة من الإنساني والاجتماعي "بميلاد علم جديد سيشتغل كنظرية عامة لحياة العلامات داخل الكيان الاجتماعي، سيسمى السيميولوجيا" (ص 45). ويتأسس هذا النسق اللساني عند دي سوسير على ثنائية "الدال" (صورة صوتية Image acostique) و"المدلول" (مفهوم ذهنيConcept )، حيث يتحقق التوافق بينهما داخل السَّنَن اللغوي المشترك، ليمتد أثر هذه الثنائية كأداة إجرائية لفهم خبايا الأنساق الثقافية الأخرى.
هذه الرؤية يدعمها الكاتب ويجعلها تتكامل مع طروحات أخرى مثل فرضية "إدوارد سابير Edward Sapir" و"بينيامين وورف Benjamin Lee Whorf" التي ترى في اللغة تحيينا صوتيا للتوجه الذي يعمل على رؤية الواقع بطريقة رمزية"، وفكرة "جون بياجي Jean Peaget" حول مركزية التمثل والوظيفة الرمزية في بناء التواصل المتعدد (ص 31)، وأيضا بما شاع عند اللغويين والأصوليين وفقهاء اللغة العرب، بـ"أن الأشياء لها وجود في العيان ووجود في الأذهان ووجود في اللسان". (ص 41).
وبما أن السيميائيات هي في الأساس نظرية وممارسة للتأويل، خصص الدكتور خريصي فصلا كاملا للتأويل، عنونه بـ"فلسفة التأويل وآليات إنتاج المعنى في النصوص"، يشرح فيه كيف تحول التأويل من مجرد أداة لتفسير الكلمات إلى حاجة إنسانية ووجودية ضرورية.
ففي نظر الناقد، التأويل في التقاليد الفلسفية والنقدية هو حاجة إنسانية ماسة ووجودية؛ إذ إن "العالم الإنساني لا يمكن أن يكون إلا في حدود إحالته على معنى" (ص 53). ومن هذا المنطلق، يمثل التأويل، وفق الكاتب محاولة واعية لاستعادة مناطق مجهولة داخل الذات البشرية، متجاوزا المعطيات الجاهزة والمرئية عبر النبش والحفر في التمثلات المفاهيمية التي أودعتها فينا التجربة الإنسانية باعتبارها رموزا.
وفي الصفحة (59)، يورد د. خريصي اقتباسا من كتاب تأويل اللفظ والحمل على المعنى للباحثة التونسية وئام الحيزم، تقول فيه (فالتأويل هو الخصيصة الاستعارية للغة، ذلك أن اللغة لا تحيط حقيقة الشيء في ذاته وإنما بتصورنا له)، أي أن هذا النشاط الذهني يتأسس بالضرورة على طبيعة اللغة نفسها؛ فاللغة لا تعكس حقيقة الشيء في ذاته وإنما تقدم تصورا عنه، مما يمنحها خاصية "الاستعارة" وتعدد الأوجه التي ترتبط بتعدد المعاني وتنوعها.
يلتقي هذا كله عند الطرح الفلسفي المعاصر لـ"هانس جورج غادامير Hans-Georg Gadamer" الذي يرى أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي "شرط الوجود وعماده" والنمط الأساسي لاكتمال وجودنا في العالم وتشكيله؛ فباللغة وحدها نبني الجسور بين التأويلات ونثبت وجودنا الرمزي في الحياة.
وقد ترتب على الدرس السيميائي في العصر الحديث تحول جوهري، حيث تم الانتقال من الاهتمام بالعلامة اللغوية إلى العلامة البصرية؛ فالخطاب البصري (سواء في مجالات الإشهار أو الإعلام أو الدعاية السياسية...) يمتلك سلطة تأثيرية وتوجيهية هائلة تتحكم في المتلقي وتحركه، مما يجعل النص البصري بنية مركبة تتداخل فيها العلامات اللغوية، والأيقونية، والتشكيلية لإنتاج الدلالة.
ولفهم آلية اشتغال هذا النسق، اعتمد صاحبنا على التصنيف الثلاثي للعلامة عند الرائد الآخر لهذا العلم، السيميائي "تشارلز ساندرز بورس"، والذي قسم العلامات بحسب علاقتها بالموضوع إلى ثلاثة عناصر: الأيقونة (Icône) التي تحيل على الموضوع برابط المشابهة (كرسم شجرة يحيل على شجرة حقيقية)، والأمارة (Indice) التي ترتبط بموضوعها عبر علاقة تجاور (الدخان كدليل على النار)، والرمز (Symbole) الذي يحيل على موضوعه عبر قانون أو عرف تواضعي مشترك كالعلامات اللسانية واللفظية (ص 150).
وأكد الكاتب أن العلامة الأيقونية لا تشتغل في عزلة عن محيطها، بل تشكل نموذجها من ثلاثة عناصر محددة بدقة (الدال الأيقوني، والنوع، والمرجع) وهي وجهة نظر خاصة بـ"جماعة مو" استنادا إلى مقترحات "بورس" (159). ويعني ذلك أن إدراك العين للعلامات الأيقونية ليس مجرد عملية آلية، بل هو نشاط يستدعي دائما مرجعيات ثقافية واجتماعية (السنن الثقافي) المخزنة في الذاكرة الجماعية، والتي بدونها لا يمكن فتح نافذة الصورة على العالم وتأويل دلالاتها بشكل صحيح.
صحيح، أن أغلب النقاد يجمعون على أن السيميائيات كعلم أسس من طرف "دي سوسير" و"بورس"، بيد أن د. خريصي يرى أن الاهتمام بالعلامة -أو الرمز- رافق جميع مراحل تطور الحضارة الإنسانية منذ قديم الزمان، مشيرا إلى أنه "لا يمكن حصر المحطات التي قطعها تاريخ العلامات مع رائدي النظرية السيميولوجية/السيميائية، تحديدا السيميائي المنطقي (بورس)، واللساني البنيوي (سوسير). بل إننا نجد في الكثير من أحاديث وتراث وأقوال الفلاسفة واللغويين وفقهاء الأصول وعلماء الدين وأقطاب الأدب، ما يفيد بوجود الفكر العلاماتي والتصور السيميائي، بالرغم من عدم التقعيد لذلك ونعته تنظيرا سيميائيا في غابر الأزمان" (ص 192).
لقد استطاع الناقد محمد خريصي، من خلال هذا الإسهام الفكري، بيان كيف تطور هذا العلم وتحول مع علماء بارزين مثل "بورس" و"أومبرتو إيكو Umberto Eco" و"رولان بارث"... إلى أفق أوسع وأشمل؛ تَحَوّلٌ جعل من "السيميائيات" (وهو العلم المتخصص في دراسة العلامات والرموز) أداة قوية تساعدنا على فهم وتفكيك كل مظاهر الثقافة والحياة البشرية، بما في ذلك اللغة، والفنون، والعمارة، والإشارات البصرية، والسلوكيات اليومية.
بالنسبة للقارئ، خصوصا المهتم، تقدم عتبات مؤلَّف "السيميائيات ودراسة المعنى: بين صوت النص وصدى الصورة" لصاحبه الدكتور محمد خريصي، مفاتيح أولية لفهم توجه الكتاب ومضمونه الفكري.
فبتفكيك العناصر الخارجية والداخلية، أو ما يسمى "العتبات النصية"، المحيطة بالمتن، ندرك الحقل المعرفي الذي ينتمي إليه الكتاب، حيث يحدد العنوان الرئيس "السيميائيات ودراسة المعنى" بوضوح جوهر النص وانتمائه إلى حقل السيميائيات (علم العلامات)، كما تحيل "دراسة المعنى"، على أن الكتاب لا يقف عند رصد العلامات فقط، بل يبحث في كيفية توليدها للمعاني واستيعابها.
بينما يكشف العنوان الفرعي "بين صوت النص وصدى الصورة" طبيعة المنهج والموضوع، إذ يقوم الكتاب على مقاربة ثنائية تجمع بين اللفظي (صوت النص) والبصري (صدى الصورة)، مما يشير إلى انفتاح الدراسة على السيميائيات السردية والبصرية معا.
صورة الغلاف، تظهر لوحة تشكيلية غنية بالألوان والخطوط والرسومات المتداخلة، تجمع بين كتابات أشبه بالمخطوطات القديمة ورسومات لحيوانات ورموز بدائية ملونة، وهي دلالة مباشرة على فلسفة السيميائيات نفسها؛ حيث تترابط العلامات اللغوية (الخطوط) مع نظيراتها الأيقونية (الصور والرموز) في حيز واحد لإنتاج دلالات متعددة وترسيخ، بلغة "رولان بارث Roland Barthes"، فكرة "صدى الصورة".
هذا بالنسبة للغلاف الأمامي، أما التصدير في ظهر الكتاب، والذي ورد فيه الاستشهاد بالفيلسوفين "جون لوك John Locke" و"غوتفريد لايبنيتس Gottfried Leibniz"، فيظهر للقارئ الخلفية المعرفية الرصينة التي يتميز بها الرجل؛ وقد أدرجه للإشارة إلى التأصيل الفلسفي والتاريخي لنشأة العلم الذي يعالجه الكتاب (السيميائيات)، وتحديدا إلى كيفية تشكل المفاهيم الأولى حول "العلامة" و"المعنى" في الفلسفة الحديثة.
فلوك أول من استخدم مصطلح "السيميائيات (Semeiotike)" في كتابه الشهير "مقال في الفهم البشري" (1690)، والذي قسّم فيه العلوم إلى ثلاثة أقسام، جعل ثالثها "علم العلامات". بينما مهد لايبنيتس للسيميائيات الحديثة التي لا تكتفي بدراسة الكلمات، بل تدرس تفاعل الأنظمة المختلفة (نصوص، صور، رموز)، وهو ما يخدم تماما العنوان الفرعي (بين صوت النص وصدى الصورة).
أما عتبة الفهرس التي تلخص مسارات متن الكتاب، فالقارئ يستشف منها تدرجا منهجيا متناسقا ينتقل من العام إلى الخاص، ومن اللغوي إلى البصري؛ إذ تركز الفصول الثلاثة الأولى على الجانب النظري، لينتقل بنا في الفصول الثلاثة الوسطى إلى التطبيق السيميائي على الخطابات البصرية والإشهارية، في حين يفتح الفصل السابع والأخير آفاقا جديدة بانتقال مسارات العلامات من اللسانيات إلى السيميائيات.
وبانتقالنا إلى متن الكتاب، نجده ينطلق من فكرة أساس، أو بالأحرى رأي، تكاد تجمع من خلاله المقاربات الفلسفية واللسانية المعاصرة على الدور المركزي والرمزي للغة واللسان في بناء الوعي البشري وتشكيل الأنساق الفكرية، مخرجة اللغة من نطاقها الضيق بوصفها مجرد أداة تواصلية أو نفعية مباشرة، لتجعل منها أداة ذات أبعاد رمزية واستعارية تضع حدا فاصلا بين الكائن البشري وباقي مخلوقات الكون.
ولتوضيح هذه الفكرة، اعتمد د. خريصي، على إسهام الفيلسوف الألماني "إرنست كاسيرر Ernst Cassirer" الذي أعاد تعريف الإنسان بوصفه "كائنا رمزيا Animal symbolique" يعيش في عالمين متداخلين، عالم حقيقي مادي وآخر رمزي مشكّل من اللغة، والأسطورة، والفن، والدين.
ويرى كاسيرر، حسب ما أورده المؤلِّف في الفصل الأول من الكتاب، أن هذا "النسق الرمزي Systéme symbolique" الذي يمتلكه الإنسان هو الذي يحدث فرقا نوعيا في طبيعة استجابته للمحيط؛ فبينما يستجيب الحيوان للمثيرات الخارجية عبر جهازين (مستقبل ومؤثر) بشكل مباشر وفوري، يمتلك الإنسان جهازا ثالثا (الجهاز الرمزي) لا وجود له عند الحيوانات الأخرى يسمى (رجع)، والذي يؤخر الاستجابة المباشرة، مما يجعل ردود فعل الإنسان أفعالا فكرية واعية.
وبما أن موضوع الكتاب هو السيميائيات، فمن الطبيعي أن يدرج صاحبنا رائدي هذا العلم، السويسري "فرديناند دي سوسير Ferdinand de Saussure" الذي أقام ثورة علمية نقلت اللسانيات إلى مصاف العلوم المستقلة عبر تحديد "اللسان" كموضوع محدد وعلمي للدراسة وسط علم أعم هو "السميولوجيا"، والأمريكي "تشارلز ساندرز بورس Charles Sanders Peirce" -سنتطرق إليه في موضع آخر من هذا المقال- الذي عمق فهمنا لطبيعة العلامة وتعددية التأويل.
فدي سوسير، تنبأ من خلال فكرة أن اللسان بمثابة البوابة الرئيسة نحو فهم مناطق جديدة من الإنساني والاجتماعي "بميلاد علم جديد سيشتغل كنظرية عامة لحياة العلامات داخل الكيان الاجتماعي، سيسمى السيميولوجيا" (ص 45). ويتأسس هذا النسق اللساني عند دي سوسير على ثنائية "الدال" (صورة صوتية Image acostique) و"المدلول" (مفهوم ذهنيConcept )، حيث يتحقق التوافق بينهما داخل السَّنَن اللغوي المشترك، ليمتد أثر هذه الثنائية كأداة إجرائية لفهم خبايا الأنساق الثقافية الأخرى.
هذه الرؤية يدعمها الكاتب ويجعلها تتكامل مع طروحات أخرى مثل فرضية "إدوارد سابير Edward Sapir" و"بينيامين وورف Benjamin Lee Whorf" التي ترى في اللغة تحيينا صوتيا للتوجه الذي يعمل على رؤية الواقع بطريقة رمزية"، وفكرة "جون بياجي Jean Peaget" حول مركزية التمثل والوظيفة الرمزية في بناء التواصل المتعدد (ص 31)، وأيضا بما شاع عند اللغويين والأصوليين وفقهاء اللغة العرب، بـ"أن الأشياء لها وجود في العيان ووجود في الأذهان ووجود في اللسان". (ص 41).
وبما أن السيميائيات هي في الأساس نظرية وممارسة للتأويل، خصص الدكتور خريصي فصلا كاملا للتأويل، عنونه بـ"فلسفة التأويل وآليات إنتاج المعنى في النصوص"، يشرح فيه كيف تحول التأويل من مجرد أداة لتفسير الكلمات إلى حاجة إنسانية ووجودية ضرورية.
ففي نظر الناقد، التأويل في التقاليد الفلسفية والنقدية هو حاجة إنسانية ماسة ووجودية؛ إذ إن "العالم الإنساني لا يمكن أن يكون إلا في حدود إحالته على معنى" (ص 53). ومن هذا المنطلق، يمثل التأويل، وفق الكاتب محاولة واعية لاستعادة مناطق مجهولة داخل الذات البشرية، متجاوزا المعطيات الجاهزة والمرئية عبر النبش والحفر في التمثلات المفاهيمية التي أودعتها فينا التجربة الإنسانية باعتبارها رموزا.
وفي الصفحة (59)، يورد د. خريصي اقتباسا من كتاب تأويل اللفظ والحمل على المعنى للباحثة التونسية وئام الحيزم، تقول فيه (فالتأويل هو الخصيصة الاستعارية للغة، ذلك أن اللغة لا تحيط حقيقة الشيء في ذاته وإنما بتصورنا له)، أي أن هذا النشاط الذهني يتأسس بالضرورة على طبيعة اللغة نفسها؛ فاللغة لا تعكس حقيقة الشيء في ذاته وإنما تقدم تصورا عنه، مما يمنحها خاصية "الاستعارة" وتعدد الأوجه التي ترتبط بتعدد المعاني وتنوعها.
يلتقي هذا كله عند الطرح الفلسفي المعاصر لـ"هانس جورج غادامير Hans-Georg Gadamer" الذي يرى أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي "شرط الوجود وعماده" والنمط الأساسي لاكتمال وجودنا في العالم وتشكيله؛ فباللغة وحدها نبني الجسور بين التأويلات ونثبت وجودنا الرمزي في الحياة.
وقد ترتب على الدرس السيميائي في العصر الحديث تحول جوهري، حيث تم الانتقال من الاهتمام بالعلامة اللغوية إلى العلامة البصرية؛ فالخطاب البصري (سواء في مجالات الإشهار أو الإعلام أو الدعاية السياسية...) يمتلك سلطة تأثيرية وتوجيهية هائلة تتحكم في المتلقي وتحركه، مما يجعل النص البصري بنية مركبة تتداخل فيها العلامات اللغوية، والأيقونية، والتشكيلية لإنتاج الدلالة.
ولفهم آلية اشتغال هذا النسق، اعتمد صاحبنا على التصنيف الثلاثي للعلامة عند الرائد الآخر لهذا العلم، السيميائي "تشارلز ساندرز بورس"، والذي قسم العلامات بحسب علاقتها بالموضوع إلى ثلاثة عناصر: الأيقونة (Icône) التي تحيل على الموضوع برابط المشابهة (كرسم شجرة يحيل على شجرة حقيقية)، والأمارة (Indice) التي ترتبط بموضوعها عبر علاقة تجاور (الدخان كدليل على النار)، والرمز (Symbole) الذي يحيل على موضوعه عبر قانون أو عرف تواضعي مشترك كالعلامات اللسانية واللفظية (ص 150).
وأكد الكاتب أن العلامة الأيقونية لا تشتغل في عزلة عن محيطها، بل تشكل نموذجها من ثلاثة عناصر محددة بدقة (الدال الأيقوني، والنوع، والمرجع) وهي وجهة نظر خاصة بـ"جماعة مو" استنادا إلى مقترحات "بورس" (159). ويعني ذلك أن إدراك العين للعلامات الأيقونية ليس مجرد عملية آلية، بل هو نشاط يستدعي دائما مرجعيات ثقافية واجتماعية (السنن الثقافي) المخزنة في الذاكرة الجماعية، والتي بدونها لا يمكن فتح نافذة الصورة على العالم وتأويل دلالاتها بشكل صحيح.
صحيح، أن أغلب النقاد يجمعون على أن السيميائيات كعلم أسس من طرف "دي سوسير" و"بورس"، بيد أن د. خريصي يرى أن الاهتمام بالعلامة -أو الرمز- رافق جميع مراحل تطور الحضارة الإنسانية منذ قديم الزمان، مشيرا إلى أنه "لا يمكن حصر المحطات التي قطعها تاريخ العلامات مع رائدي النظرية السيميولوجية/السيميائية، تحديدا السيميائي المنطقي (بورس)، واللساني البنيوي (سوسير). بل إننا نجد في الكثير من أحاديث وتراث وأقوال الفلاسفة واللغويين وفقهاء الأصول وعلماء الدين وأقطاب الأدب، ما يفيد بوجود الفكر العلاماتي والتصور السيميائي، بالرغم من عدم التقعيد لذلك ونعته تنظيرا سيميائيا في غابر الأزمان" (ص 192).
لقد استطاع الناقد محمد خريصي، من خلال هذا الإسهام الفكري، بيان كيف تطور هذا العلم وتحول مع علماء بارزين مثل "بورس" و"أومبرتو إيكو Umberto Eco" و"رولان بارث"... إلى أفق أوسع وأشمل؛ تَحَوّلٌ جعل من "السيميائيات" (وهو العلم المتخصص في دراسة العلامات والرموز) أداة قوية تساعدنا على فهم وتفكيك كل مظاهر الثقافة والحياة البشرية، بما في ذلك اللغة، والفنون، والعمارة، والإشارات البصرية، والسلوكيات اليومية.