*بقلم // ذ. الغرباوي عبد السلام*
في كل طبقة من طبقات السلم الدراسي، يقف مدرسٌ ما كحارسٍ قديم، يفتح الدفتر نفسه، ويستدعينا لوصف مباراة في كرة القدم، كأن الزمن لم يتحرك خطوة واحدة. غير أن القلم هذه المرة تمرد، ارتجف، ورفض أن يبدأ الوصف من العشب الأخضر. انحرف فجأة نحو قاعةٍ باردة، حيث كان المؤتمر الصحفي يشبه محكمة غامضة، والمدرب الخصم يلوّح بكلماتٍ حادة كالسكاكين، مهددًا بالانسحاب إن خانت الصافرة عدلها.
كانت كلماته ظلًا طويلاً تسلل إلى الملعب قبل اللاعبين، فأصاب الهواء بتوترٍ كثيف، وصار الصمت أثقل من الهتاف. الحكم، بعينين متيقظتين، بدا كمن يحمل ميزانًا هشًا فوق حبل مشدود؛ يخشى السقوط، ويصر على مواصلة السير. أما الفريق المضيف، فكان يحرس شرف التنظيم كما لو أنه كأس زجاجي قابل للكسر مع أول صدمة.
وعندما أوشكت المباراة أن تنتهي بتعادلٍ يشبه مصافحة باردة، انفجر الزمن في قلب المعترك: خطأٌ متطرف، كصاعقة بلا إنذار. أشار الحكم إلى نقطة الجزاء، فتجمدت اللحظة، وانفتحت شهية الاعتراض. المدرب وجد في الصافرة بابًا لتنفيذ نبوءته، فانقلب الملعب إلى مسرحٍ مهجور، وغادر اللاعبون كأنهم أشباح قررت الهجرة.
انتظر الحكم ربع ساعة، لا يقيس الوقت بالدقائق، بل بنبض القلق. ثم عاد اللاعبون، وعادت الكرة لتدور، لكن ضربة الجزاء ضاعت كما تضيع الأحلام في الزحام. امتد الزمن إلى أشواط إضافية، وهناك، في ثنيةٍ خفية من التعب، سجل الفريق الضيف إصابة وحيدة، كانت كافية لتغيير مصير الكأس، ولإعلان انتصارٍ خرج من رحم الفوضى، مبتسمًا بسريالية جارحة.
وكما رفض القلم أن يولد من العشب الأخضر، فقد أبى أيضًا أن يضع نقطة النهاية. تمرّد مرة أخرى، وتوقف عند حافة الصافرة الأخيرة، رافضًا إعلان الخاتمة. فالمباراة، في نظره، لم تنتهِ أصلًا، بل تكسّرت داخلها القواعد كما تتكسّر المرايا في حلمٍ مضطرب.
راح القلم يواصل الاعتراض، لا بصوتٍ عالٍ، بل بكتابةٍ مشبعة بالشك. أشار إلى الخروقات التي تسللت خلسة بين التمريرات، إلى القرارات التي تعثرت في منتصف الطريق، وإلى العدالة التي بدت وكأنها ارتدت قميصًا لا يناسبها. كل ذلك جعله يصرّ على أن تبقى المباراة معلّقة، لا فائزة فيها ولا خاسرة، مفتوحة على احتمالاتٍ عديدة، كسماءٍ بلا حدود.
وهكذا، لم تعد المقابلة مجرد تسعين دقيقة أو أشواطٍ إضافية، بل تحولت إلى نصٍّ بلا قفل، وإلى سؤالٍ يرفض الإجابة. مباراة لا تنتهي في الملعب، بل تواصل لعبها في الذاكرة، وفي هوامش الدفاتر، حيث يظل القلم ساهرًا، معترضًا، ومصرًّا على أن النهاية مجرد وهمٍ آخر.
رئيسية 








الرئيسية



