☰
2026 أكتوبر 2 - تم تعديله في [التاريخ]

رسالة إلى الحكومة المقبلة: كونوا جدارًا واقيًا للمغاربة… لا جسرًا تعبر فوقه الأزمات

حين ينتهي الراتب قبل نهاية الشهر، لا تُطمئن المواطنَ أرقامُ النمو… رسالة إلى الحكومة المقبلة تضع معيشة المغاربة في قلب المسؤولية، وتسأل: من يحمي جيوب الأسر عندما تشتد الأزمات؟


حماية معيشة المغاربة من موجات الغلاء… مسؤولية الحكومة المقبلة

الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
المغرب لجميع المغاربة… والعيش الكريم ليس امتيازًا مرتبطًا بالرخاء، بل حق يجب حمايته في زمن الأزمات أيضًا

إلى الحكومة المقبلة،

قبل أن تتحدثوا عن نسب النمو، ومؤشرات الاقتصاد، وتوازنات الميزانية، والاستثمارات الكبرى، والمشاريع المهيكلة، نريد منكم أن تتذكروا حقيقة بسيطة لا ينبغي أن تغيب عن أي سياسة عمومية: المغرب لجميع المغاربة، وليس لفئة دون أخرى، والاقتصاد لا تكون له قيمة اجتماعية إذا لم ينعكس أثره على حياة المواطن وكرامته وقدرته على العيش.


نريد منكم، منذ اليوم الأول، أن تدركوا أن للمغاربة حقوقًا أساسية لا يجوز أن تتحول إلى متغير تابع للظرفية الاقتصادية الوطنية أو الدولية، ولا أن تصبح متاحة في سنوات الرخاء ثم تتقلص كلما ارتفع سعر النفط، أو اشتدت أزمة دولية، أو اضطربت الأسواق.

العيش الكريم حق، والماء حق، والكهرباء ضرورة، والصحة والتعليم والتغذية والسكن والنقل ليست كماليات يمكن للمواطن تأجيلها إلى أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية، إنها أساس الحياة نفسها.

◊ لا نطلب المجان… نطلب الإنصاف

لسنا ممن يطالبون بأن توفر الدولة كل شيء بالمجان، ولا نتجاهل أن للخدمات كلفة، وأن للاستثمارات أثمانًا، وأن للدولة التزامات مالية متعددة.

لكن ما نطلبه بسيط وعادل: إذا تعذر توفير بعض الخدمات مجانًا، فيجب أن تبقى أسعارها في مستوى يستطيع المواطن تحمله، دون أن يضطر إلى الاختيار بين العلاج والطعام، أو بين أداء فاتورة الكهرباء وشراء مستلزمات أبنائه، أو بين التنقل إلى عمله وتأمين حاجات أسرته.

فلا معنى للحديث عن أسعار «معقولة» إذا كانت لا تتناسب مع رواتب الناس وأجورهم ومداخيلهم.

عليكم ألا تسألوا فقط: كم تكلف الخدمة؟ بل عليكم أن تسألوا أيضًا: كم يستطيع المواطن المغربي أن يدفع؟

◊ قوت المغاربة ليس مجالًا للمضاربة

نريد منكم أيضًا أن تجعلوا المواد الأساسية والخدمات الضرورية منطقة محمية من المضاربة، والوسطاء غير المنتجين، والاحتكار، وكل أشكال الاستفادة غير المشروعة من حاجة الناس.

عندما يغادر منتوج يد الفلاح أو المنتج بثمن معين، ثم يصل إلى المواطن بثمن مضاعف، لا يجوز الاكتفاء بترديد عبارة «السوق حرة».

اسألوا عن الطريق الذي قطعه الثمن، اسألوا من أضاف إليه كل تلك الزيادات، اسألوا من يربح من قوت المغاربة دون أن يزرع أو ينتج أو يصنع أو يقدم قيمة حقيقية.

حرية السوق لا تعني حرية استنزاف المواطنين، والمنافسة لا تكون سليمة حين يكون المواطن الطرف الوحيد الذي لا يملك القدرة على التفاوض.

◊ المغرب لا يجب أن يتحول إلى بلد بطبقتين

احذروا أن يصبح لدينا مغربان داخل وطن واحد، مغرب يستطيع فيه البعض الحصول على أفضل تعليم وأفضل علاج وأفضل سكن وأفضل وسائل نقل لأنه يملك المال، ومغرب آخر يقف فيه المواطن البسيط أمام المستشفى والمدرسة والسكن والنقل، وهو يحسب ما في جيبه قبل أن يحسب حاجته.

المغرب ليس للأثرياء وحدهم، ولا لأصحاب النفوذ، ولا لكبار المستثمرين وحدهم.

المغرب للعامل والفلاح والموظف والمتقاعد والحرفي والتاجر الصغير والطالب ورب الأسرة والعاطل، وكل من يحمل هذا الوطن في قلبه ويعيش على أرضه.

وحين يتحول المال إلى مفتاح إلزامي للحصول على أبسط شروط الحياة الكريمة، فإننا لا نكون أمام تفاوت في المداخيل فقط، بل أمام تفاوت في فرص الحياة نفسها.

◊ الثروة مرحب بها… والإثراء الغامض يجب أن يخضع للمساءلة

نريد اقتصادًا ينتج الثروة، ونريد مستثمرين ناجحين، ونريد مقاولات قوية تخلق فرص العمل وتدفع الضرائب وتساهم في تنمية البلاد، فالثراء المشروع ليس جريمة.

لكننا نريد أيضًا دولة لا تتردد في طرح السؤال حين تظهر ثروات ضخمة لا تتناسب مع المداخيل المعلنة لأصحابها: من أين لك هذا؟

نريد لهذا السؤال أن ينتقل من أحاديث الناس إلى المؤسسات والقوانين والمساطر.

ونريد تقوية آليات مراقبة الإثراء غير المبرر، وربط الثروة بالشفافية، وتعزيز التصريح بالممتلكات وتتبع مصادر المكاسب حين تكون غامضة أو غير قابلة للتفسير.

كما نريد فتح نقاش وطني جاد حول تركز الثروة، والاحتكار، والريع، والسبل الكفيلة بضمان أن يبقى الاغتناء المشروع حقًا، دون أن يتحول الاقتصاد إلى آلة تجعل الأغنياء أكثر غنى والفقراء أكثر هشاشة.

◊ راجعوا فلسفة تحرير الأسعار

إلى الحكومة المقبلة،

لا تتعاملوا مع تحرير الأسعار كما لو أنه نص مقدس لا يقبل المراجعة.

هناك فرق بين هاتف فاخر ورغيف خبز، وبين سيارة فارهة ودواء، وبين منتجع سياحي وماء صالح للشرب، وبين سلعة كمالية ووسيلة نقل يحتاجها عامل للوصول إلى مقر عمله.

عندما يتعلق الأمر بالمواد والخدمات الأساسية، لا يمكن للدولة أن تكتفي بدور المتفرج.

عليها أن تتدخل حين تتهدد القدرة الشرائية، وأن تحارب المضاربة والاحتكار، وأن تدعم المنافسة الحقيقية، وأن تبحث عن آليات فعالة تجعل الضروريات في متناول الجميع.

◊ إذا ارتفع النفط في الخارج… فلا تجعلوا المواطن يدفع الفاتورة كلها

نعلم أن المغرب يتأثر بالأسواق الدولية، ونعلم أن أسعار النفط ترتفع وتنخفض، وأن الأزمات الاقتصادية العالمية لها انعكاسات داخلية.

لكن ما لا ينبغي القبول به هو أن يتحول كل ارتفاع خارجي تلقائيًا إلى زيادة داخلية يتحملها المواطن وحده.

فما وظيفة الحكومة إذن؟ وما وظيفة السياسات الاقتصادية والطاقية والضريبية؟ وما وظيفة الشركات الكبرى؟

المواطن لا يستورد النفط، ولا يفاوض الموردين، ولا يحدد الضرائب، ولا يضع الاستراتيجية الطاقية، فلماذا يكون دائمًا آخر الحلقة وأول من يدفع؟

نريد من الحكومة المقبلة أن تبحث عن آليات لامتصاص الصدمات قبل وصولها كاملة إلى جيوب الناس، وأن توزع كلفة الأزمات بعدالة بين الدولة والشركات والفاعلين الاقتصاديين والمستهلك.

◊ لا تكونوا ساعي بريد للأزمات

إلى الحكومة المقبلة،

حين تقع أزمة دولية، لا نريد منكم أن تكتفوا بإبلاغنا بها، وحين ترتفع الأسعار عالميًا، لا نريد بيانًا يشرح لنا أن الزيادة مستوردة، وحين يشتد التضخم، لا نريد خطابًا يطلب من المواطنين المزيد من الصبر فقط.

نريد أن نعرف ماذا فعلتم أنتم، ماذا امتصصتم؟ ماذا تحملتم؟ ماذا راجعتم؟ وأي إجراءات اتخذتم حتى لا تصل الصدمة إلى المواطن بكامل قوتها؟

الدولة ليست ساعي بريد يتسلم الأزمة من الخارج ثم يسلمها كاملة إلى المواطنين، والحكومة ليست جسرًا تمر فوقه الأزمات الدولية مباشرة إلى موائد الأسر ومحافظها.

كونوا جدارًا واقيًا، جدارًا أمام التضخم، جدارًا أمام الاحتكار، جدارًا أمام المضاربة، جدارًا أمام الجشع، وجدارًا أمام كل أزمة يمكن تخفيف آثارها قبل أن تصل إلى المواطن.

◊ ضعوا المواطن في قلب الحسابات

عندما تُعرض عليكم الأرقام، لا تنظروا فقط إلى نسبة النمو، اسألوا عن أجور الناس ومداخيلهم المالية.

وعندما تُعرض عليكم معدلات التضخم، لا تكتفوا بالنسبة العامة، انظروا إلى ثمن الخبز والزيت والخضر والدواء والنقل والسكن.

وعندما تتحدثون عن الاستثمارات الكبرى، اسألوا أيضًا: كم منصب شغل محترمًا خلقت؟ وكيف انعكست على معيشة الناس؟

فالاقتصاد الحقيقي بالنسبة للمواطن ليس تقريرًا ماليًا، إنه ما يبقى في جيبه آخر الشهر بعد أن يؤدي تكاليف السكن والماء والكهرباء والنقل والعلاج وتعليم أبنائه وغذاء أسرته.

فإذا انتهى راتبه قبل أن ينتهي الشهر، فلا تخبروه بأن المؤشرات الاقتصادية بخير.

إذا كان المواطن متعبًا اقتصاديًا، فهناك شيء في السياسات يحتاج إلى المراجعة مهما بدت الأرقام مطمئنة.

◊ هذه رسالتنا إليكم

إلى الحكومة المقبلة،

احكموا وأنتم تتذكرون أن المغرب لجميع المغاربة، وأن الفقير ليس عبئًا على الدولة، وأن الطبقة المتوسطة ليست خزينة احتياطية تلجأون إليها كلما احتاجت الميزانية إلى موارد إضافية، وأن حماية القدرة الشرائية ليست صدقة حكومية، بل جزء من صميم المسؤولية السياسية والاجتماعية.

لا نطلب منكم أن تمنعوا كل أزمة، فهذا مستحيل، ولا نطلب منكم أن تتحكموا في الأسواق الدولية، فذلك ليس بيدكم.

لكننا نطلب منكم شيئًا تستطيعون فعله: ألا تتركوا المواطن يواجه الأزمات وحده.

كونوا بينه وبينها، خففوا الصدمة، وزعوا الأعباء بعدالة، راقبوا الأسواق، حاسبوا المحتكرين، حاربوا المضاربين، واسألوا عن كل ثروة غامضة وعن كل ربح مبالغ فيه يتحقق من حاجة الناس.

فالحكومة التي تستحق ثقة المغاربة ليست التي تخبرهم بحجم العاصفة فقط، وإنما التي تقف أمامهم لتخفف عنهم قوتها.

كونوا جدارًا واقيًا للمغاربة… ولا تكونوا جسرًا تعبر فوقه الأزمات إلى جيوبهم.

حماية معيشة المغاربة من موجات الغلاء… مسؤولية الحكومة المقبلة



في نفس الركن