يشكل البيان الختامي للجنة الكبرى المشتركة للتعاون المغربي المالي، بمناسبة انعقاد دورتها الرابعة في باماكو، نموذجاً راقياً لتطور العلاقات الثنائية بين البلدين الأفريقيين الشقيقين. فقد أكد البيان الختامي على دعم مالي الكامل للوحدة الترابية للمملكة المغربية ولسيادتها على كامل ترابها الوطني، بما في ذلك منطقة الصحراء المغربية. كما أكد البيان دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي الحقيقي في الأقاليم الجنوبية للمملكة، وفقاً لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2797، بتاريخ 31 أكتوبر 2025.
ويأتي التأكيد على هذا الموقف السيادي لجمهورية مالي، بعد أربعة أشهر من سحب مالي لاعترافها رسمياً بجبهة البوليساريو وبالجمهورية الوهمية التي أنشأتها الجزائر وعملت على ضمها إلى منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي اليوم) في سنة 1982، لتصبح العضو الحادي والخمسين في المنظمة. وتم الإعلان عن سحب الاعتراف رسمياً، وليس مجرد تجميد العلاقات، في يوم 10 أبريل من السنة الجارية 2026، عبر إعلان رسمي للحكومة المالية تلاه وزير الخارجية عبد الله ديوب في العاصمة باماكو.
وحسب قواعد العلاقات الدولية ومبادئ العلوم السياسية، يعد سحب الاعتراف رسمياً قراراً سيادياً لا رجعة فيه، يلغي ما سبق من علاقات تبادل التمثيل الدبلوماسي بين طرفين. وهو الأمر الذي يعني أن جمهورية مالي أعطت لنفسها مهلة أربعة أشهر حتى تتخذ القرار السيادي، الذي يؤسس الموقف الرسمي للدولة المالية، وكان اجتماع الدورة الرابعة للجنة الكبرى المشتركة للتعاون المغربي المالي مناسبة للإعلان عن دعم مالي للوحدة الترابية للمملكة المغربية، ولمبادرة الحكم الذاتي.
وهذا درس سياسي وأخلاقي وقانوني ذو معانٍ عميقة، ينطوي على رمز قوي الدلالة تقدمه جمهورية مالي إلى الدول الأفريقية التي لا تزال تعترف بالجمهورية الوهمية وبالجبهة الانفصالية البوليساريو بخاصة، وبالدول الذاهلة عن الحقيقة والمغرر بها التي وقعت في المحظور فاعترفت بالكيان الوهمي.
وطبقاً للتصريحات الرسمية لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، فقد بلغ إجمالي الدول التي سحبت اعترافها بالجمهورية الوهمية، أو جمدت اعترافها، 54 دولة.
إن الأهمية السياسية لهذا التحول السيادي الذي عرفه الموقف المالي إزاء دعم الوحدة الترابية للمملكة المغربية تكمن في تنامي الدينامية الدبلوماسية المغربية، التي تعكسها زيادة عدد الدول التي تدعم الوحدة الترابية لبلادنا، من خلال دعمها للقرار الأممي رقم 2797 القاضي بتنفيذ الحكم الذاتي الحقيقي في الصحراء المغربية.
ويحيلنا تطور الموقف الرسمي لجمهورية مالي إزاء قضية الصحراء المغربية إلى الكلمات الذهبية التي عبر عنها الخطاب الملكي السامي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب في 20 غشت سنة 2022، إذ قال جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله وأيده: «إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، والمعيار الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات». ومن هذا المنظور، نعد تأكيد جمهورية مالي لدعمها الكامل للوحدة الترابية للمملكة المغربية ولمبادرة الحكم الذاتي درساً سياسياً يتعين على الدول الأفريقية الاستفادة منه، والاعتماد عليه، والاستناد إليه، وخاصة تلك التي لها علاقات طبيعية مع المغرب، ولكنها لا تزال تعترف بالكيان الوهمي وتتبادل معه التمثيل الدبلوماسي، إن كان هذا النوع من التمثيل دبلوماسياً حسب قواعد القانون الدولي.
2026 يوليو/جويلية 27 - تم تعديله في
[التاريخ]
درسٌ ذو رمزٍ قوي من جمهورية مالي الشقيقة
في نفس الركن
{{#item}}
{{/item}}
{{/items}}