☰
2026 أكتوبر 14 - تم تعديله في [التاريخ]

سبتة المغربية.. «ورقة التوت» التي كشفت عورة اليمين المتطرف

اليمين المتطرف يسعى إلى تحويل حق المغرب في أرضه إلى «حصان» رابح في الانتخابات الإسبانية


الرباط: أنس الشعرة


بات من الواضح أن ملف سبتة ومليلية المحتلتين يوظف سياسياً، ويستثمر كورقة رهان في الانتخابات الإسبانية المقررة في 29 نونبر من هذه السنة. والأدهى من ذلك أن يسعى اليمين الإسباني المتطرف إلى تمرير أجندته السياسية نحو باقي الأحزاب في الاتحاد الأوروبي، بعدما أعلنَ رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي، جوردان بارديلا، عن دعمه للسيادة الإسبانية على المدينتين المغربيتين، في موقف يتجاهل حق المغرب في استرجاعهما، وتمسّكه الدائم بكل شبر من ترابه الوطني.

بارديلا، الذي لم يكن بالأمس القريب معنياً بجغرافية سبتة وحدودها، ولا بموقعها على الطرف الآخر من مضيق جبل طارق، في الجهة المغربية المقابلة للقارة الأوروبية، أعلن، إلى جانب سانتياغو أباسكال، رئيس حزب «فوكس» المتطرف، دعمه للسيادة الإسبانية على المدينة. ولم يتردد أباسكال في التصريح، أول أمس الاثنين، من سبتة المحتلة، وليس من مدريد، بعبارات مستفزة بأن المدينة إسبانية وأوروبية «ينبغي أن تظل كذلك»، في موقف يكشف كيف تحولت قضية ترتبط بحقوق المغرب ومطالبه الترابية إلى مادة للمزايدة السياسية، ومحاولة لاستفزاز المملكة في واحدة من أكثر القضايا حساسيات في علاقاتها مع إسبانيا.

هذه الزيارة، التي أعقبتها أمس الثلاثاء زيارة العاهل الإسباني، فيليبي السادس، إلى المدينة، لم يكن اختيار توقيتها ومكانها اعتباطياً. فقد تزامنت مع 12 أكتوبر، تاريخ العيد الوطني الإسباني، بما يحمله من رمزية تاريخية وسياسية. واختيار سبتة المحتلة في هذا التوقيت تحديداً يفسّر، من جهة، لجوء اليمين الإسباني إلى الاحتماء بالتاريخ واستدعاء الصراعات والحروب التي شهدتها المنطقة في مراحل سابقة من العلاقات المغربية الإسبانية، في محاولة لإعادة إنتاج خطاب قومي يتغذى من استحضار الماضي وتوظيفه في صراعات الحاضر. ومن جهة أخرى، يكشف هذا الاختيار عن سعي حزب «فوكس» إلى الاستقواء بحزب التجمع الوطني الفرنسي، وتوسيع دائرة التضامن اليميني في أوروبا، بما يمنح ملف المدينتين المحتلتين أبعاداً سياسية تتجاوز الساحة الإسبانية، ويفتح الباب أمام استمالة مزيد من الأصوات الأوروبية المناهضة للمهاجرين.

وتستأثر قضايا الهجرة وحماية الحدود الأوروبية بصلب الخطاب السياسي لليمين المتطرف في أوروبا، إذ تشكل مدخلاً لتسويغ جملة من السياسات المتشددة تجاه المهاجرين، وتعبئة الناخبين حول شعارات الهوية والأمن والسيادة. لذلك، فإن زيارة أباسكال وبارديلا إلى سبتة المحتلة تتجاوز حدود الحدث الانتخابي العابر، لتتحول إلى معركة سياسية حول الهجرة والهوية والسيادة، تستدعى فيها المدينة بوصفها رمزاً للحدود الأوروبية، فيما يجري تجاهل الطرف الآخر من القضية: حق المغرب في أرضه وموقفه الثابت من المدينتين المحتلتين.

والأكثر إثارة للانتباه أن تتحول سبتة، بما تختزنه من تاريخ وجغرافيا وامتداد مغربي، إلى منصة لتصفية الحسابات الانتخابية بين أحزاب أوروبية، وإلى وسيلة لتصدير خطاب اليمين المتطرف خارج حدوده الوطنية. فبدل أن تكون العلاقات المغربية الإسبانية مجالا لتعزيز التعاون وحسن الجوار، يجري استحضار قضية المدينتين في سياق تعبئة سياسية لا تخدم سوى أجندات حزبية ضيقة، وتعيد إنتاج خطاب المواجهة في وقت تفرض فيه المصالح المشتركة على الطرفين تغليب منطق المسؤولية والحوار.

إن أخطر ما تكشفه هذه الزيارة لا يكمن في اصطفاف بارديلا وأباسكال في صورة «زواج كاثوليكي»، لكن تبدو محاذيره في السعي إلى إعادة إنتاج قضية المدينتين المحتلتين داخل خطاب أوروبي يجعل من المصالح الترابية الإسبانية جزءاً من معركة الدفاع عن الهوية الأوروبية وحدودها. وهنا تتضح صورة «ورقة التوت» التي يحاول اليمين المتطرف التستر خلفها؛ إذ يستدعي شعارات السيادة حين تخدم حساباته السياسية، ويحول الجغرافيا والتاريخ إلى أدوات للتعبئة الانتخابية، متجاهلاً أن تحويل قضية سبتة إلى عنوان للصراع مع الهجرة لا يلغي جذورها المرتبطة بالتاريخ الاستعماري وبمطالب المغرب المشروعة.




في نفس الركن