☰
2026 أكتوبر 15 - تم تعديله في [التاريخ]

ردًّا على من يروّج أن المغرب باع سبتة ومليلية لإسبانيا مقابل الاعتراف بمشروعية الحكم الذاتي

اتهام ثقيل يتردد، وتصريحات تُستدعى لتبريره، وأسئلة تمس السيادة والتاريخ. لكن بين ما يُقال وما تثبته الوثائق مسافة تستحق التوقف… فهل تصمد رواية «المقايضة» حين تُفتح المحاضر والمراسلات؟


◆ اتهامات بجلباب حقائق وبلا وثائق

الكاتب والصحفي بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
من محضر البرلمان الإسباني إلى المراسلات المغربية مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي… وثائق تكشف حقيقة التفاهمات وتضع رواية المقايضة أمام امتحان الدليل

هل باع المغرب سبتة ومليلية لإسبانيا؟ وهل تعهد الملك محمد السادس لرئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بعدم إثارة ملف المدينتين مستقبلًا، مقابل اعتراف مدريد بجدية ومصداقية مشروع الحكم الذاتي المغربي في الصحراء؟

أسئلة فرضتها تصريحات منسوبة إلى أحد الصحفيين المغاربة المقيمين خارج المملكة، يروّج فيها لرواية مفادها أن المغرب عقد صفقة سرية، دفع بموجبها ثمن التحول الإسباني في ملف الصحراء بالتخلي عن سبتة ومليلية.

إنها اتهامات ثقيلة، لا تمس قرارًا دبلوماسيًا عابرًا، بل تطال المؤسسة الملكية والسيادة الوطنية والتاريخ الترابي للمملكة. ولذلك لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد اختلاف في الرأي، ولا قبولها بوصفها حقيقة لمجرد أن صاحبها صحفي أو معارض أو مقيم خارج البلاد.

فالحق في انتقاد الدولة ومساءلة اختياراتها الدبلوماسية مكفول، لكنه لا يعفي صاحبه من واجب تقديم الأدلة، خصوصًا عندما ينتقل من تحليل المواقف إلى اتهام الدولة بالتفريط في أراضٍ تطالب بها.

ولأن الحقيقة لا تُصنع بالصراخ ولا تُستخرج من التخمين، فلنحتكم إلى الوثائق الإسبانية والمغربية، لا إلى النوايا المفترضة أو الحسابات الشخصية والسياسية.

◆ أولًا: أين وثيقة البيع وأين نص التنازل؟

في 7 أبريل 2022، استقبل الملك محمد السادس رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بالرباط، وأُعلن عقب المحادثات عن بيان مشترك تضمن ست عشرة نقطة، دشنت مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية.

نصت النقطة الأولى على اعتبار إسبانيا المبادرة المغربية للحكم الذاتي، المقدمة سنة 2007، الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية نزاع الصحراء.

وجاءت بقية النقاط متعلقة بالتشاور السياسي، وتنظيم عبور الأشخاص والبضائع، والتعاون الجمركي والهجرة، والنقل، والاقتصاد، وترسيم المجالات البحرية، ومختلف أوجه التعاون الثنائي.

لكن أين ورد أن المغرب تخلى عن سبتة ومليلية؟ وأين النص الذي يلزمه بعدم المطالبة بهما؟ وأين الاعتراف المغربي بالسيادة الإسبانية عليهما؟

لا وجود لأي بند من هذا النوع في الوثيقة المشتركة المنشورة رسميًا.

وهنا نصل إلى التمييز الأساسي بين ما تنص عليه الاتفاقيات فعلًا، وما يحاول البعض تحميلها إياه من معانٍ غير مكتوبة.

صحيح أن غياب بند من وثيقة علنية لا يكفي وحده لنفي احتمال وجود تفاهمات غير معلنة، لكنه قطعًا لا يجيز تحويل ذلك الاحتمال إلى حقيقة مؤكدة، ثم اتهام الدولة بالتنازل دون تقديم دليل.

فالادعاء يحتاج إلى إثبات، وليس مطلوبًا من المتهم أن يدحض صفقة لا يقدم من يتحدث عنها وثيقة واحدة تثبت وجودها.

◆ ثانيًا: ماذا قال سانشيز أمام البرلمان الإسباني فعلًا؟

في 8 يونيو 2022، مثل بيدرو سانشيز أمام مجلس النواب الإسباني لشرح المرحلة الجديدة من العلاقات مع المغرب.

وقد استُعملت أجزاء من خطابه لترويج فكرة أن الملك محمد السادس تعهد بعدم المطالبة مستقبلًا بسبتة ومليلية.

غير أن قراءة الخطاب الرسمي تكشف أمرًا مختلفًا.

فسانشيز قال إنه أكد أمام الملك محمد السادس أن السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية، وفق الموقف الإسباني، لا تقبل التشكيك.

انتبهوا جيدًا إلى الفارق!

سانشيز يقول إنه هو من أكد الموقف الإسباني أمام الملك المغربي، ولا يقول إن الملك وافقه عليه، أو اعترف بالسيادة الإسبانية، أو تعهد بإسقاط المطالبة بالمدينتين.

فهل أصبح مجرد استماع رئيس دولة إلى موقف رئيس حكومة أجنبية اعترافًا بذلك الموقف؟

وهل تتحول تصريحات مسؤول إسباني عن سيادة بلاده إلى التزام مغربي بمجرد أنه أدلى بها عقب لقاء ثنائي؟

ثم إن سانشيز تحدث عن التزام الطرفين بالاحترام المتبادل وتجنب التصريحات والممارسات التي قد تسيء إلى الطرف الآخر، موضحًا رفض إسبانيا وصف المدينتين بالمحتلتين.

هذه فقرة لا ينبغي إخفاؤها أو التقليل من أهميتها؛ فهي تدل على تفاهم سياسي بشأن تدبير الخلافات وتخفيف أسباب التوتر.

لكن ضبط الخطاب الدبلوماسي ليس تنازلًا عن السيادة، والامتناع المؤقت عن إثارة خلاف ليس معاهدة لتصفية ذلك الخلاف نهائيًا.

والأهم أن الوقائع اللاحقة تكشف حدود هذا التفاهم.

◆ ثالثًا: رسالة المغرب إلى الأمم المتحدة… أول اختبار لرواية المقايضة

في 9 شتنبر 2022، أي بعد خمسة أشهر فقط من لقاء الرباط، وجهت البعثة المغربية بجنيف مراسلة إلى مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، على خلفية أحداث الهجرة بمليلية.

ووفق ما كشفت عنه وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي» وصحيفة «إلباييس» يوم 13 أكتوبر 2022، تضمنت المراسلة المغربية توصيفًا صريحًا لمليلية باعتبارها ثغرًا محتلًا، كما رفضت اعتبار خط الفصل معها حدودًا برية دولية بالمعنى الإسباني.

وقد أثارت الرسالة ردود فعل داخل إسبانيا، وتحدث مسؤولون إسبان عن توضيحات مغربية لاحقة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا:

إذا كان المغرب قد باع مليلية في أبريل 2022، فلماذا وصفها في شتنبر من السنة نفسها بأنها محتلة، في مراسلة رسمية موجهة إلى جهاز أممي؟

هل يعقل أن تكون الدولة قد تعهدت بالتخلي عن مطالبتها، ثم تعود بعد أشهر قليلة إلى إثباتها في وثيقة دبلوماسية؟

إن هذه الواقعة لا تكشف كل ما قد يكون دار في المحادثات غير المعلنة، لكنها دليل ملموس على أن الموقف المغربي المعلن لم يتحول إلى اعتراف بالسيادة الإسبانية.

◆ رابعًا: احتجاج إسباني رسمي على تمسك المغرب بمغربية سبتة ومليلية!

إذا لم تكن واقعة سنة 2022 كافية لإقناع أصحاب رواية البيع، فلننتقل إلى ماي ويونيو 2023.

فقد وجه المغرب مراسلة احتجاجية إلى الاتحاد الأوروبي، ردًا على تصريحات نائب رئيس المفوضية الأوروبية مارغاريتيس شيناس، الذي كان يؤكد الطابع الإسباني والأوروبي لسبتة ومليلية.

والمثير في الرسالة المغربية أنها وصفت المدينتين صراحة بأنهما «المدينتان المغربيتان سبتة ومليلية».

ولم تمر العبارة دون رد.

ففي 31 ماي 2023، احتجت الحكومة الإسبانية رسميًا لدى المغرب بواسطة مذكرة دبلوماسية، رافضة استعمال هذا الوصف.

وفي فاتح يونيو 2023، دافع الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، مصطفى بايتاس، عن المراسلة المغربية، معتبرًا أنها جاءت ردًا ضروريًا على تصريحات المسؤول الأوروبي، مع تأكيد استمرار الثقة والتنسيق بين البلدين.

هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:

إذا كان المغرب قد تنازل رسميًا عن المدينتين سنة 2022، فلماذا احتجت إسبانيا على مطالبة مغربية بهما سنة 2023؟

ولماذا اضطرت الحكومة الإسبانية إلى إصدار احتجاج دبلوماسي لو كان لديها أصلًا تعهد مغربي نهائي بالتخلي عنهما؟

أليست هذه الواقعة دليلًا على استمرار الخلاف حول السيادة، رغم تطور العلاقات الثنائية؟

إننا هنا لا نتحدث عن تصريحات ناشطين أو منشورات في مواقع التواصل الاجتماعي، بل عن مراسلات بين جهات رسمية، وردود دبلوماسية موثقة في الصحافة الإسبانية نفسها.

◆ خامسًا: الحكم الذاتي ليس بضاعة اشترتها إسبانيا بسبتة ومليلية!

ينبغي أيضًا تصحيح مغالطة أخرى تقوم عليها رواية المقايضة.

فالمبادرة المغربية للحكم الذاتي لم تولد سنة 2022، ولم تكن مشروعًا ينتظر أن تمنحه إسبانيا شرعيته.

لقد قدمها المغرب إلى الأمم المتحدة سنة 2007، أي قبل الموقف الإسباني بخمس عشرة سنة، ضمن مسار سياسي ودبلوماسي طويل.

إن أهمية التحول الإسباني تكمن في انتقال مدريد إلى اعتبار المبادرة المغربية الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل النزاع.

وهذا مكسب دبلوماسي لا يجوز التقليل من أهميته، بالنظر إلى موقع إسبانيا التاريخي والسياسي في هذا الملف.

لكن ينبغي كذلك احترام دقة الألفاظ: فدعم مقترح الحكم الذاتي سنة 2022 لم يكن اعترافًا إسبانيًا صريحًا ونهائيًا بالسيادة المغربية على الصحراء.

وقد تطور الخطاب المشترك لاحقًا، إذ أكد البيان المغربي الإسباني الصادر في 4 دجنبر 2025 استمرار الموقف الإسباني، ورحب بقرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي أبرز إمكانية التوصل إلى حل قائم على حكم ذاتي حقيقي تحت السيادة المغربية.

فلماذا نختزل هذا المسار الدبلوماسي، الممتد لسنوات، في صفقة مزعومة لم يقدم أحد دليلًا موثقًا عليها؟

ولماذا نفترض أن دعم إسبانيا للمبادرة المغربية لا يمكن تفسيره بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية المشتركة، وأنه لا بد أن يكون مدفوع الثمن بالتخلي عن مدينتين؟

السياسة الخارجية تقوم على المصالح والتفاوض والتفاهمات المتبادلة، لكن ليس كل تفاهم مقايضة على السيادة، وليس كل تقارب دبلوماسي دليلًا على التنازل الترابي.

◆ سادسًا: صمت المغرب أمام بعض التحركات الإسبانية ليس تنازلًا

تجد هذه الرواية اليوم ما يغذيها في الزيارات والتحركات السياسية الإسبانية بسبتة ومليلية، ومنها زيارة الملك فيليبي السادس يومي 13 و14 أكتوبر 2026.

وقد يطرح البعض سؤالًا مشروعًا: لماذا لا يرد المغرب على كل زيارة أو تصريح إسباني بالحدة نفسها التي كان يعتمدها في مراحل سابقة؟

إنه سؤال يستحق النقاش، بل والمساءلة السياسية والدبلوماسية.

لكن تحويل غياب الاحتجاج العلني إلى دليل على بيع المدينتين قفزة استنتاجية لا تسندها الوثائق.

فالدول لا تدير خلافاتها التاريخية دائمًا بالوتيرة نفسها. وقد تختار في مرحلة معينة التهدئة، أو إعطاء الأولوية لملفات أخرى، أو تجنب التصعيد، دون أن يعني ذلك بالضرورة إسقاط مطالبها.

وهذا لا يمنعنا من مطالبة الدبلوماسية المغربية بمزيد من الوضوح بشأن مستقبل ملف سبتة ومليلية والجزر والمواقع الخاضعة للإدارة الإسبانية.

بل إن قوة الموقف الوطني تقتضي الجمع بين الدفاع عن الحق التاريخي، والواقعية السياسية، والعمل الدبلوماسي المسؤول.

فالتهدئة ليست اعترافًا، والتفاوض ليس استسلامًا، وحسن الجوار لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إلغاءً للخلافات التاريخية.

◆ سابعًا: الصحافة لا تعارض الدولة باختراع وثائق غير موجودة!

ليس المطلوب من الصحفي أن يساند كل قرارات الدولة، ولا أن يصفق لكل تحرك دبلوماسي، ولا أن يصمت عن القضايا الحساسة.

بالعكس، من حقه أن يسأل الحكومة عن حقيقة التفاهمات، وأن يناقش حدود المكاسب والتنازلات، وأن يطالب بكشف كل ما تسمح به الأعراف الدبلوماسية من معلومات.

لكن ثمة مسافة شاسعة بين أن يقول صحفي: «أخشى أن تكون هناك تفاهمات تحد من إثارة ملف سبتة ومليلية»، وأن يجزم بأن «المغرب باع المدينتين مقابل الحكم الذاتي».

الأولى فرضية سياسية قابلة للنقاش والبحث.

أما الثانية فاتهام محدد يحتاج إلى أدلة محددة.

ولا تصبح الرواية أكثر صدقية لأن صاحبها يعيش خارج المغرب، مثلما لا تصبح باطلة لمجرد أنه معارض لسياسات الدولة.

المعيار الوحيد هنا هو الوثيقة والحجة والمنطق.

ومن يتهم المغرب بالتفريط في أراضٍ يطالب بها، عليه أن يضع أمام المغاربة محضرًا أو التزامًا مكتوبًا أو تصريحًا صريحًا لا يحتمل التأويل.

أما اقتطاع أجزاء من خطاب رئيس الحكومة الإسبانية، أو اعتبار موقف إسباني أحادي تعهدًا مغربيًا، فلا يكفي لإثبات صفقة بهذا الحجم.

◆ أخيرًا: أعطونا وثيقة التنازل… أو توقفوا عن تسويق الاتهام باعتباره حقيقة!

إن سبتة ومليلية ليستا مجرد موضوعين في سجال إعلامي عابر، بل قضيتان تاريخيتان حاضرتان في الوعي الوطني المغربي، مع وجود خلاف قائم بشأن السيادة عليهما بين الرباط ومدريد.

ومن حق المغاربة مطالبة دولتهم بتوضيح رؤيتها لمعالجة هذا الملف، والدفاع عن مصالح المملكة بالوسائل السلمية والقانونية والدبلوماسية.

ومن حقهم كذلك مساءلة نتائج التقارب المغربي الإسباني، وتقييم ما حققه وما لم يحققه.

لكن ليس من حق أي طرف أن يقدم اتهامًا بالتنازل باعتباره حقيقة ثابتة، ثم يعجز عن الاستدلال عليه بوثيقة واحدة.

البيان المشترك لسنة 2022 لا يتضمن بيعًا ولا تنازلًا.

ومحضر البرلمان الإسباني لا يتضمن إقرارًا ملكيًا بالسيادة الإسبانية.

والمراسلة المغربية إلى الأمم المتحدة سنة 2022 تؤكد استمرار وصف مليلية بالمحتلة.

والاحتجاج الإسباني سنة 2023 على وصف المغرب لسبتة ومليلية بالمدينتين المغربيتين يبرهن على أن الخلاف حول السيادة بقي حاضرًا بعد الاتفاق.

هذه وقائع موثقة، وليست شعارات.

أما وجود تفاهمات غير معلنة، فلا يمكن الجزم بنفيه أو إثباته دون دليل. ولكن لا يجوز استغلال هذا الاحتمال لتسويق اتهام قطعي بالبيع والتفريط.

لا نحتاج إلى تقديس الدبلوماسية المغربية للدفاع عنها عندما تسندها الوثائق، ولا إلى اتهامها بالخيانة كلما فتحت باب الحوار مع إسبانيا.

نحتاج إلى صحافة تسأل وتحقق وتدقق، وإلى نقاش وطني يميز بين المطالبة التاريخية، والموقف الرسمي، والمصالح الاستراتيجية، والتنازلات المثبتة.

ولمن يصر على أن المغرب باع سبتة ومليلية، نعيد السؤال:

أين وثيقة البيع؟ وأين وثيقة التنازل؟ وأين الدليل على أن الملك محمد السادس التزم بإسقاط المطالبة بالمدينتين؟

إلى أن تظهر أدلة قابلة للتحقق، ستبقى رواية المقايضة ادعاءً غير مثبت، مهما تكرر تداوله.

فالسيادة لا تُسقطها التأويلات، والتاريخ لا تمحوه التصريحات، والحقيقة لا تصنعها الاتهامات.

رواية «المقايضة» بين ضجيج التداول وامتحان الدليل



في نفس الركن