☰
2026 أكتوبر 19 - تم تعديله في [التاريخ]

سبتة ومليلية: حين يُدسّ السم في عسل الرمزية الإنسانية

حين تصبح الصورة رسالة تتجاوز ما تراه العين… تفتح فوزية أورخيص ما وراء المشهد وتضع الرمزية أمام سؤال السياسة.


الكاتبة فوزية أورخيص
*بقلم: فوزية أورخيص*

ليست كل الرسائل السياسية التي تحملها الزيارات الرسمية معلنة في الخطب والتصريحات؛ بعضها يُمرَّر عبر الصور، وبعضها يستمد قوته من مشاهد إنسانية يصعب الاعتراض عليها من دون أن يُساء فهم الموقف. ومن هذه الزاوية، تستحق زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر الجاري قراءة تتجاوز طابعها البروتوكولي إلى ما تختزنه من دلالات سياسية. فحين يجتمع تأكيد السيادة الإسبانية على المدينتين مع زيارة مقبرة ضحايا الهجرة، لا يعود المشهد مجرد تعبير عن الحداد، بل يصبح جزءًا من سياق سياسي أوسع، تتقاطع فيه الرمزية الإنسانية مع قضية تاريخية لم تُحسم بين الرباط ومدريد.

هنا تحديدًا تستعيد عبارة «دسّ السم في العسل» معناها السياسي. ليس المقصود أن الحداد على الضحايا فعل مدان، أو أن التعاطف مع الموتى موضع تشكيك، بل إن السؤال يتعلق بما يحدث حين تتجاور الصورة الإنسانية النبيلة مع رسالة سيادية حازمة، فتكتسب الزيارة رصيدًا أخلاقيًا يصعب فصله عن غايتها السياسية. لقد زار الملك الإسباني قبور مهاجرين قضوا أثناء محاولات العبور نحو سبتة، في مشهد يستدعي الاحترام الإنساني؛ لكنه أكد، في السياق نفسه، أن السيادة الإسبانية على المدينة غير قابلة للتفاوض. وبين المشهدين تكمن مفارقة لا يجوز أن تحجبها قوة الصورة: التعاطف مع ضحايا الحدود لا يحسم الخلاف بشأن السيادة على الأرض التي ابتلعت أحلامهم.

لا يتعلق الأمر بإثبات نية خفية لدى الملك الإسباني، فالنوايا لا تُستنتج من الصور وحدها، وإنما بقراءة الأثر السياسي للزيارة في سياقها الكامل. فالصورة قد تقول ما لا يقوله الخطاب مباشرة، وقد تمنح موقفًا سياسيًا غلافًا إنسانيًا يخفف من حدة الاعتراض عليه. ومن حق المغرب أن يقرأ هذه الدلالات، وأن يرفض أن يتحول المشهد الإنساني، عن قصد أو من دون قصد، إلى عنصر يطغى على جوهر الخلاف التاريخي. فتكريم الموتى قيمة إنسانية في ذاتها، لكنه لا يمنح أي موقف سياسي حصانة من المساءلة.

والأكثر إيلامًا أن هؤلاء الضحايا لم يكونوا مجرد أسماء غائبة أو قبور مرقمة؛ كانوا بشرًا دفعهم اليأس أو البحث عن مستقبل أفضل إلى المخاطرة بأرواحهم، وتركوا وراءهم عائلات لا يعوضها أي مشهد رسمي. إن استحضارهم يفرض مساءلة السياسات الحدودية، وضمان حماية المهاجرين وحقوقهم، والتحقيق في ملابسات الوفيات، وعدم اختزال المأساة في تدبير أمني أو مناسبة رمزية. فلا تكتمل قيمة الحداد بمجرد الوقوف أمام القبور، بل بما يترتب عليه من التزام بحماية الأحياء ومنع تكرار المأساة. ولا يجوز أن يصبح الموت الإنساني خلفية مريحة لرسالة سياسية، مهما كانت قوة الرمزية التي تحيط بها.

لكن القضية تتجاوز المقبرة إلى ما تمثله سبتة ومليلية في العلاقات المغربية الإسبانية. فالمغرب يعتبر المدينتين جزءًا من استكمال وحدته الترابية، ويرفض التعامل مع الوضع القائم باعتباره نهاية للتاريخ. وفي المقابل، تتمسك مدريد بسيادتها عليهما وتصفها بأنها غير قابلة للنقاش. وهنا يظهر التناقض الذي يستحق المساءلة: كيف يمكن لشراكة استراتيجية أن تتوسع في التجارة والأمن والهجرة والاستثمار، بينما يُراد لقضية ذات عمق تاريخي وسيادي أن تبقى خارج أي أفق للحوار؟

ليس الخطأ الإسباني في إعلان إسبانيا موقفها، فالدول تدافع عن تصوراتها ومصالحها، وإنما في الاعتقاد بأن إعلان الموقف من طرف واحد يكفي لإغلاق ملف يظل موضع مطالبة مغربية. فالتأكيد المتكرر على السيادة لا يعادل التسوية، والرمزية الملكية لا تحوّل الخلاف إلى اتفاق، كما أن الاستناد إلى طول الحضور التاريخي لا يعفي من مواجهة الأسئلة السياسية التي تثيرها المطالب المغربية. إن تحويل الأمر الواقع إلى مسلّمة لا تقبل النقاش قد يخدم التعبئة الداخلية، لكنه لا يصنع بالضرورة أساسًا متينًا لعلاقة تقوم على الثقة المتبادلة.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للمصداقية الإسبانية. فمن الصعب التوفيق، في نظر منتقدي الموقف الإسباني، بين خطاب أوروبي يجعل من مناهضة الاستعمار واحترام حقوق الشعوب مرجعية أخلاقية، وبين رفض فتح أي نقاش بشأن إرث تاريخي يعتبره المغرب امتدادًا لوضع استعماري. ولا يعني ذلك تجاهل التعقيدات القانونية أو الادعاء بأن النزاع محسوم دوليًا لمصلحة طرف بعينه، بل يعني أن الخلاف لا ينبغي أن يُدار بمنطق احتكار الحقيقة، ولا أن تتحول العلاقات الجيدة إلى مطالبة ضمنية من المغرب بتجميد قضيته حفاظًا على المصالح المشتركة.

لقد أثبتت العلاقات المغربية الإسبانية أن التعاون ممكن، وأن المصالح المتبادلة قادرة على تجاوز أزمات حادة. لكن التعاون لا يعني تطابق المواقف، كما أن حسن الجوار لا يقتضي الصمت عن القضايا الوطنية. ومن ثم، فإن الرد المغربي الأكثر فاعلية ليس الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، ولا الاكتفاء ببيانات التنديد، بل بناء استراتيجية طويلة النفس تجمع بين التوثيق التاريخي، والبحث القانوني الرصين، والعمل الدبلوماسي، والتواصل مع الرأي العام الإسباني والأوروبي. وتستطيع الهيئات الحقوقية والمدنية أن تؤدي دورًا مهمًا في هذا المسار، حين تنتقل من التعبير عن الرفض إلى إنتاج معرفة موثقة، وتوسيع النقاش، ومساءلة التناقضات بلغة تحترم الوقائع وتخاطب العقول.

إن الدفاع عن مغربية سبتة ومليلية لا ينبغي أن يكون رهين زيارة ملكية أو تصريح رسمي، بل جزءًا ثابتًا من رؤية وطنية لاستكمال الوحدة الترابية. كما أن الحفاظ على الشراكة مع إسبانيا لا يفرض التخلي عن هذا الموقف، بل يستدعي إدارة الخلاف بوضوح وهدوء، من دون السماح للمصالح الاقتصادية والأمنية بأن تصبح بديلًا عن معالجة القضايا العالقة. فالدبلوماسية الرصينة ليست صمتًا، والتمسك بالحقوق ليس تصعيدًا، والشراكة الناضجة لا تخشى الاعتراف بوجود خلافات جوهرية.

في النهاية، ليست المقبرة هي موضع الاعتراض، بل احتمال أن تحجب رمزية الحداد ما رافق الزيارة من رسالة سياسية بشأن السيادة. وليس العسل هو التعاطف مع الضحايا، بل القيمة الإنسانية النبيلة التي ينبغي أن تبقى مصونة من التوظيف؛ أما السم، فيكمن في أن تتحول هذه القيمة إلى ستار يحول دون مساءلة الرسالة السياسية.

فسبتة ومليلية أكبر من صورة، وأعمق من زيارة، وأطول عمرًا من خطاب بروتوكولي. وما تحتاجه القضية ليس انفعالًا عابرًا، بل موقفًا مغربيًا ثابتًا، وحجة متماسكة، ونفسًا دبلوماسيًا استراتيجيًا. أما الشراكة الحقيقية بين الرباط ومدريد، فلن تقوى بتجميل الخلاف أو إخفائه خلف مشاهد مؤثرة، وإنما بالاعتراف بوجوده وإدارته بشجاعة سياسية واحترام متبادل.



في نفس الركن