Quantcast
2026 يناير 27 - تم تعديله في [التاريخ]

دسترة مشروع مهنة العدول رقم 22.16 أساس استتباب الأمن التعاقدي


دكتور في الحقوق وعدل موثق بدائرة محكمة الاستئناف بفاس
دكتور في الحقوق وعدل موثق بدائرة محكمة الاستئناف بفاس
العلم الإلكترونية - بقلم رضوان بدلاوي
 
بعد قرابة عشرين سنة من انتظار تحديث قانون مهنة خطة العدالة (او ما يعرف بمهنة التوثيق العدلي في الوسط الجامعي لدى الباحثين والدارسين والمهتمين بالشأن القانوني خاصة المهتمين بالمجال التوثيقي سواء الباحثين بسلك الماستر أو الدكتوراه أو الأساتذة الباحثين الذين تبنوا هذه التسمية على مستوى أبحاثهم ودراساتهم الأكاديمية)، وبعد حوارات ومشاورات ولقاءات مرطونية شاقة للجنة الحوار المنبثقة عن الهيئة الوطنية للعدول ووزارة العدل طال أمدها، ونشر عدة نسخ أو مسودات لمشروع تعديل قانون خطة العدالة في كل ولاية انتخابية للمكتب التنفيذي للهيئة الوطنية للعدول، وبعد طول انتظار فوجئ العدول بمصادقة مجلس الحكومة على مشروع قانون 22.16 المتعلق بمهنة العدول وإحالته على البرلمان هذا المشروع في نسخته المعدلة "الهجينة" اعتبره العدول انتكاسة ومحاولة لإقبار مهنتهم وسلب المزيد من اختصاصاتهم الحصرية، مما أجج الوضع المهني وأنزل عدول المغرب من كافة أقطاب المملكة المغربية لشوارع الرباط محتجين ومتظاهرين أمام البرلمان على ما سموه بقانون التمييز والتفييئ بين المهن "التشريع على المقاس، قانون الشؤم، قانون إقبار المهنة..." بين مطالبين بسحبه من البرلمان وبين مطالبين بتجويده ودسترة مقتضياته، هذا الجدل حول المشروع لم يبق حبيس الوسط المهني بل تمدد ليتبنى المطالب المشروعة للعدول "خاصة مطلب التعديل والتجويد" بعض الأحزاب السياسية التي عبرت في بيانات رسمية لها على مساندة العدول ونصرت قضيتهم، فانتقل النقاش من نقاش مهني إلى نقاش سياسي بقبة البرلمان قبل عرض القانون عليه وبدء مسطرة مناقشته والتصويت عليه.
 
لهذا كان سن قانون جديد لمهنة العدول تتماهى نصوصه مع روح الدستور ليس مجرد إجراء تشريعي تقني فقط، بل هو محطة تاريخية لترجمة فصول دستور المملكة المغربية والتقييد بمبادئه العامة التي هي ناموس الأمة، وكذا تحقيق أمن توثيقي وتعاقدي يحفظ حقوق المتعاقدين وكرامة العدول كمهنين صفتهم العدل ومهمتهم تحقيق العدالة بين المتعاقدين.
 
وفي خضم هذا الجدل عملت كباحث في المجال القانوني وكعدل له غيرة على مهنته على استقراء فصول هذا المشروع وعرضها على ميزان العدالة التشريعية والنظر في مدى موائمتها لأحكام الدستور وتنزيل مبادئه التي لا يجوز لأحد أن يزوغ عنها أو يسن قوانين تعارضها، وفي ما يلي أعرض عليكم ما وقعت عليه عيني وعارضته بنات أفكاري واعتبرته خروقات وتجاوزات لمبادئ دستورية مقدسة سقط فيها واضع المشروع.
 
ومن أجل سبر أغوار هذا المشروع والوقوف على بعض مكامن الخلل التي شابته، سأحول أن أعرض بعض دسائسه من خلال إلقاء نظرة عليه من زاويتين اثنتين:
 
الزاوية الأولى: مخالفة مضامين نصوص المشروع للمبادئ الدستورية
 
أول ما استهل به واضع المشروع مشروعه الهادف لإقبار المهنة قوله: تضطلع مهنة العدول بدور محوري في منظمة العدالة ... هدفها الأساسي هو توثيق الحقوق والمعاملات والحفاظ على أعراض الناس وأنسابهم، وتحقيق الأمن التوثيقي والتعاقدي الذي يجنب الأطراف الوقوع في النزاعات... وأردف قائلا أنه من مسببات تعديل القانون 16.03 هو استجلاء أهم مكامن ضعفه ومعوقات تنزيله لغاية مواجهتها وبالتالي تحقيق المناعة لهذه المهنة القانونية... إلا أن استقراء مضامين هذا المشروع تخالف وتعارض هذا القول ، فكل عدل اضطلع على مضامينه أحس بضيق في صدره، وتولدت له رغبة في التوقف عن إكمال قراءة هذا المشروع وتكونت له فكرة أن هذا المشروع جاء لإقبار المهنة وسلب المزيد من الاختصاصات الحصرية للعدول، وإليكم بعض الملاحظات والمؤاخذات على هذا المشروع:
 
 التسمية: الرفض القاطع لتسمية المهنة بـ"مهنة التوثيق العدلي" والاكتفاء بمهنة العدول : هنا كان الأولى أن يشتق اسم المهنة من الوظيفة التي يمارسها المهني وهي التوثيق دون الاقتصارعلى الصفة التي يتصف بها المهني "ألا وهي العدل" ونعّمَ بها صفة وهي فخر للمهني أن يتصف بها، إلا أنه تماشيا مع التسمية المعروفة في وسط الباحثين وكذا لتقريب الفهم والتعريف بالوظيفة المكلف بها العدل خاصة لدى العامة ـ عموم المواطنين من المغاربة وكذا الأجانب ـ وجب تسميتها بالتوثيق العدلي " تعريفا بالوظيفة التي هي التوثيق مع اقرانها بصفة العدل "أي أن المهني الذي يمارس في إطارها لا يوثق بين الناس إلا بالعدل وبما أنزل الله وأقره القانون.
 
 وقبل الشروع في سرد بعض المواد القانونية المخالفة لأحكام الدستور والتي جاء بها المشروع، لابد من التذكير بمقتضيات الفصل 37 من دستور المملكة الذي نص على أنه " ... يتوجب على جميع المواطنات والمواطنين احترام الدستور والتقييد بالقانون ".
 
فإذا كان دستور المملكة المغربية الذي هو ناموس ملكها وشعبها يخاطب المواطن فكيف لجهة مسؤوليتها هي التشريع أن تخالف أحكام هذا الناموس، لهذا فالأجدر بالمسؤول عن سن المشروع وصياغته أن يعمل على تنزيل مبادئ الدستور والسهر على احترامها وتضمينها بصلب المشروع رقم 16.22.
 
جاء المشروع بعدة مقتضيات جديدة ظاهرها فيه إصلاح للمهنة وباطنها من قبله هضم حقوق المتعاقدين وإقبار وسلب اختصاصات العدول وتقييد العدل والتحجير عليه، وهي مقتضيات مخالفة لأحكام الدستور، وسأعرضها وفق درجة خطورتها كالتالي:
 
ـ المادة 107 من المشروع نصت على "يمكن للوكيل العام للملك ... توقيف العدل مؤقتا عن ممارسة المهنة لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر بإذن من وزير العدل، كلما تبين له وجود إخلالات مهنية..." والتوقيف المؤقت حسب المادة 118من نفس المشروع هو عقوبة زجرية أي أنه إدانة لجرم لم يثبت بعد بمفهوم القانون الجنائي "مع العلم أنه من المبادئ الاساسية في القانون الجنائي أن الشك يفسر لصالح المتهم، في حين أن الفصل 23 من الدستور ينص على "لا يجوز إدانة أي شخص إلا طبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون ... قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان "، و الفصل 119 من الدستور نص على "يعتبر كل مشتبه فيه أو متهم بارتكاب جريمة بريئا إلى أن تثبت إدانته مقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به".
 
فالمادة 107 من المشروع تكرس قرينة الإدانة، وتحرف صريح الفصلين الدستورين 23 و119 بكون الأصل في المتهم هو البراءة ـ أي أن قرينة البراءة لصيقة بالشخص ـ ، لهذا كانت هذه المادة بمثابة مجزرة بحق النصوص الدستورية التي هي ناموس الأمة التي لا يجوز تحريف مبادئه، وبالتالي وجب حذفها.
 
وما يعزز قول أن المشروع كرس قرينة الإدانة لدى العدول هو تشديد الرقابة على المكتب العدلي بجعله خاضع لرقابة خماسية وإلباسه بقوة القانون جلباب المتهم والمهني الذي لا يوثق به، في خرق سافر لتوصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة خاصة الهدف الفرعي السابع لهذا الميثاق المعنون بـ"دعم الثقة في المهن القضائية والقانونية، هذا التشديد في الرقابة ضُمن في مجموعة من المواد من بينها: المادة 102 رقابة قاضي التوثيق ..... والمادة 103 رقابة المجلس الجهوي للعدول ......... والمادة 104 رقابة السلطة الحكومية المكلفة بالمالية ........... والمادة 105 رقابة الوكيل العام للملك ..... والمادة 106 رقابة لجنة تفتيش العدول التابعة لوزارة العدل، هذه الرقابة مبالغ فيها وجب حصرها في رقابة النيابة العامة ووزارة المالية دون سواهما، حفظا لأسرار المتعاقدين ولضمان حسن سير المكتب السيد العدل.
 
ـ المادة 67 من المشروع المتعلقة بشهود اللفيف والتي حددت عدد الشهود في اثني عشر وهو عدد أضحى في وقتنا الراهن أمرا عسيرا ويثقل كاهل المشهود له وتضيع معه مجموعة من الحقوق عند تعذر وجود كل الشهود، وهذا العدد يمكن تقليصه لثلاثة شهود إذا كان للمشهود له وثائق ومستندات تعزز موضوع الشهادة "ومن أمثلتها "شهادة الوفاة والحالة المدنية للهالك في عقود الاراثات..." وفي غياب المستندات يكتفى بخمس شهود، خاصة أن النص القرآني حدد عدد الشهود في ثلاثة لتكون شهادتهم تامة لقوله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ {البقرة: 281} ؛
 
كما أن المادة 67 من المشروع سكتت عن تحديد جنس الشهود ولم تحصر الشهادات التي تشهد فيها النساء دون الرجال والرجال دون النساء، خاصة أن فقهاء المالكية تطرقوا لمواطن تقبل فيها شهادة النساء وحدهن ولو امرأة واحدة، والمواطن التي لا تقبل فيها شهادة المرأة، ومن بينها أنه تقبل شهادة المرأة وحدها في الرضاع، وفي البكارة، والثيوبة، وعيوب النكاح، وكل ما لا يطلع عليه الرجال غالباً.
 
كما أن عدم التنصيص على جواز شهادة المرأة سيؤدي للاصطدام مع ما جرى به العرف التوثيقي بالمغرب، بأن المرأة لا تشهد في اللفيفيات "خاصة أن العرف هو مصدر من مصادر التشريع وقد يأخذ صفة الالزام إذا استوفى ركنه المادي المتمثل في التكرار وركنه المعنوي المتمثل في الاعتقاد بإلزاميته ولم يخالف نصا تشريعيا آمرا، وعدم التنصيص على ذلك يضعنا أمام مخالفة صريحة لأحكام الفصل 19 من الدستور الذي نص على " يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية ... وتسعى الدولة الى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء ...".
 
ـ المادتين 151 و 182 من المشروع اللتان رفعتا شرط المدة لتولي الرئاسة الوطنية والجهوية إلى 15 و 10 سنوات فيهما إقصاء للمرأة العدل من المشاركة في الانتخابات الرئاسية بطريقة ضمنية وغير مباشرة مع أن دستور المملكة أكد في الفصل 30 من الدستور على أن القوانين ينبغي ان تنص على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظاىف الانتخابية.
 
ــ المادتين 150 و181 من المشروع "انتخاب الرئيس لولاية واحدة غير قابلة للتجديد هو نص فيه عدم المساواة بين باقي المهن القضائية خاصة المادة 112 من قانون مهنة التوثيق والمادة 84 من قانون مهنة المحاماة ... وهي مواد نصت على القابلية للتجديد، والمتأمل في هذا النص الخارق لمبدأ المساواة بين باقي المهن، يلاحظ أن فيه مصادرة لحق العدول في اختيار من يمثلهم أحسن تمثيل، وفي ذلك خرق للفصل 154 من الدستور الذي نص على "يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة ...، والاستمرارية في أداء الخدمات. ...".
 
ـ المادة 142 من المشروع نصت على أنه "لا يمكن لأي جهة أيا كانت صفتها من غير الهيئة الوطنية للعدول تمثيل المهنة أو التحدث باسمها..."، هذه المادة صادرت الحق الدستوري للجمعيات ـ الجمعية المغربية للعدول الشباب والجمعية المغربية للمرأة العدل...ـ والنقابات المهنية (النقابة الوطنية للعدول) ألا وهو إبداء الرأي فيما يهم شأنهم المهني «خاصة الدفاع عن حقوق أعضائها والمنخرطين بها والتحدث باسمهم، إذ نص الفصل 12 من الدستور على "... تساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام، والمنظمات غير الحكومية، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها..." وكذا الفصل 25 من الدستور الذي نص " حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها".
 
مع العلم أن المادة 54 من ق 16.03 المنظم لخطة العدالة الحالي تنص "تمثل الهيئة الوطنية للعدول المهنة تجاه الإدارة، وتبدي رأيها فيما تعرضه عليها من مسائل تتعلق بالممارسة العامة للمهنة، وتقدم المقترحات الكفيلة بتطوير المهنة " لهذا لا يوجد مبرر قانوني أو واقعي لتعديل هذه المادة.
 
ـ المادتين 5 و 6 من المشروع اللتان تعفيان القضاة وموظفي كتابة الضبط من المباراة وتمنحهم الولوج المباشر للمهنة، مخالف للفصل 31 من الدستور الذي نص على" ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق " ناهيك على أنه سيحرم الطلبة الموجزين من حقهم في الشغل «والحق في الشغل حق دستوري أصيل وفي هذا هضم لحقوق المواطنين "الطلبة الموجزين العاطلين عن العمل".
 
بل إن سن هاتين المادتين عكس ما كان معمولا به في ظهير 5 يونيو 1937 المتعلق بنظام خطة القضاء الذي كان ينص على أنه من شروط الالتحاق بالقضاء أن يكون المترشح للقضاء قد قضى خمسة أعوام في خطة العدالة، فالأصل أن المهن القضائية والقانونية تتطور سموا وعزة لا اندحارا وانتكاسة.
 
الزاوية الثانية: مساهمة مشروع القانون في هدر حقوق المواطنين وزعزعت الأمن التعاقدي
 
إن المقتضيات التشريعية التي يبتغي المشروع تقريرها ليس مخالفة للمبادئ الدستورية فحسب بل فيها شرعنة لهضم حقوق المواطنين وزعزعة الأمن التعاقدي، ومن أمثلة هذه المواد أذكر:
 
المادة 78 من المشروع نصت على أن الوثيقة لا تكتسب الرسمية إلا بعد الخطاب عليها ... "بينما رسمية عقود موثقة منفردة أو موثق منفرد تأخذ الرسمية فور توقيع الموثقة عليها ... هذه المادة تكرس نظرة نمطية مفادها أن العدلين لا أهلية لهما وأن ما حرروه من شهادات مشكوك في أمرها وأن تمام أهليتهما رهين بخطاب القاضي الذي يطفي على العقد الرسمية... ، وهذا قمة التمييز بين المهن، وإذا كان خطاب قاضي التوثيق لابد منه فالمفروض أن يطفي خطاب القاضي على الرسم العدلي الصيغة التنفيذية وليس مجرد الرسمية.
 
بل إن في تأخير تقرير رسمية العقد تهديد لمصالح المتعاقدين وتنفير للمستتمر من التعامل مع العدول، وفيه نوع من المحاباة والريع التشريعي لفائدة مهنة مماثلة تقدم نفس الخدمة التوثيقية بضمانات أكثر وبسرعة أكبر، وبوقت زمني أقل.
 
ناهيك على أن المكتب العدلي هو مرفق عمومي، بصريح ما تضمنه المشروع من مقتضيات أهمها أنه نصت عليه المواد من 26 إلى 30 من المشروع والتي من ضمنها "أنه لا يحق للعدل ترك مكتبه شاغرا إلا بعذر مقبول، وأن الانقطاع غير المبرر عن العمل يعتبر مخالفة مهنية ..."، لهذا كان من الأجدر أن يتمتع المكتب العدلي كمرفق عمومي بالحمادية الدستورية التي أقرها دستور المملكة المغربية في الباب الثاني عشر المعنون بالحكامة الجيدة والذي أقر مبادئ عامة من بينها ما جاء في الفصل 154 من الدستور الذي نص على "يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، ...، والاستمرارية في أداء الخدمات. ..."، فمهمة الدولة هي ضمان سيرورة أداء المرفق العمومي لخدماته، من خلال سن قوانين تضمن ذلك.
 
ـ المادة 39 من المشروع التي منعت العدول من تسلم أموال المتعاقدين وحرمان العدل من آلية الاشتغال وهي آلية مهمة لضمان حقوق المتعاقدين ألا وهي آلية "صندوق الودائع" مع العلم أن نسخة المشروع رقم 22.16 لسنة 2023 الموجهة لوزير التجهيز والماء كانت تنص على هذه الآلية، فعدم تمكين العدول من آلية الإيداع فيه هدر للحقوق وخرق سافر لمبدأ حق المواطن في اختيار المهني الذي يريد التعامل معه وتوثيق حقوقه لديه، بل الأكثر من ذلك فحرمانهم من آلية الإيداع فيه زعزعت للأمن التعاقدي من خلال حرمان المواطن من ضمان حقه، «ثمن البيع في العقار المحفظ والأصول التجارية وغيرها ..." بل في هذا المنع توجه نحو منع العدول تلقي عقود التفويتات بكافة أنواعها في تكريس فاضح للميز التشريعي بين المهن كما هو الشأن في منعهم من توثيق عقود السكن المدعم والسكن الاقتصادي وعقود البيع الابتدائي...، وهذا التوجه الذي سلكه واضع المشروع يتنافى مع أهداف ميثاق إصلاح منظومة العدالة الذي أتى بأهداف سمتها الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة، بالأهداف الاستراتيجية الكبرى لإصلاح منظومة العدالة إذ جاء في الهدف الفرعي السابع لهذا الميثاق المعنون بـ"دعم الثقة في المهن القضائية والقانونية: في التوصية رقم 172 " تعزيز الضمانات الممنوحة للمتعاملين مع المهن القضائية والقانونية بالنص عليها في صلب القوانين المنظمة لهذه المهن." ، وقبلها نصت التوصية رقم 52 على ضرورة مراجعة المقتضيات القانونية المتعلقة بودائع المتعاملين مع المهن القضائية والقانونية في اتجاه حمايتها وتحصينها. ومن أجل تنزيل توصيات هذا الميثاق وجب تمكين العدول من صندوق الإيداع وذلك بإحداث صندوق مهني موحد ومركزي للعدول تحت إشراف الهيئة الوطنية للعدول إسوة بباقي المهن القانونية والقضائية التي تم منحها هذه الآلية في قوانينها "قانون المحامات، قانون مهنة التوثيق..."، لأن في ذلك حماية لأموال المتعاقدين، وكبحا للتهرب الضريبي ومحاربة ظاهرة غسل الأموال.
 
ـ المادة 49 من المشروع الاختصاص المكاني والتلقي خارج الدائرة رهين بإشعار قاضي التوثيق ورئيس المجلس الجهوي، كان العدول ينادون بحذف هذا الاشعار لأنه لا طائلة منه ويعرقل عمل العدل، خاصة إن كان يوم التوجه يوم عطلة، فإذا بواضع المشروع يخضع التوجه خارج الابتدائية للإشعار المزدوج، وفي هذا تعطيل لحقوق المواطنين طالبي الخدمة التوثيقية.
 
ـ المادة 50 من المشروع تراجعت عن منح العدول إمكانية التلقي الالكتروني عن بعد بواسطة وسائل التواصل السمعي البصري الحديثة، بعدما كانت نسخة مشروع 2023 الموجهة لوزير التجهيز والماء تنص على التلقي الإلكتروني والتوقيع الإلكتروني وهذا التراجع دليل على أن هناك آيادي خفية خبيثة تعمل جاهدة على جعل المهنة حبيسة التوثيق التقليدي بخط اليد وعدم مواكبتها للعولمة وعصر السرعة، وتنحيتها عن مجال المال والأعمال وسوق الرساميل والاستثمارات الضخمة التي يحتاج توثيق المعاملات في إطارها للتعامل الرقمي عن بعد.
 
ـ المادة 40 من المشروع منعت العدل من التلقي مع ومن الأقارب إلى الدرجة الرابعة ... والمادة 96 وسعت دائرة منع التلقي من الأقارب لتشمل جميع الشركاء.. وهذا تقنين صريح لهضر حقوق المواطن لأن منع تلقي الشهادات من الأقارب هو تضييق على الناس خاصة أن مستند العلم الأقوى في معظم اللفيفيات هو القرابة وهذا المنع مناف للمنطق وفيه تشكيك بمصداقية العدول، بل ستضيع معه العديد من حقوق المواطنين خاصة في المراكز التي لا تشتمل الا على عدلين أو أربع عدول "مركز البهاليل ، رباط الخير ، المنزل..."، فهذه المناطق حكم واضع المشروع على ساكنتها بالحرمان من الخدمات التوثيقية وتعطيلها.
 
بل إن المنع من التلقي للأقارب فيه سحب لاختصاص أصيل للعدول ألا وهو الشهادة العلمية، لأن معظم الشهادات العلمية للعدول لا تكون إلا للأقارب، ومنع أداء الشهادة للأقارب فيه تشكيك في مصداقية العدل، كما المادة 40 المذكورة فيها تضارب مع المادة 52 من المشروع بحيث منعت هذه الأخيرة العدل من أن يشهد في شهادة تلقاها عدل آخر وفي مقابل ذلك نصت على أنه يمكنه ان يشهد شهادة علمية بإذن من القاضي، وهذا لا يستقيم فكيف له أن يشهد شهادة علمية لأحد أقاربه مع تواجد المادة 40 والمادة 52 من المشروع.
 
ـ المادة 51 من المشروع منعت العدل من اعتماد مستند العلم في اللفيفيات بالقرابة لأحد أطراف العقد، بل الأكثر من ذلك وسعت من دائرة هذه القرابة وجعلتها تشمل جوانب عدة وكأنها شبكة عنكبوتية "سواء كانت قرابة الشاهد للعدل أو قرابة الشاهد لزوج العدل أو زوج رفيق العدل أو قريب زوج رفيق العدل، والأكثر من ذلك أنها منعت أن يكون الشاهد قريبا لطالب الشهادة... ، وفي هذا توجه ممنهج نحو إلغاء نظام اللفيفيات من خلال تعطيله بمنع أداء الشهادة إلا بشروط تعجيزية ومشددة "كشرط انعدام القرابة وكذا شرط التمتع بالأهلية المدنية للشاهد".
 
كما أنه لا يوجد مبرر شرعي يمنع العدل من تلقي شهادة أقاربه وأصهاره، وهو ما كان سائدا وجرى به العمل منذ بزوغ مهنة التوثيق العدلي بالمغرب ورغم توالي التعديلات التي طالت القانون المنظم للمهنة، فإن المشرع لم يحاول إلغاء هذا النوع من الشهادات، أضف إلى ذلك كون معظم الشهادات المنسوبة للشهود خاصة الاسترعائية "سواء العلمية أو اللفيفية" لا يمكن العلم بها في غالب الأحيان إلا إذا كانت هناك قرابة أو مصاهرة ومخالطة بين الشاهد والمشهود عليه، لهذا كانت شهادة الأقارب والأصهار والأزواج لبعضهم البعض جائزة، بل لولا جوازها لضاعت مجموعة من الحقوق كثبوت النسب وثبوت الزوجية واستحقاق الإرث وكثير من الحقوق التي لا يطلع عليها إلا الأقارب والأصهار. 
 
ختاما لا يفوتني أن أذكر أن شريعة الله جاءت موافقة للفطرة التي فطر الله سبحانه وتعالى عباده عليها، وما دام دستور المملكة المغربية ترجمة للأحكام الربانية وتقنين لأحكام الفقه الإسلامي خاصة الفقه المالكي التي هي صالحة لكل مكان وزمان، فإنه يتوجب التقييد بالمبادئ التي سطرها هذا الدستور وتنزيلها أحسن تنزيل في قانون مهنة التوثيق العدلي، لأنها أحكام تضمن حق المواطن وتساهم في استتباب الأمن التعاقدي، ولا يسعني في هذا المقام بعد عرضي لكل ما سلف إلا المناداة بسحب مشروع قانون 22.16 المتعلق بمهنة العدول من البرلمان من أجل إعادة صياغة مواده وملائمتها بأحكام الدستور وتجويدها. 

              
















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار