2023 يناير 20 - تم تعديله في [التاريخ]

زهْرة بتجاعيد مُبَكِّرة

افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 19 يناير 2023


العلم الإلكترونية - محمد بشكار
 
شتَّان بيْن النُّضْج والنُّبوغ، فالأوّل قد يتساوى فيه البشر مع الطَّماطِم في مواسم الجَنْي، أما الثاني لا ندركه إلا باستثمار كل دقيقة في التحصيل وصقْل الموهبة، خصوصا في مرحلة الشباب، ويبدو أنه لم يبْق من العُقول في البلد إلا الطَّماطِم، وقدا نَضَج بعضُها من فَرْط تراخيه في تدْبير الأزمات حتى اخْتَمَجْ ! 
 
ألمْ تر كيف يَنْعمُ هذا البعْض المسؤول يا حسرة، في بَحْبُوحة الخَرَف، دون أن يُكلِّف دماغه الشَّقاء قَيْد تفكير كي يعرف، أنَّ أفْظَع سِنٍّ قدْ تُمْنَى باليأس هي مرحلة الشباب، ولنا أنْ نتخيَّل ماذا يحدث حين ينْقلِبُ الهرم السُّكاني، لِيُصبح أغلبية اليافعين شُيوخاً، يُقابِلون الحركة بالشَّلل، البريق بالأفول في الأعْين، الصَّوت بالخَرس، التَّفْكير بالتَّبلُّد والدَّوْخة الرَّخيصة، العَمل بالأذرع المُنْكسِرة، لنا أن نتخيَّل كيف تتَّسِع رُقْعة جيل الرَّماد حين تنْطفىء شُعْلةُ الأملْ !
 
 لم يكُن لِيخْطر ببالي يوماً، أنْ يأْتي جيلٌ يتَّخِذُ الفراغ شِعاراً سياسيّاً للتعبير عن الرَّفْض، بل تجاوز الشِّعار إلى صياغة بيانٍ تَصْعيدي، فكأنَّ الأصابع التي دبَّجتْهُ هي نفسُها في الزَّنْد، تُطلق مع كلِّ نُقطةٍ تَضعُها في آخر السَّطر، رصاصةً قد تُخطىء في حاضرنا المَقْتَل ولكنها تُصيبُ فِي السُّويْداء المُسْتقبل، فالدِّراسة فِي نظَر هذا الجيل، مُجرَّد حشْوٍ بأكْوامِ مُقرَّراتٍ فوق طاقة الأدْمغة، تُنْهِكها قبل الأوان وتؤدِّي للتَّلَف، ثُم ما جدْوى أنْ أُضيِّع نِصْف عُمري خلْف جُدران الدِّراسة، إذا كان آخرُ بابٍ في سُورها العظيم، يُفْضي للشَّارع وليس الصِّين، البحْرُ أهْوَن إمّا إلى الضِّفَّة الأخرى حيث الشقاء يُقدَّرُ بِثمن، أو أعود ببعض أشلائي في بطْن السَّمك إلى الوطن، على الأقل سأُصبح أنْفَع حين أُسَاهم ببقايا لحمي ودمي، في السَّلة الغذائية للمُجْتمع !  
 
لا يحْتاج بيانُ الفراغ الَّذي يتَّسعُ كُلَّ يوم بأسْطُرٍ جديدة، إلى النَّشْر في الصُّحف لتعُمَّ الكارثة، ألَمْ تَرَ كيف أصبحنا غُرباء في رُقْعةٍ ضيِّقة، لا أحد هناك في الأكشاك والمكتبات والمعارض وقاعات السينما والمسارح، إلا مِنْ بعض الإستثناءات المَعْدودة رُبَّما بسبب خَللٍ في هرمون الوعْي الشّقي، لا أحد يشْغُلُ حيِّزاً في الكرسي أوْ الفضاء، وبين يوم وآخر لا نمْلكُ غيْر أن نَتحسَّر، خُصوصاً حين يُقرِّر كاتبٌ أنْ يترجَّل عن صَهْوة القلم، ولا فرْق بين أن تتوقَّف عن الكتابة والموت الذي يليه الصَّمْتُ للأبد، لِمَنْ يؤلِّف بعد أنْ تمدَّد التصحُّر الفكْري، وبيعت المواقف بأكْياس العلَفْ!
 
 لقد اسْتجار الشُّبانُ بالفراغ، وتركوا النَّوادي حقولا جرداء لا تصلح حتى لزراعة اللَّفْت، ولا شيء يُعوِّض وجودَهم الحيويَّ، غير تصريحات رسْمية زائفة في التلفزيون تُزيِّن السَّراب بعبارت كاذبة مثل (..إنها لفتةٌ طيبة)، ومِنْ أيْن للبلد بِدون هذه الطَّبقة النَّشِيطة، تلْكَ الدِّينامية التي تُروِّج للرَّأسْمَالَيِن المادِّي والأدبي، حقاً ليس ثمّة عقابٌ أقْسى من أنْ ألغي كُلَّ مَنْ حولي من أبْسَط اهتماماتي، وذلكَ ما يصْنعُه الجيلُ الجديد، يُعاقِب البلد ومَنْ عليها وحتى الموْتى الذين تحتها فِي الثرى، لأنَّهُم السَّبب الرئيسي الذي جعلهُ بالقُوَّة الطَّبيعية للتناسل، موجوداً على سطح الأرض، يَنْتقم بأنْ يُعْلِن نفسه غائباً كبيراً ليس فقط في قاعة الدرس، بل في كل الدواليب التي بِحركتها تتقدَّمُ قاطرة البلد، يعيش كأنَّه لا يعيش، فارغاً من كل شيء يُؤثِّث المجتمع، لا يهتم بالسياسة ولا الثقافة ولا الأدب ولا الفُنون، وإذا أحبَّ الرياضة ليس امتثالاً لحِكْمة "العقل السَّليم في الجِسْم السَّليم"، إنما لِيلْتمِس مِنْ كرة القدم بعض العزاء، فهي مِثْلُهُ تتلقَّى ضرباتٍ مُوجِعة مِنْ كلِّ جانب، وحين يَهْرعُ إلى مُباراةٍ كُرويَّة بِرُوحٍ تمزجُ الفجيعة بالفرح، إنَّما لِيتَّخذها ذريعةً كي يرفع أقوى شِعارات الرَّفْض والغَضَبْ !
 
ماذا عساهُ يصْنع الشَّاعر والكاتبُ والفنَّان والمُفكِّر أو المُثقَّف عموماً، بقِيَ وحيداً يُواسِيه فِي كُلِّ مكانٍ ذبابٌ لا يُعوض غِياب الشَّباب، أمَّا عنِّي يَحْدُث أنْ أجْلِس على حافَّة الشارع بالمقهى، فَينْتابُني الشُّعور أنِّي أقفُ حيثُ ينتهي العالم على شفير الهاوية، أُحاوِل بيْن رشْفةٍ وأخرى، أنْ أسْتَمْتع بوقْتي على إيقاع الموت البطيء للدُّخَان، ولكنَّني أفشل في الاحتفاظ بمُتْعة عيش هذا البُطْء السِّحْري طويلاً، وكيف لا وكل مَنْ حولي أسْرَع في التَّلاشي من كل الأوقات المُهَرْوِلة بِنا جميعا، إلى حتْفٍ قريب أو مُتأخِّر على المقْصلة، عِلْماً أنَّهم لا يُطاردون سِوى السَّراب الذي يَشْترُونه من الحكومات المُتعاقِبة بأبْخَس الأصْواتِ، وأكثر ما يَشدُّني وأنا بنفْس المقْهى على حافَّة الشَّارع، شيخٌ يزحفُ حَذِراً بِنصْف خطْوة، كأنَّه لا يُريد أنْ يصل لشيء آخر بعد أنْ وصل لِنهاية الكوْن، أو كأنَّه بعد أنْ أنْفَق كل العمر في الخدمة المدنيَّة بدون فائدة أو مائدة، أصْبَح خارج كل الإعْترافاتِ التَّاريخية غيْر مَعْنِيٍّ بالزَّمَنْ ! 
.................................................
 

ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 19 يناير 2023




في نفس الركن