*بقلم: عبد الفتاح الصادقي*
وجّه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، خطابًا ساميًا إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة.
وانطلاقًا من تحليل مضمون هذا الخطاب، يمكن التمييز بين مستويين متكاملين من الرسائل: رسائل خارجية تروم تثبيت مكانة المغرب كشريك دولي مستقل وموثوق، وأخرى داخلية تستهدف تسريع الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، وربط الثقة الوطنية بالمسؤولية والنتائج الملموسة.
ويبرز هذا التمييز بوضوح في تناول الخطاب للشراكة مع إسبانيا والتعاون في مجال الهجرة، من جهة، وللعدالة المجالية وتشغيل الشباب وتفعيل اللاتمركز الإداري ومسؤولية البرلمانيين، من جهة أخرى.
ولا شك أن الرسائل الخارجية في الخطاب الملكي السامي تكتسب أهمية استراتيجية، لأنها تؤكد تمسك المغرب بسيادته ورفضه الابتزاز، وتدعو إلى تجديد الشراكات الدولية، خاصة في ملف الهجرة، على أساس المصالح المتبادلة. كما تعزز صورة المملكة شريكًا موثوقًا وقوة اقتصادية صاعدة في بيئة دولية متغيرة. وتتوزع هذه الرسائل على ما يلي:
◊ الرسالة الأولى: تأكيد استقلالية القرار الوطني ورفض منطق الضغط والابتزاز
تُعد هذه الرسالة من أبرز الرسائل الدبلوماسية في الخطاب، خصوصًا في المقطع المتعلق بالشراكة مع إسبانيا والهجرة. فحين يؤكد الملك أن الشراكة «اختيار سيادي، والتزام إرادي»، وأنها لن تكون محل ضغط أو تهديد أو ابتزاز، فإن الخطاب يضع مبدأً واضحًا لتدبير العلاقات الدولية: المغرب منفتح على التعاون، لكنه يرفض أن يتحول التعاون إلى وسيلة للتأثير في قراره السيادي أو فرض شروط عليه.
وتستهدف هذه الرسالة، في المقام الأول، الجهات الخارجية التي قد تسعى إلى توظيف ملفات مشتركة، مثل الهجرة، في حساباتها السياسية الداخلية. وهي، في الوقت ذاته، رسالة موجهة إلى الشركاء بأن متانة العلاقات لا تُقاس فقط بحجم المصالح المتبادلة، بل أيضًا بمدى احترام السيادة والالتزامات المتبادلة.
◊ الرسالة الثانية: الدعوة إلى إعادة بناء نموذج التعاون في مجال الهجرة
لا يكتفي الخطاب بالدفاع عن المقاربة المغربية في تدبير الهجرة، بل يقر بأن النموذج الحالي للتعاون أصبح متجاوزًا، وأن تكرار الأزمات دليل على الحاجة إلى مراجعته. وهذا يحمل رسالة تتجاوز التراشق السياسي الظرفي، مفادها أن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تستمر وفق ترتيبات قديمة لم تعد تستجيب للتحولات القانونية والأمنية والإنسانية.
وفي هذا السياق، ينتقد الخطاب بعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية الإسبانية التي يرى أنها تعرقل معالجة بعض الحالات، ولا سيما ترحيل القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء. والمغزى السياسي هنا هو الدعوة إلى تعاون أكثر فعالية ووضوحًا، يأخذ بعين الاعتبار مسؤوليات كل طرف، ويحارب شبكات الاتجار بالبشر، دون أن يتحول ملف الهجرة إلى أداة للمساومة.
◊ الرسالة الثالثة: الانتقال من التعاون الظرفي إلى شراكة استراتيجية متجددة
يشير الإعلان عن إعداد وثيقة استراتيجية مغربية لتقديمها إلى الشركاء إلى رغبة في تجاوز التدبير اليومي للأزمات نحو صياغة رؤية طويلة المدى. وتقوم هذه الرؤية، كما يعرضها الخطاب، على ثلاثة محاور مترابطة: التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي.
وهذا يعني أن المغرب يريد توسيع مفهوم الشراكة الدولية، بحيث لا يقتصر على التعاون الأمني أو تدبير الهجرة، بل يشمل أيضًا الاستثمار والإنتاج والتبادل الاقتصادي وبناء المصالح المتبادلة. كما يعكس سعيًا إلى الانتقال من موقع البلد الذي يُطلب منه تدبير تداعيات مشكلات إقليمية إلى موقع الشريك الذي يشارك في تحديد قواعد التعاون وأولوياته.
◊ الرسالة الرابعة: تقديم المغرب بوصفه قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة
يربط الخطاب بين المكاسب السياسية والدبلوماسية التي حققها المغرب وبين طموحه إلى تعزيز مكانته الاقتصادية. كما أن الحديث عن الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، يحمل رسالة إلى الشركاء والمستثمرين بأن المملكة تسعى إلى تقوية قدرتها الإنتاجية والتكنولوجية، وتقليص هشاشتها أمام الاضطرابات الدولية.
وتنبع أهمية هذه الرسالة من كون القوة الاقتصادية لم تعد تُقاس فقط بمعدلات النمو، بل كذلك بقدرة الدولة على تأمين حاجاتها الأساسية، وضمان استمرارية سلاسل التوريد، وتطوير صناعاتها، وتكوين الكفاءات. وبذلك، يربط الخطاب جاذبية المغرب الاستثمارية بقدرته على بناء اقتصاد أكثر مرونة واستقلالية.
وبشكل عام، يمكن القول إن الرسائل ذات البعد الخارجي في الخطاب الملكي تعكس توجهًا مغربيًا قائمًا على صيانة السيادة، ورفض الضغوط، وتجديد الشراكات على أساس المصالح المتبادلة. كما تؤكد طموح المملكة إلى تعزيز مكانتها كشريك موثوق وقوة اقتصادية صاعدة، تسهم في استقرار محيطها الإقليمي والدولي.
ومن الواضح أن الرسائل ذات البعد الداخلي في الخطاب الملكي السامي تشكل خارطة طريق بالنسبة للمؤسسة التشريعية وللفريق الحكومي المقبل على حد سواء.
وهي تركز على تحويل الاعتزاز الوطني إلى مسؤولية عملية، وتسريع الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق العدالة المجالية، وتمكين الشباب، وتفعيل الجهوية واللاتمركز الإداري، وتعزيز دور القطاع الخاص، وربط المسؤولية المؤسساتية بخدمة المواطنين والوفاء بالالتزامات. وتتوزع هذه الرسائل على ما يلي:
◊ الرسالة الأولى: تحويل الاعتزاز الوطني إلى مسؤولية جماعية
تركز هذه الرسالة على استحضار الاعتزاز بالهوية المغربية، وبالمؤسسة الملكية، وبالهوية الدينية والحضارية ذات المكونات المتعددة. غير أن هذه الإشارات لا تُطرح لمجرد الاحتفاء بالماضي أو تعداد الإنجازات، بل يجري ربطها بمبدأ أساسي: الاعتزاز بالوطن ينبغي أن يتحول إلى مسؤولية ومواطنة فعالة.
وتتمثل هذه الرسالة في تثمين ما تحقق من مكاسب سياسية وتنموية ودبلوماسية، ولكن لا ينبغي أن يؤدي ذلك إلى الاكتفاء بما أُنجز، بل يجب أن يشكل حافزًا لمواصلة الإصلاح والعمل. فالثقة في إمكانات المغرب تقترن، وفق منطق الخطاب الملكي، بواجب الإسهام في تطويره وتحسين ظروف عيش مواطنيه.
◊ الرسالة الثانية: جعل العدالة الاجتماعية والمجالية معيارًا للمرحلة المقبلة
من أبرز الرسائل الداخلية دعوة جلالة الملك إلى تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية. ويعني ذلك أن الطموح إلى جعل المغرب قوة اقتصادية صاعدة لا ينبغي أن يُقاس بحجم الاستثمارات والمشاريع الكبرى فقط، بل أيضًا بمدى انعكاسها على حياة المواطنين وتقليص الفوارق بين الجهات والأقاليم.
ولهذا يمنح الخطاب أهمية للعمل الميداني، والوقوف عند المشاكل الحقيقية لكل منطقة، وإيجاد حلول واقعية لها. فالسياسات العمومية، وفق هذا التوجه، مطالبة بالانتقال من المؤشرات العامة إلى معالجة الحاجات الفعلية للسكان، مع مراعاة الاختلافات المجالية في الولوج إلى الخدمات وفرص التنمية.
وتكمن أهمية هذه الرسالة في أنها تجعل العدالة المجالية جزءًا من شرعية الاختيار التنموي نفسه، لا مجرد نتيجة ثانوية للنمو الاقتصادي.
◊ الرسالة الثالثة: تحميل المؤسسات الحكومية مسؤولية تجاوز التأخر في الإصلاح
وتتمثل الرسالة الثالثة في تحميل المؤسسات الحكومية مسؤولية تجاوز التأخر في الإصلاح، حيث يوجه الخطاب الملكي رسالة واضحة إلى الإدارة والحكومة والمؤسسات الترابية، تؤكد ضرورة تسريع تنفيذ الإصلاحات، من خلال التشديد على تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري، ونقل الاختصاصات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الجهات والأقاليم.
ويظهر أن الدعوة إلى اللامركزية، باعتبارها مبدأً تنظيميًا، رهينة بإزالة العراقيل التي تحول دون ممارستها الفعلية. ويعني ذلك ضرورة توضيح الاختصاصات، وتقوية الموارد، وتنظيم العلاقة بين الدولة والجهات من خلال آليات التنسيق والتعاقد.
ويتضح أن الرسالة مزدوجة: فهي، أولًا، تؤكد أن التنمية الترابية لا يمكن تحقيقها من خلال قرارات مركزية وحدها؛ وهي، ثانيًا، تبرز أن نقل المسؤوليات إلى الجهات ينبغي أن يقترن بنقل الوسائل اللازمة لممارستها.
◊ الرسالة الرابعة: وضع الشباب في صلب السياسات العمومية
ويمنح الخطاب الملكي الشباب مكانة مركزية، من خلال الدعوة إلى تصور متكامل يشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص. وهذه الرسالة مهمة لأنها تربط مستقبل الشباب ليس فقط بالحصول على الشهادات، بل أيضًا بإمكانية تحويل الكفاءات إلى فرص فعلية للاندماج المهني والترقي الاجتماعي.
كما أن التشديد على استعادة ثقة الشباب في المؤسسات الوطنية يعكس إدراكًا بأن التنمية لا تتحقق بالبرامج الاقتصادية وحدها، بل تتطلب أيضًا شعورًا بأن المؤسسات تستجيب لانتظارات المواطنين، وأن الجهد الشخصي يمكن أن يؤدي إلى تحسين شروط الحياة.
وهكذا، يربط الخطاب بين الاستثمار في رأس المال البشري، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز الاستقرار والثقة في المستقبل.
◊ الرسالة الخامسة: إعادة تحديد دور القطاع الخاص في التنمية
وتتمثل هذه الرسالة في دعوة القطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء إلى مستوى الفاعل الاستراتيجي، وأن يكون أكثر ابتكارًا ومبادرة وقدرة على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير. وتتجاوز هذه الدعوة مطالبة المقاولات بالمساهمة في النمو الاقتصادي؛ فهي تعني أن القطاع الخاص مدعو إلى تحمل دور أكبر في التحول الإنتاجي للمغرب، ولا سيما في سياق التحولات الجيو-اقتصادية والتكنولوجية.
غير أن الرسالة تطرح، في الوقت نفسه، تحديًا عمليًا: كيف يمكن تحويل هذه الدعوة إلى فرص شغل مستقرة، واستثمارات منتجة، وتوزيع أوسع لثمار النمو؟
ويبدو أن نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطًا بمدى قدرة السياسات العمومية على توفير بيئة ملائمة للاستثمار، وتحسين التكوين، وتجاوز العراقيل الإدارية، وضمان أن تكون التنمية الاقتصادية ذات أثر اجتماعي ملموس.
◊ الرسالة السادسة: تذكير البرلمانيين بأن الانتداب مسؤولية وليس امتيازًا
يختتم جلالة الملك خطابه برسالة مباشرة إلى أعضاء البرلمان، إذ يصف الانتداب البرلماني بأنه التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربط المنتخبين بالمواطنين، ويطالبهم بأن يكونوا في مستوى المسؤولية أمام الله والمواطنين والتاريخ.
وهذه الخاتمة تضع التمثيل الديمقراطي في إطار يتجاوز الفوز بالانتخابات والحصول على المقاعد. فالانتخاب يمنح التفويض، لكنه ينشئ أيضًا واجبات تتعلق بتمثيل المواطنين، والتفاعل مع انشغالاتهم، والعمل التشريعي والرقابي، والمساهمة في تقييم السياسات العمومية.
وبذلك، يمكن قراءة هذه الرسالة باعتبارها دعوة إلى الانتقال من شرعية انتخابية مرتبطة بصندوق الاقتراع إلى شرعية عملية تتعزز بمدى الوفاء بالالتزامات وتحقيق النتائج.
ويظهر من خلال القراءة المتفحصة لنص الخطاب الملكي أن هناك خيطًا ناظمًا يربط بين الرسائل الخارجية والداخلية، وهو السعي إلى تعزيز قدرة المغرب على اتخاذ القرار وتحقيق أهدافه.
فعلى المستوى الخارجي، يؤكد الخطاب أن التعاون ينبغي أن يقوم على السيادة والالتزام المتبادل؛ وعلى المستوى الداخلي، يشدد على أن التنمية تتطلب مؤسسات أكثر فعالية، وإدارة أقرب إلى المواطن، واستثمارًا منتجًا، وعدالة مجالية، وفرصًا أوسع للشباب.
وتفرض هذه القراءة التمييز بين الإعلان عن التوجهات وتحقيقها على أرض الواقع. فتفعيل اللاتمركز يحتاج إلى نقل فعلي للاختصاصات والموارد، وإعطاء الأولوية للشباب يحتاج إلى فرص تعليم وتأهيل وشغل قابلة للقياس، كما أن تعزيز العدالة المجالية يستلزم تقليص الفوارق في الخدمات والاستثمارات بين المناطق.
وبالمثل، فإن الشراكة الدولية المتوازنة تحتاج إلى آليات عملية تضمن احترام الالتزامات وتحقيق المصالح المشتركة.
وبشكل عام، يمكن القول إن الرسالة الخارجية الأبرز هي أن المغرب يريد التعاون من موقع السيادة والشراكة المتكافئة، لا من موقع الخضوع للضغط. أما الرسالة الداخلية الأبرز، فهي أن المرحلة التشريعية والحكومية الجديدة مطالبة بتحويل الطموح الوطني إلى نتائج ملموسة، عبر تسريع الإصلاحات، وتحسين الحكامة، وتقوية العدالة الاجتماعية والمجالية، والاستجابة الفعلية لتطلعات المواطنين.
وبذلك، يربط الخطاب بين مكانة المغرب في الخارج وقدرته على إنجاح مشروعه التنموي في الداخل.
وجّه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، خطابًا ساميًا إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة.
وانطلاقًا من تحليل مضمون هذا الخطاب، يمكن التمييز بين مستويين متكاملين من الرسائل: رسائل خارجية تروم تثبيت مكانة المغرب كشريك دولي مستقل وموثوق، وأخرى داخلية تستهدف تسريع الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، وربط الثقة الوطنية بالمسؤولية والنتائج الملموسة.
ويبرز هذا التمييز بوضوح في تناول الخطاب للشراكة مع إسبانيا والتعاون في مجال الهجرة، من جهة، وللعدالة المجالية وتشغيل الشباب وتفعيل اللاتمركز الإداري ومسؤولية البرلمانيين، من جهة أخرى.
ولا شك أن الرسائل الخارجية في الخطاب الملكي السامي تكتسب أهمية استراتيجية، لأنها تؤكد تمسك المغرب بسيادته ورفضه الابتزاز، وتدعو إلى تجديد الشراكات الدولية، خاصة في ملف الهجرة، على أساس المصالح المتبادلة. كما تعزز صورة المملكة شريكًا موثوقًا وقوة اقتصادية صاعدة في بيئة دولية متغيرة. وتتوزع هذه الرسائل على ما يلي:
◊ الرسالة الأولى: تأكيد استقلالية القرار الوطني ورفض منطق الضغط والابتزاز
تُعد هذه الرسالة من أبرز الرسائل الدبلوماسية في الخطاب، خصوصًا في المقطع المتعلق بالشراكة مع إسبانيا والهجرة. فحين يؤكد الملك أن الشراكة «اختيار سيادي، والتزام إرادي»، وأنها لن تكون محل ضغط أو تهديد أو ابتزاز، فإن الخطاب يضع مبدأً واضحًا لتدبير العلاقات الدولية: المغرب منفتح على التعاون، لكنه يرفض أن يتحول التعاون إلى وسيلة للتأثير في قراره السيادي أو فرض شروط عليه.
وتستهدف هذه الرسالة، في المقام الأول، الجهات الخارجية التي قد تسعى إلى توظيف ملفات مشتركة، مثل الهجرة، في حساباتها السياسية الداخلية. وهي، في الوقت ذاته، رسالة موجهة إلى الشركاء بأن متانة العلاقات لا تُقاس فقط بحجم المصالح المتبادلة، بل أيضًا بمدى احترام السيادة والالتزامات المتبادلة.
◊ الرسالة الثانية: الدعوة إلى إعادة بناء نموذج التعاون في مجال الهجرة
لا يكتفي الخطاب بالدفاع عن المقاربة المغربية في تدبير الهجرة، بل يقر بأن النموذج الحالي للتعاون أصبح متجاوزًا، وأن تكرار الأزمات دليل على الحاجة إلى مراجعته. وهذا يحمل رسالة تتجاوز التراشق السياسي الظرفي، مفادها أن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تستمر وفق ترتيبات قديمة لم تعد تستجيب للتحولات القانونية والأمنية والإنسانية.
وفي هذا السياق، ينتقد الخطاب بعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية الإسبانية التي يرى أنها تعرقل معالجة بعض الحالات، ولا سيما ترحيل القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء. والمغزى السياسي هنا هو الدعوة إلى تعاون أكثر فعالية ووضوحًا، يأخذ بعين الاعتبار مسؤوليات كل طرف، ويحارب شبكات الاتجار بالبشر، دون أن يتحول ملف الهجرة إلى أداة للمساومة.
◊ الرسالة الثالثة: الانتقال من التعاون الظرفي إلى شراكة استراتيجية متجددة
يشير الإعلان عن إعداد وثيقة استراتيجية مغربية لتقديمها إلى الشركاء إلى رغبة في تجاوز التدبير اليومي للأزمات نحو صياغة رؤية طويلة المدى. وتقوم هذه الرؤية، كما يعرضها الخطاب، على ثلاثة محاور مترابطة: التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي.
وهذا يعني أن المغرب يريد توسيع مفهوم الشراكة الدولية، بحيث لا يقتصر على التعاون الأمني أو تدبير الهجرة، بل يشمل أيضًا الاستثمار والإنتاج والتبادل الاقتصادي وبناء المصالح المتبادلة. كما يعكس سعيًا إلى الانتقال من موقع البلد الذي يُطلب منه تدبير تداعيات مشكلات إقليمية إلى موقع الشريك الذي يشارك في تحديد قواعد التعاون وأولوياته.
◊ الرسالة الرابعة: تقديم المغرب بوصفه قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة
يربط الخطاب بين المكاسب السياسية والدبلوماسية التي حققها المغرب وبين طموحه إلى تعزيز مكانته الاقتصادية. كما أن الحديث عن الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، يحمل رسالة إلى الشركاء والمستثمرين بأن المملكة تسعى إلى تقوية قدرتها الإنتاجية والتكنولوجية، وتقليص هشاشتها أمام الاضطرابات الدولية.
وتنبع أهمية هذه الرسالة من كون القوة الاقتصادية لم تعد تُقاس فقط بمعدلات النمو، بل كذلك بقدرة الدولة على تأمين حاجاتها الأساسية، وضمان استمرارية سلاسل التوريد، وتطوير صناعاتها، وتكوين الكفاءات. وبذلك، يربط الخطاب جاذبية المغرب الاستثمارية بقدرته على بناء اقتصاد أكثر مرونة واستقلالية.
وبشكل عام، يمكن القول إن الرسائل ذات البعد الخارجي في الخطاب الملكي تعكس توجهًا مغربيًا قائمًا على صيانة السيادة، ورفض الضغوط، وتجديد الشراكات على أساس المصالح المتبادلة. كما تؤكد طموح المملكة إلى تعزيز مكانتها كشريك موثوق وقوة اقتصادية صاعدة، تسهم في استقرار محيطها الإقليمي والدولي.
ومن الواضح أن الرسائل ذات البعد الداخلي في الخطاب الملكي السامي تشكل خارطة طريق بالنسبة للمؤسسة التشريعية وللفريق الحكومي المقبل على حد سواء.
وهي تركز على تحويل الاعتزاز الوطني إلى مسؤولية عملية، وتسريع الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق العدالة المجالية، وتمكين الشباب، وتفعيل الجهوية واللاتمركز الإداري، وتعزيز دور القطاع الخاص، وربط المسؤولية المؤسساتية بخدمة المواطنين والوفاء بالالتزامات. وتتوزع هذه الرسائل على ما يلي:
◊ الرسالة الأولى: تحويل الاعتزاز الوطني إلى مسؤولية جماعية
تركز هذه الرسالة على استحضار الاعتزاز بالهوية المغربية، وبالمؤسسة الملكية، وبالهوية الدينية والحضارية ذات المكونات المتعددة. غير أن هذه الإشارات لا تُطرح لمجرد الاحتفاء بالماضي أو تعداد الإنجازات، بل يجري ربطها بمبدأ أساسي: الاعتزاز بالوطن ينبغي أن يتحول إلى مسؤولية ومواطنة فعالة.
وتتمثل هذه الرسالة في تثمين ما تحقق من مكاسب سياسية وتنموية ودبلوماسية، ولكن لا ينبغي أن يؤدي ذلك إلى الاكتفاء بما أُنجز، بل يجب أن يشكل حافزًا لمواصلة الإصلاح والعمل. فالثقة في إمكانات المغرب تقترن، وفق منطق الخطاب الملكي، بواجب الإسهام في تطويره وتحسين ظروف عيش مواطنيه.
◊ الرسالة الثانية: جعل العدالة الاجتماعية والمجالية معيارًا للمرحلة المقبلة
من أبرز الرسائل الداخلية دعوة جلالة الملك إلى تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية. ويعني ذلك أن الطموح إلى جعل المغرب قوة اقتصادية صاعدة لا ينبغي أن يُقاس بحجم الاستثمارات والمشاريع الكبرى فقط، بل أيضًا بمدى انعكاسها على حياة المواطنين وتقليص الفوارق بين الجهات والأقاليم.
ولهذا يمنح الخطاب أهمية للعمل الميداني، والوقوف عند المشاكل الحقيقية لكل منطقة، وإيجاد حلول واقعية لها. فالسياسات العمومية، وفق هذا التوجه، مطالبة بالانتقال من المؤشرات العامة إلى معالجة الحاجات الفعلية للسكان، مع مراعاة الاختلافات المجالية في الولوج إلى الخدمات وفرص التنمية.
وتكمن أهمية هذه الرسالة في أنها تجعل العدالة المجالية جزءًا من شرعية الاختيار التنموي نفسه، لا مجرد نتيجة ثانوية للنمو الاقتصادي.
◊ الرسالة الثالثة: تحميل المؤسسات الحكومية مسؤولية تجاوز التأخر في الإصلاح
وتتمثل الرسالة الثالثة في تحميل المؤسسات الحكومية مسؤولية تجاوز التأخر في الإصلاح، حيث يوجه الخطاب الملكي رسالة واضحة إلى الإدارة والحكومة والمؤسسات الترابية، تؤكد ضرورة تسريع تنفيذ الإصلاحات، من خلال التشديد على تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري، ونقل الاختصاصات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الجهات والأقاليم.
ويظهر أن الدعوة إلى اللامركزية، باعتبارها مبدأً تنظيميًا، رهينة بإزالة العراقيل التي تحول دون ممارستها الفعلية. ويعني ذلك ضرورة توضيح الاختصاصات، وتقوية الموارد، وتنظيم العلاقة بين الدولة والجهات من خلال آليات التنسيق والتعاقد.
ويتضح أن الرسالة مزدوجة: فهي، أولًا، تؤكد أن التنمية الترابية لا يمكن تحقيقها من خلال قرارات مركزية وحدها؛ وهي، ثانيًا، تبرز أن نقل المسؤوليات إلى الجهات ينبغي أن يقترن بنقل الوسائل اللازمة لممارستها.
◊ الرسالة الرابعة: وضع الشباب في صلب السياسات العمومية
ويمنح الخطاب الملكي الشباب مكانة مركزية، من خلال الدعوة إلى تصور متكامل يشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص. وهذه الرسالة مهمة لأنها تربط مستقبل الشباب ليس فقط بالحصول على الشهادات، بل أيضًا بإمكانية تحويل الكفاءات إلى فرص فعلية للاندماج المهني والترقي الاجتماعي.
كما أن التشديد على استعادة ثقة الشباب في المؤسسات الوطنية يعكس إدراكًا بأن التنمية لا تتحقق بالبرامج الاقتصادية وحدها، بل تتطلب أيضًا شعورًا بأن المؤسسات تستجيب لانتظارات المواطنين، وأن الجهد الشخصي يمكن أن يؤدي إلى تحسين شروط الحياة.
وهكذا، يربط الخطاب بين الاستثمار في رأس المال البشري، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز الاستقرار والثقة في المستقبل.
◊ الرسالة الخامسة: إعادة تحديد دور القطاع الخاص في التنمية
وتتمثل هذه الرسالة في دعوة القطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء إلى مستوى الفاعل الاستراتيجي، وأن يكون أكثر ابتكارًا ومبادرة وقدرة على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير. وتتجاوز هذه الدعوة مطالبة المقاولات بالمساهمة في النمو الاقتصادي؛ فهي تعني أن القطاع الخاص مدعو إلى تحمل دور أكبر في التحول الإنتاجي للمغرب، ولا سيما في سياق التحولات الجيو-اقتصادية والتكنولوجية.
غير أن الرسالة تطرح، في الوقت نفسه، تحديًا عمليًا: كيف يمكن تحويل هذه الدعوة إلى فرص شغل مستقرة، واستثمارات منتجة، وتوزيع أوسع لثمار النمو؟
ويبدو أن نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطًا بمدى قدرة السياسات العمومية على توفير بيئة ملائمة للاستثمار، وتحسين التكوين، وتجاوز العراقيل الإدارية، وضمان أن تكون التنمية الاقتصادية ذات أثر اجتماعي ملموس.
◊ الرسالة السادسة: تذكير البرلمانيين بأن الانتداب مسؤولية وليس امتيازًا
يختتم جلالة الملك خطابه برسالة مباشرة إلى أعضاء البرلمان، إذ يصف الانتداب البرلماني بأنه التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربط المنتخبين بالمواطنين، ويطالبهم بأن يكونوا في مستوى المسؤولية أمام الله والمواطنين والتاريخ.
وهذه الخاتمة تضع التمثيل الديمقراطي في إطار يتجاوز الفوز بالانتخابات والحصول على المقاعد. فالانتخاب يمنح التفويض، لكنه ينشئ أيضًا واجبات تتعلق بتمثيل المواطنين، والتفاعل مع انشغالاتهم، والعمل التشريعي والرقابي، والمساهمة في تقييم السياسات العمومية.
وبذلك، يمكن قراءة هذه الرسالة باعتبارها دعوة إلى الانتقال من شرعية انتخابية مرتبطة بصندوق الاقتراع إلى شرعية عملية تتعزز بمدى الوفاء بالالتزامات وتحقيق النتائج.
ويظهر من خلال القراءة المتفحصة لنص الخطاب الملكي أن هناك خيطًا ناظمًا يربط بين الرسائل الخارجية والداخلية، وهو السعي إلى تعزيز قدرة المغرب على اتخاذ القرار وتحقيق أهدافه.
فعلى المستوى الخارجي، يؤكد الخطاب أن التعاون ينبغي أن يقوم على السيادة والالتزام المتبادل؛ وعلى المستوى الداخلي، يشدد على أن التنمية تتطلب مؤسسات أكثر فعالية، وإدارة أقرب إلى المواطن، واستثمارًا منتجًا، وعدالة مجالية، وفرصًا أوسع للشباب.
وتفرض هذه القراءة التمييز بين الإعلان عن التوجهات وتحقيقها على أرض الواقع. فتفعيل اللاتمركز يحتاج إلى نقل فعلي للاختصاصات والموارد، وإعطاء الأولوية للشباب يحتاج إلى فرص تعليم وتأهيل وشغل قابلة للقياس، كما أن تعزيز العدالة المجالية يستلزم تقليص الفوارق في الخدمات والاستثمارات بين المناطق.
وبالمثل، فإن الشراكة الدولية المتوازنة تحتاج إلى آليات عملية تضمن احترام الالتزامات وتحقيق المصالح المشتركة.
وبشكل عام، يمكن القول إن الرسالة الخارجية الأبرز هي أن المغرب يريد التعاون من موقع السيادة والشراكة المتكافئة، لا من موقع الخضوع للضغط. أما الرسالة الداخلية الأبرز، فهي أن المرحلة التشريعية والحكومية الجديدة مطالبة بتحويل الطموح الوطني إلى نتائج ملموسة، عبر تسريع الإصلاحات، وتحسين الحكامة، وتقوية العدالة الاجتماعية والمجالية، والاستجابة الفعلية لتطلعات المواطنين.
وبذلك، يربط الخطاب بين مكانة المغرب في الخارج وقدرته على إنجاح مشروعه التنموي في الداخل.
*عبد الفتاح الصادقي - إعلامي وباحث في القانون العام والعلوم السياسية*
رئيسية 








الرئيسية




