2026 أغسطس/أوت 26 - تم تعديله في [التاريخ]

سبتة تعيد عدّ قاصريها.. الرقم الرسمي يهبط من أكثر من 2900 إلى 1410

تراجع الرقم المتداول لقاصري سبتة من أكثر من 2900 إلى 1410 يثير أسئلة بشأن دقة السجلات واحتمال توظيف الأرقام في حسابات سياسية ومالية، وسط الاستعداد لتوفير 2000 مكان إيواء إضافي.



*بقلم: بوشعيب حمراوي*
الرقم الجديد يشمل قاصرين كانوا في سبتة قبل موجة التدفق.. والفارق الضخم يفتح سؤال الخطأ الإداري أم تضخيم الأرقام لخدمة حسابات سياسية أو مالية؟

شهد ملف الهجرة غير النظامية إلى سبتة، اليوم الأربعاء 26 غشت 2026، واحداً من أكثر مستجداته إثارة للانتباه منذ بداية الأزمة، بعدما تبين أن الرقم الرسمي الذي ظل يُتداول خلال الأيام الأخيرة بشأن عدد القاصرين المهاجرين في المدينة كان مضخماً بصورة كبيرة.

فبعدما تحدث مسؤولون في الحكومة الإسبانية عن أكثر من 2900 قاصر جرى تحديد هوياتهم، أعلن رئيس القيادة الموحدة المكلفة بتدبير أزمة سبتة، أنخيل فيكتور توريس، صباح الأربعاء، أن الرقم الرسمي المسجل يبلغ 1410 قاصراً فقط حتى تلك اللحظة.

الفارق ليس بسيطاً، ولا يتعلق بعشرات الحالات، بل نحن أمام رقم سابق يزيد تقريباً على ضعف الرقم الرسمي الجديد.

والأهم أن رقم 1410 نفسه لا يمثل فقط القاصرين الذين وصلوا إلى سبتة خلال موجة العبور الجماعية ليومي 30 و31 يوليوز، وإنما يتضمن أيضاً قاصرين كانوا موجودين أصلاً داخل منظومة الحماية والرعاية في المدينة قبل اندلاع الأزمة الأخيرة.

من أكثر من 2900 إلى 1410.. ماذا وقع؟

الرقم السابق، الذي تجاوز 2900 قاصر، دخل بقوة إلى النقاش السياسي والإعلامي في إسبانيا، واستُعمل في الحديث عن حجم الضغط الذي تواجهه مؤسسات حماية الطفولة، وعن الحاجة إلى نقل جزء من القاصرين إلى شبه الجزيرة الإسبانية، وتعبئة موارد مالية وبشرية إضافية.

لكن مراجعة السجلات والإجراءات الإدارية أظهرت أن المعطيات المتداولة لم تكن تعكس العدد الفعلي للقاصرين المسجلين بصورة مستقلة.

وبعد مراجعة البيانات، أعلن توريس أن العدد الرسمي للقاصرين الذين جرى تحديد هوياتهم وتسجيلهم، حتى صباح الأربعاء، يبلغ 1410 قاصراً.

خطأ تقني فقط.. أم أن الأمر يحتاج إلى تحقيق أوسع؟

التفسير الإداري المتداول يربط تضخم الرقم بتكرار بعض الإجراءات أو السجلات المرتبطة بالقاصر نفسه.

لكن عندما ينخفض رقم رسمي من أكثر من 2900 إلى 1410، فإن حجم الفارق يبرر طرح أسئلة تتجاوز مجرد الحديث عن خطأ معلوماتي عابر.

فهل كان الأمر فعلاً نتيجة اضطراب تقني أو استعجال في جمع المعطيات خلال أيام الأزمة الأولى؟ أم أن هناك مستويات إدارية أو مؤسساتية كانت تعلم بأن الرقم لا يمثل عدد أشخاص مستقلين، ومع ذلك استمر تداوله رسمياً؟

وهل استُعمل الرقم السابق في إعداد طلبات التمويل أو تقدير الحاجيات أو تبرير إنشاء مرافق استقبال إضافية أو طلب مساعدات من الحكومة المركزية أو الاتحاد الأوروبي؟

هذه أسئلة مشروعة، لكنها لا تعني وجود دليل، في حدود المعطيات المتاحة، على أن جهة ما تعمدت تضخيم العدد.

غير أن الشفافية تقتضي الكشف عن كيفية إنتاج رقم 2900، والجهة التي اعتمدته أول مرة، والمسؤولين الذين صادقوا عليه قبل تقديمه إلى الرأي العام، وما إذا كان قد دخل في احتساب أي دعم مالي أو ميزانيات استثنائية.

لماذا يطرح الجانب المالي نفسه؟

ملف القاصرين غير المصحوبين لا ينفصل عن كلفة مالية كبيرة تتحملها مؤسسات الحماية والإيواء والصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية.

ولهذا، فإن أي زيادة كبيرة في العدد المعلن تعني، من حيث المبدأ، ارتفاعاً في تقدير الموارد المطلوبة للتكفل بهم.

ومن هنا يظهر سؤال حساس لا ينبغي تجاهله: هل يمكن أن يكون تضخيم الأرقام قد خدم، ولو بصورة غير مباشرة، مصالح مؤسسات أو إدارات كانت تسعى إلى الحصول على موارد مالية أكبر أو تقوية موقفها التفاوضي مع الحكومة المركزية؟

ليس هناك حتى الآن ما يسمح بالجزم بذلك، لكن الانتقال المفاجئ من أكثر من 2900 إلى 1410 يجعل المطالبة بتدقيق مستقل في مسار الأرقام أمراً مشروعاً، حتى لا يتحول الخطأ الإحصائي إلى وسيلة، بقصد أو من دون قصد، لصناعة قرارات سياسية ومالية مبنية على معطيات غير صحيحة.

احتمال الاستعمال السياسي للأرقام

ولا يتعلق الأمر بالمال وحده.

فالرقم السابق جرى تداوله في خضم صراع سياسي قوي بين حكومة مدريد وسلطات سبتة والأحزاب المعارضة بشأن الهجرة، وإعادة القاصرين، وتوزيعهم على الأقاليم الإسبانية، ودرجة الضغط التي تتحملها المدينة.

وفي أزمات من هذا النوع، تصبح الأرقام نفسها جزءاً من الخطاب السياسي.

رقم مرتفع للقاصرين يمكن أن يُستخدم للمطالبة بمزيد من القوات والموارد، أو لتبرير نقلهم إلى أقاليم أخرى، أو لتقوية الدعوات إلى تسريع إعادتهم إلى المغرب.

ولهذا، فإن معرفة من أنتج الرقم، ومن اعتمده، وكيف استُعمل سياسياً وإدارياً، أصبحت في حد ذاتها جزءاً من حق الرأي العام في المعلومة.

حتى رقم 1410 يحتاج إلى قراءة دقيقة

ومع ذلك، يجب ألا نسقط في خطأ معاكس.

فإذا كان رقم أكثر من 2900 قد تبين أنه غير دقيق، فإن 1410 ليس بدوره العدد النهائي لكل القاصرين الموجودين في سبتة.

إنه أحدث رقم رسمي للقاصرين الذين تم تسجيلهم وتحديد هوياتهم حتى صباح الأربعاء، فيما تؤكد السلطات استمرار عمليات التحقق والتسجيل.

كما أن الرقم يتضمن قاصرين كانوا تحت رعاية مؤسسات حماية الطفولة في سبتة قبل موجة 30 و31 يوليوز.

وهذا يعني أن عدد القاصرين المرتبطين فعلاً بالموجة الأخيرة يقل عن 1410، إذا استُبعد من كانوا موجودين مسبقاً.

نحو 2000 مكان إيواء إضافي

بالتوازي مع تصحيح أرقام القاصرين، أعلنت القيادة الموحدة الجديدة التحضير لتوفير نحو 2000 مكان استقبال وإيواء إضافي في سبتة.

وتهدف الخطوة إلى إخراج مزيد من المهاجرين من الشوارع والشواطئ والتجمعات المؤقتة، ووضعهم داخل فضاءات تسمح بإتمام عمليات تحديد الهوية، وتقديم الرعاية الصحية، ودراسة الملفات القانونية.

وتأتي هذه الإجراءات بعد تصنيف أزمة سبتة رسمياً «وضعاً ذا أهمية للأمن القومي»، وإنشاء قيادة موحدة لتنسيق عمل مختلف الوزارات والمؤسسات الإسبانية المعنية.

الأرقام تحتاج إلى افتحاص.. لا إلى بيانات تصحيح فقط

المشكلة الآن لم تعد في معرفة الرقم الجديد وحده.

فما يحتاج إليه الرأي العام هو معرفة كيف وُلد الرقم القديم.

من الذي جمع المعطيات؟ ومن جمع الحالات في رقم واحد؟ ومن راجعها قبل أن تصبح تصريحاً رسمياً؟ وهل استفادت أي مؤسسة من الرقم مالياً أو سياسياً أو تفاوضياً؟

فإذا كان الأمر مجرد خطأ تقني، فإن التحقيق الإداري سيؤكد ذلك ويغلق الباب أمام التأويلات.

أما إذا ظهر أن جهات ما استمرت في استعمال رقم كانت تعرف أنه مضخم، فإن الأمر سيتجاوز خطأ الإحصاء إلى قضية تتعلق بالمسؤولية السياسية والإدارية، وربما المالية.

أزمة أرقام داخل أزمة هجرة

انخفاض عدد القاصرين المسجلين من أكثر من 2900 إلى 1410 لا يجوز أن يمر كتصحيح هامشي في نشرة إدارية.

فالفرق يقارب النصف، والرقم السابق استُعمل في نقاشات مرتبطة بالإيواء والتمويل وحماية الطفولة والهجرة والعودة وتوزيع الأعباء بين الإدارات.

ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط:

كم عدد القاصرين الموجودين فعلاً في سبتة؟

بل أيضاً:

كيف تضاعف العدد على الورق؟ وهل كان ما حدث مجرد خلل في السجلات، أم أن تضخيم الرقم خدم، عن قصد أو من دون قصد، حسابات سياسية أو إدارية أو مصالح مرتبطة بالحصول على مزيد من الدعم المالي؟

الإجابة لا ينبغي أن تأتي بالتخمين أو الاتهام، وإنما بفتح السجلات، وتحديد المسؤوليات، وكشف المسار الكامل للأرقام منذ تسجيل القاصر الأول إلى إعلان الرقم الرسمي.

لأن المال العمومي والقرارات السيادية وسياسات الهجرة لا يجوز أن تُبنى على أرقام مضخمة، سواء كان التضخيم نتيجة خطأ أم نتيجة فعل متعمد.

صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الإصطناعي



في نفس الركن