العلم الإلكترونية - بقلم هشام الدرايدي
في زمن السرعة الرقمية وهيمنة مفهوم الترند وتحقيق الأرباح من أي شيء، تذوب الحقيقة وتطفو الإشاعة التي لم تعد في حاجة إلى أكثر من تدوينة مبهمة كي تتحول إلى “خبر عاجل”، مستغلة رغبات وأمنيات الملايين للعب بها وهز مشاعرها، فاستغلال اسم وازن بحجم حكيم زياش ما هو إلا مادة مثالية لإشعال مواقع التواصل الاجتماعي، وهكذا، حدث قبل سويعات بعد أن انتشرت على نطاق واسع أخبار تزعم استدعاء وليد الركراكي، الناخب الوطني، للاعب الوداد حكيم زياش، من أجل الالتحاق بكتيبة “أسود الأطلس” والمشاركة فيما تبقى من نهائيات كأس أمم إفريقيا الجارية أطوارها حاليا في مملكتنا الشريفة.
هذه التدوينات، التي استندت كعادتها إلى “مصادر مطلعة” و”كواليس مقربة من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم” و"سكوب"، ذهبت بعيدا في نسج سيناريو متكامل، حددت فيه الزمان والمكان، وربطت الأمر بندوة صحفية تسبق مواجهة الكاميرون بالمغرب، وتقديم رسمي لزياش، بدعوى تعويض عز الدين أوناحي بعد تأكد غيابه عن بقية المنافسة بسبب الإصابة. رواية أنثولوجية جذابة، لكنها تنهار بالكامل عند أول اختبار قانوني.
الحقيقة، الثابتة بنصوص واضحة في لوائح الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف) والاتحاد الدولي (فيفا)، هي أن استدعاء لاعب من خارج اللائحة الرسمية بعد انطلاق المنافسة أمر غير مسموح به إطلاقًا، مهما كانت قوة الاسم أو حساسية الظرف وسببه، فالقوانين تنص صراحة على أن القوائم النهائية تغلق قبل بداية البطولة، مع إمكانية تعديلها فقط قبل أول مباراة رسمية، وفي أجل محدد (غالبا إلى 24 ساعة)، شريطة الإدلاء بتقارير طبية تثبت العجز الكلي عن المشاركة.
أما بعد صافرة البداية، فإن باب الاستدعاءات يغلق نهائيا، وحتى لو افترضنا جدلا على أن هذا الإجراء كان ممكنا، فإن المنطق الكروي والتكتيكي كان سيفرض تعويض عز الدين أوناحي بلاعب يشغل نفس المركز، حفاظا على التوازن الوظيفي داخل الكتيبة،. فأوناحي ليس مجرد اسم في ورقة التشكيل، بل عنصر محوري في وسط الميدان، ومحرّك أساسي في بناء اللعب والانتقال الهجومي، ولا يمكن تعويض هذا الدور بجناح هجومي، مهما كانت قيمته الفنية أو رمزيته الجماهيرية.
ثم إن المنتخب المغربي، بعيدا عن العاطفة والحنين، لا يعاني فقرا في الخيارات. فبين عناصر المنتخب المحلي، ومواهب الفئات السنية فوق 20 سنة، ولاعبي الأندية الوطنية، توجد أسماء قادرة على سد الخصاص داخل الإطار الجماعي الذي اشتغل عليه وليد الركراكي منذ أشهر وكان بإمكانه المناداة عليهم لو فعلا أن الخصاص سيحدث بغياب أوناحي، لكن الركراكي له من البدائل أكثر من ثلاثة لاعبين، والنظام الجديد مكنه من استدعاء 5 لاعبين إضافة إلى العدد السابق والذي كان محصورا في 23، ليصبح 28، أما حكيم زياش، فمكانته محفوظة في قلوب المغاربة، قبل أي لائحة أو حساب تقني لأن الاختيارات تبقى حقا حصريا للمدرب.
وكم تمنت الجماهير لو كانت الإشاعة حقيقة، لكن كرة القدم في نهاية المطاف، ليست مجالا للأمنيات، بل منظومة تحكمها قوانين صارمة، وما بين شغف الجماهير ولهفة المتابعين، تسقط الإشاعة سريعا أمام نصوص قانونية واضحة لا تقبل التأويل، وبهذا تكون قد أنهينا “حلم استدعاء زياش في الكان” قبل أن يبدأ، وتبقى الحقيقة، وإن كانت قاسية أحيانا، أكثر احتراما من وهم يصنعه السباق نحو التفاعل وجمع الإعجابات.