2026 أغسطس/أوت 10 - تم تعديله في [التاريخ]

سبتة ومليلية المحتلتان.. أسئلة الدستور الإسباني تلاحق مدريد وتمنح المغرب ورقة سياسية جديدة


الرباط: أنس الشعرة

تحرص الحكومات الإسبانية المتعاقبة على تقديم قضية سبتة ومليلية المحتلتين باعتبارها ملفاً محسوماً من الناحية القانونية، لكن اليوم اتسع داخل إسبانيا نقاش من طبيعة مختلفة، عنوانه: ماذا يقول الدستور الإسباني فعلاً عن المدينتين؟ وهل تستند الرواية الرسمية إلى نص دستوري صريح، أم إلى تأويلات وقوانين صدرت بعد سنوات من إقرار دستور 1978؟

هذا السؤال، الذي ظل لسنوات محصوراً في الأوساط الأكاديمية، بدأ يجد طريقه إلى الإعلام والمنابر السياسية الإسبانية، بعدما أعادت قراءات قانونية تسليط الضوء على حقيقة لافتة؛ فالدستور الذي تأسس عليه النظام الإسباني بعد نهاية حكم الجنرال فرانكو لا يرسم الحدود الخارجية للدولة، ولا يتضمن نصاً صريحاً يقرر أن سبتة ومليلية جزء من التراب الإسباني.

أما العبارة التي تستند إليها مدريد عادة في خطابها السياسي، والقائلة إن المدينتين «جزء من الأمة الإسبانية»، فلم ترد في الوثيقة الدستورية، وإنما أضيفت في سنة 1995 ضمن قانون الحكم الذاتي، أي بعد سبعة عشر عاماً من اعتماد الدستور.

ويعد عدد من الباحثين الإسبان أن هذا التسلسل الزمني ليس تفصيلاً شكلياً، بقدر ما يعكس أن المؤسس الدستوري تجنب الحسم المباشر في الوضع القانوني للمدينتين داخل النص الأعلى للدولة. كما أن الاجتهادات القضائية تعزز هذا الطرح؛ إذ ميزت المحكمة الدستورية الإسبانية بين سبتة ومليلية وبين الأقاليم السبعة عشر ذاتية الحكم، معتبرة أن المدينتين تخضعان لنظام قانوني خاص واستثنائي، وهو ما يجعلهما خارج التصنيف الدستوري التقليدي الذي يقوم عليه التنظيم الترابي للدولة الإسبانية.

ولذلك، لم يعد النقاش مقتصراً على تفسير نصوص قانونية، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بقدرة النظام السياسي الإسباني على التعامل مع هذا الملف دون أن يدخل في تناقض مع المبادئ التي يقوم عليها منذ سنة 1978.

وهو ما يحذر منه اليوم عدد من المحللين الإسبان، من أن أي نقاش مستقبلي حول المدينتين لن ينعكس فقط على العلاقات مع المغرب، بل يتجاوز الأمر ليفرض مراجعة مفاهيم ترتبط بوحدة الدولة، خاصة في ظل استمرار التوتر مع الحركات الانفصالية في كاتالونيا ومناطق أخرى.

وتزداد دلالة هذا المعطى إذا استحضرنا أن الملك فيليبي السادس، منذ اعتلائه العرش سنة 2014، لم يقم بأي زيارة رسمية إلى المدينتين المحتلتين، رغم أن سلفه الملك خوان كارلوس زارهما في سنة 2007 وكادت هذه الخطوة أن تفجر أزمة دبلوماسية مع المغرب.

ومن منظور مغربي، فإن اتساع هذا النقاش داخل إسبانيا يؤكد أن قضية سبتة ومليلية ليست مسألة محسومة كما تحاول مدريد تصويرها، وهو ما يعني أن هذا الملف له أبعاد سياسية ودستورية تثير أسئلة عميقة داخل الدولة الإسبانية ذاتها. كما يعزز الموقف المغربي القائم على أن المدينتين المحتلتين تظلان جزءاً من الوحدة الترابية للمملكة، وأن معالجة هذا الإرث التاريخي لا يمكن أن تستند إلى منطق فرض الأمر الواقع، بل إلى الحوار والشرعية الدولية، في ظل ديمومة إقليمية ودولية متحولة.




في نفس الركن