2026 أبريل 16 - تم تعديله في [التاريخ]

دراسة دولية: تعاونيات القنب بالمغرب تقود نموذجا بيئيا مستداما وتفتح آفاق صناعة زيت عالية القيمة


أسماء لمسردي

في سياق التحولات التي يشهدها قطاع القنب الهندي بالمغرب، كشفت دراسة علمية دولية حديثة عن نتائج لافتة تضع التعاونيات في صدارة النماذج الأكثر استدامة بيئيا. فقد أبرزت الدراسة، المنشورة في المجلة العلمية العالمية “MDPI”، أن اعتماد النموذج التعاوني في إنتاج زيت القنب يحقق توازنا ملحوظا بين النجاعة الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية، متفوقا بذلك على الأساليب الحرفية والتصنيع الصناعي التقليدي.

وتستند هذه الخلاصات إلى تقييم علمي دقيق اعتمد معايير دولية لقياس الأثر البيئي، حيث أظهرت النتائج أن التعاونيات المغربية تسجل أفضل أداء في ما يتعلق بكفاءة استخلاص الزيوت، مع استهلاك منخفض للطاقة، ما ينعكس إيجابا على تقليص البصمة البيئية، خاصة في المناطق الجبلية الحساسة كجبال الريف. ويعكس هذا التحول بداية تشكل نموذج إنتاجي جديد قائم على الاستدامة، في سياق إعادة هيكلة هذا القطاع.

ويأتي هذا التطور في أعقاب دخول القانون رقم 13.21 حيز التنفيذ، الذي أرسى إطارا قانونيا لتنظيم زراعة القنب الهندي لأغراض طبية وصناعية. وقد ساهم هذا التقنين في تحسين حكامة القطاع وتعزيز شروط العمل لفائدة المزارعين، خصوصا في مناطق مثل شفشاون، حيث بدأ الانتقال تدريجيا من أنشطة غير مهيكلة إلى منظومة قانونية مؤطرة تحت إشراف الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي.

كما أظهرت الدراسة أن إدماج تقنيات حديثة، مثل الري بالتنقيط، إلى جانب تثمين الصنف المحلي "بلدية"، يشكلان ركيزتين أساسيتين لمواجهة التحديات المناخية، وعلى رأسها ندرة الموارد المائية. ويؤكد هذا التوجه أهمية الجمع بين المعرفة التقليدية والابتكار الزراعي لضمان استدامة الإنتاج وتحسين مردوديته.

وعلى مستوى جودة المنتوج، كشفت التحليلات المخبرية عن خصائص غذائية متميزة لزيت القنب المغربي المستخلص من صنف "البلدية"، إذ يتميز بتوازن دقيق بين أحماض أوميغا 3 وأوميغا 6، ما يعزز جاذبيته في الأسواق الدولية التي تعرف طلبا متزايدا على المنتجات الطبيعية غير ذات التأثير النفسي. وتبرز هذه المؤهلات إمكانات تنافسية مهمة للمغرب في سلاسل القيمة العالمية المرتبطة بالصناعات الغذائية والتجميلية والدوائية.

وفي المقابل، تشير الدراسة إلى أن الوحدات الصناعية المرخصة قادرة على تحقيق مستويات مماثلة من الكفاءة البيئية، شريطة اعتمادها على مصادر الطاقة المتجددة، ما يفتح المجال أمام استثمارات نوعية في هذا القطاع الناشئ. ويعزز هذا المعطى من فرص تطوير منظومة صناعية متكاملة تستجيب لمتطلبات السوق الدولية ومعايير الاستدامة.

ومن زاوية اجتماعية، سجلت الدراسة تحسنا ملموسا في مؤشرات الشفافية والامتثال للمعايير المهنية داخل التعاونيات والمصانع، نتيجة إدماج الفاعلين المحليين في هياكل تنظيمية مؤطرة.

وينظر إلى هذا الإدماج كخيار استراتيجي لتقليص الفوارق المجالية وتعزيز التنمية القروية، من خلال ضمان توزيع أكثر إنصافا للقيمة المضافة وتوفير حماية قانونية واجتماعية للعمال.

كما شدد الباحثون على أهمية اعتماد مقاربة شمولية لإدارة دورة حياة المنتج، تبدأ من اختيار البذور وتنتهي بتسويق منتج مطابق للمعايير الدولية، مؤكدين أن حماية الأصناف المحلية وتثمينها يمثلان رهانا مزدوجا، بيئيا واقتصاديا، للحفاظ على التنوع البيولوجي وتعزيز الهوية الزراعية الوطنية.

وخلصت الدراسة إلى تقديم مجموعة من التوصيات التقنية، من بينها تطوير أساليب التعبئة والتغليف الصديقة للبيئة، وتعزيز البحث العلمي لتحسين جودة المحاصيل ورفع مردوديتها. ويكتسي هذا التقرير أهمية خاصة بالنسبة لصناع القرار والمستثمرين، كونه يقدم رؤية متكاملة تربط بين الجدوى الاقتصادية والمسؤولية البيئية والاجتماعية.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو صناعة زيت القنب بالمغرب مرشحة للعب دور محوري في دعم التنمية الاقتصادية بالمناطق الشمالية، بما ينسجم مع التوجهات الاستراتيجية للمملكة الرامية إلى تحقيق السيادة الصناعية والغذائية، وتعزيز تموقع المنتوج الوطني في الأسواق العالمية.



في نفس الركن