الكاتب "بوشعيب حمراوي"
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
هناك فرق كبير بين أن تناقش صحيفة توازن القوى العسكرية بين دولتين، وبين أن تتحول صفحاتها إلى ما يشبه غرفة عمليات افتراضية ترسم حربًا لم تقع، وتحدد مسبقًا من سينتصر فيها، وكم ساعة يحتاج المنتصر لـ«إطفاء» دولة كاملة، وما الذي سيُسقط من سمائها، وما الذي سيُغرق في مياهها، وما المنشآت والموانئ والمطارات والاتصالات التي ينبغي ضربها.
وهذا تقريبًا ما فعلته صحيفة «El Español» الإسبانية عندما نشرت، يوم 31 غشت 2026، مادة بعنوان لا يحتاج إلى كثير من التأويل: «هكذا ستفوز إسبانيا في حرب مع الرباط من أجل سبتة: سنطفئهم خلال 24 ساعة، وكل ما يطير سيسقط»، قبل أن يتم تحديث المادة في صباح فاتح شتنبر. والغريب أن الصحيفة نفسها تبدأ من إقرار خبرائها بأن فرضية اجتياح مغربي لسبتة «شديدة الاستبعاد» و«بعيدة جدًا»، ثم تمضي بعد ذلك في بناء سيناريو عسكري كامل لما سيحدث إذا اندلعت الحرب.
* حرب افتراضية… لكن الأهداف حقيقية والألفاظ أخطر
يمكن للصحافة أن تناقش كل السيناريوهات، ويمكن للخبراء العسكريين أن يدرسوا أسوأ الاحتمالات، فهذا جزء من عمل الدول والمؤسسات العسكرية ومراكز التفكير، لكن السؤال يبدأ عندما تغادر هذه السيناريوهات أدراج المؤسسات العسكرية المغلقة لتتحول إلى عناوين إعلامية مثيرة من قبيل: «سنطفئ المغرب في 24 ساعة».
فما معنى أن «تطفئ» دولة يسكنها عشرات الملايين من البشر؟
وهل نحن أمام تحليل دفاعي، أم أمام خطاب استعراضي يستسهل الحديث عن حرب بين دولتين جارتين تربطهما علاقات بشرية واقتصادية وأمنية وتجارية واستراتيجية عميقة؟
الأمر لم يتوقف عند العنوان. فالجنرال الإسباني المتقاعد فرانسيسكو خوسيه غان بامبولس، المدير السابق لمركز استخبارات القوات المسلحة الإسبانية، تحدث، وفق ما نقلته الصحيفة، عن إمكانية إسقاط ما يطير، وإغراق ما يطفو، وتعطيل الموانئ والمطارات والاتصالات وروابط الطاقة وغيرها من المنشآت الحيوية المغربية إذا اندلعت مواجهة شاملة.
وهنا يصبح من المشروع التساؤل: منذ متى صار الحديث بهذه الخفة عن ضرب البنيات الحيوية لدولة جارة مجرد تمرين صحفي عادي؟
* المغرب الذي تصفه الصحيفة بالمعتدي… لم يعلن الحرب أصلًا
المفارقة الأكبر أن السيناريو كله يقوم على فرضية صنعتها المادة نفسها.
المغرب لم يعلن أنه يستعد لغزو سبتة، ولم يصدر عن مؤسساته العسكرية إعلان عن عملية عسكرية ضد إسبانيا، بل إن الخبراء الإسبان الذين استند إليهم المقال أنفسهم يؤكدون أن أي تحرك عسكري مغربي واسع سيكون صعب الإخفاء، لأن تحريك القوات المدرعة والذخائر والوقود والآليات الثقيلة سيُرصد مسبقًا بالأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة ووسائل الاستخبارات. بل إنهم يصفون فرضية الغزو بأنها «شديدة الاستبعاد».
إذن نحن أمام معادلة غريبة: احتمال شديد الاستبعاد يتحول إلى حرب كاملة، والحرب تتحول إلى قائمة أهداف، وقائمة الأهداف تتحول إلى إعلان نصر خلال أربع وعشرين ساعة.
وهنا لا يعود السؤال عسكريًا فقط، بل يصبح إعلاميًا وسياسيًا أيضًا: لماذا يحتاج جزء من الإعلام الإسباني إلى صناعة عدو مغربي كلما عاد ملف سبتة أو مليلية أو الهجرة أو التوازن العسكري في مضيق جبل طارق إلى الواجهة؟
* تحديث الجيش المغربي ليس إعلان حرب
تتوقف الصحيفة طويلًا عند تحديث القوات المسلحة الملكية المغربية، وتستعرض الطائرات المقاتلة والدبابات ومنظومات الدفاع الجوي والصواريخ والعربات المدرعة، وتعتبر أن سرعة تطوير القدرات المغربية تقلص تدريجيًا الفارق النوعي الذي تعتقد أن إسبانيا ما زالت تحتفظ به في بعض المجالات.
وهنا لا خلاف على حقيقة واضحة: المغرب يطور جيشه.
لكن منذ متى أصبح تطوير دولة لجيشها دليلًا على أنها تستعد لمهاجمة جارتها؟
إسبانيا نفسها تطور قواتها الجوية والبحرية والبرية، وتشتري الأسلحة وتحدث أنظمة الدفاع وتبني الغواصات وتقتني المقاتلات، ولا يقول المغرب إن كل طائرة إسبانية جديدة هي استعداد لقصف الرباط، أو إن كل غواصة جديدة تعني نية مهاجمة طنجة.
الدول تحمي نفسها وتطور قدراتها، والمغرب يعيش في محيط إقليمي مضطرب، وله حدود برية وبحرية طويلة، وله مصالح استراتيجية ومجال جوي ومياه إقليمية وبنيات تحتية ينبغي حمايتها، وله قضية وحدة ترابية تستنزف منذ عقود جزءًا مهمًا من جهده الدبلوماسي والدفاعي.
لذلك فإن تحويل تحديث الجيش المغربي تلقائيًا إلى مقدمة لـ«غزو سبتة» ليس تحليلًا بريئًا بالضرورة، بل قراءة تختار مسبقًا الزاوية التي تريد أن ترى منها المغرب.
* «سنطفئ المغرب في 24 ساعة»… الحرب ليست لعبة إلكترونية
أما الحديث عن «إطفاء المغرب في 24 ساعة»، فهو العبارة التي تستحق أكبر قدر من التوقف.
الحروب ليست مباريات كرة قدم، وليست ألعابًا إلكترونية يعرف اللاعب فيها مسبقًا عدد طائرات الخصم ودباباته ثم يضغط زرًا لينهي المعركة.
لا يوجد خبير عسكري جاد يستطيع أن يضمن نتيجة حرب واسعة بين دولتين خلال أربع وعشرين ساعة، لأن الحرب بمجرد اندلاعها تفتح أبوابًا لا يستطيع الطرف الذي بدأها أن يتحكم فيها كاملة: ردود عسكرية، واضطرابات اقتصادية، وتأثيرات على الملاحة والتجارة والطاقة، وتحولات دبلوماسية، وضغوط دولية، ومواقف حلفاء، وتداعيات إقليمية قد تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من الطرفين المتحاربين.
وإذا كان الهدف من عبارة «سنطفئ المغرب في 24 ساعة» هو الردع، فإن الردع الحقيقي لا يحتاج إلى الاستعراض أمام صفحات الجرائد، وإذا كان الهدف هو التحليل، فإن التحليل العسكري الجاد لا يبني نتائجه على اليقين المطلق ولا يختزل دولة كاملة وجيشًا كاملًا في أربع وعشرين ساعة.
لقد أثبتت حروب العالم الحديثة، مرارًا، أن الجداول الزمنية التي يضعها السياسيون والجنرالات قبل المعركة غالبًا ما تنهار بمجرد إطلاق الرصاصة الأولى.
* المغرب ليس جيشًا فقط
ثم هناك خطأ آخر في هذا النوع من الخطاب: اختزال المغرب في أرقام الدبابات والطائرات والصواريخ.
المغرب دولة بأكثر من ألف سنة من التاريخ السياسي، وبمجتمع ومؤسسات واقتصاد وتحالفات وموقع جغرافي بالغ الحساسية، وهو بوابة بين المتوسط والأطلسي وبين أوروبا وإفريقيا، وشريك اقتصادي وأمني أساسي لإسبانيا والاتحاد الأوروبي.
ولهذا فإن الحديث عن «إطفائه» ليس مجرد مبالغة عسكرية؛ إنه اختزال ساذج لتعقيد العلاقة بين بلدين يتقاسمان البحر والجغرافيا والتجارة والهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب ومصالح اقتصادية بمليارات اليوروهات.
فمن الذي سيُطفئ من إذا اشتعل مضيق جبل طارق فعلًا؟
ومن سيربح إذا توقفت حركة التجارة والاستثمار والنقل والتعاون الأمني وتحولت منطقة من أكثر مناطق العالم حساسية إلى جبهة عسكرية؟
في مثل هذه الحروب لا توجد دولة تضغط على مفتاح الكهرباء فتغرق جارتها في الظلام ثم تعود صباحًا إلى حياتها الطبيعية.
الجغرافيا لا تسمح بذلك، والاقتصاد لا يسمح بذلك، والعالم المعاصر أكثر تشابكًا من أن يسمح بذلك.
* وماذا عن بريطانيا التي أسقطها السيناريو من حساباته؟
لكن السيناريو الذي رسمته الصحيفة الإسبانية يترك سؤالًا استراتيجيًا كبيرًا بلا جواب: أين المملكة المتحدة من كل هذا؟ فإذا كان مضيق جبل طارق، كما تقول الصحيفة نفسها، سيصبح أحد أهم مسارح أي مواجهة محتملة، وإذا كانت الطائرات والسفن والقوات والإمدادات ستتحرك في هذا المجال البحري والجوي شديد الحساسية، فكيف يمكن رسم خريطة حرب كاملة وكأن جبل طارق مجرد اسم جغرافي لا وجود سياسيًا وعسكريًا وراءه؟
فالمملكة المتحدة تدير جبل طارق وتؤكد سيادتها عليه، وتوجد هناك منشآت عسكرية بريطانية وميناء ومطار عسكري ووحدات تابعة للبحرية والقوات البريطانية، وهو ما يجعل أي مواجهة واسعة في المضيق تتجاوز منذ اللحظة الأولى ثنائية «إسبانيا والمغرب» إلى فضاء تتقاطع فيه المصالح والسيادات والحسابات البريطانية أيضًا.
والأغرب أن «El Español» تحدثت عن أهمية المضيق وعن ضرورة إبقائه مفتوحًا، لكنها لم تتوقف جديًا عند هذا اللاعب الموجود فعليًا في قلب المنطقة؛ وكأن من السهل أن تتحول مياه المضيق وسماؤه إلى مسرح حرب بين دولتين، بينما تقف قوة عسكرية بريطانية على بعد أمتار تتفرج على الصواريخ والطائرات والسفن وهي تتحرك من حولها.
وهنا تحديدًا يظهر ضعف السيناريو الورقي: من السهل أن ترسم حربًا بين طرفين فوق الخريطة، لكن الجغرافيا الحقيقية للمضيق أكثر تعقيدًا بكثير من أن تُختزل في إسبانيا والمغرب وحدهما.
* لماذا يحتاج المغرب إلى إثبات قوته بالصراخ؟
لا يحتاج المغرب إلى الرد على عبارة «سنطفئكم في 24 ساعة» بعبارة مضادة من قبيل «سنفعل بكم كذا في ساعات».
الدول الواثقة من نفسها لا تدخل مزادات الصراخ. والمغرب، الذي راكم خلال السنوات الأخيرة قدرات عسكرية متطورة، لا يحتاج إلى نشر سيناريوهات عن قصف مدريد أو إغراق الأسطول الإسباني حتى يثبت أنه دولة قادرة على الدفاع عن نفسها.
القوة الحقيقية هي أن تكون قادرًا على الردع دون أن تحتاج إلى الحرب، وأن يعرف خصمك المفترض أن تكلفة الاعتداء عليك ستكون أكبر من كل مكاسب الاعتداء، دون أن تضطر كل صباح إلى رسم خرائط القصف على صفحات الصحف.
لهذا فالرد المغربي الأكثر قوة ليس أن نقول إننا نستطيع «إطفاء إسبانيا»، وإنما أن نقول ببساطة: المغرب لا يبحث عن حرب مع إسبانيا، لكنه كذلك ليس دولة بلا جيش ولا سيادة ولا قدرة على حماية نفسها.
* من سبتة إلى الرباط… قفزة خطيرة في السيناريو
الأكثر إثارة في المادة الإسبانية أن السيناريو لا يتوقف عند حدود الدفاع عن سبتة، بل ينتقل إلى الحديث عن معركة جوية وعن استهداف موانئ ومطارات وقواعد واتصالات وبنيات استراتيجية داخل المغرب.
وهذا فارق جوهري. لأن الدفاع عن مدينة في سيناريو افتراضي شيء، والحديث عن شل دولة بكاملها وضرب بنياتها الحيوية شيء آخر تمامًا.
وعندما يصل النقاش إلى الموانئ والمطارات والاتصالات والطاقة، فإننا لم نعد أمام مجرد حديث عن «الدفاع عن سبتة»، وإنما أمام تصور لحرب واسعة ضد المغرب.
وهنا يصبح من المشروع أن نسأل أصحاب هذا الخطاب أنفسهم: إذا كنتم تقولون إن الهجوم المغربي «شديد الاستبعاد»، فلماذا كل هذا التفصيل في كيفية ضرب المغرب؟
* التاريخ أيضًا ينصح بالتواضع
أما الثقة المطلقة في أن أي حرب ستنتهي في ساعات، فالتاريخ العسكري نفسه لا يشجع عليها.
فكم من قوة دخلت حربًا وهي تعتقد أنها ستنهيها سريعًا، ثم اكتشفت أن إسقاط طائرة أو تدمير منشأة شيء، وإخضاع دولة وإرادة شعب شيء مختلف تمامًا.
والمغرب وإسبانيا يعرفان أكثر من غيرهما أن علاقتهما ليست صفحة بيضاء، وأن التاريخ بينهما عرف الصراع كما عرف التعاون، وعرف الدم كما عرف التجارة والهجرة والتعايش.
ولهذا فإن من مصلحة البلدين ألّا يتحول الماضي إلى وقود لمن يريد صناعة المستقبل بلغة المدافع.
* سبتة ومليلية خلاف سياسي لا يحتاج إلى سيناريوهات الإبادة
هناك خلاف معروف بين المغرب وإسبانيا حول سبتة ومليلية المحتلتين، والخلافات بين الدول ليست أمرًا استثنائيًا.
لكن وجود خلاف لا يعني أن الحرب قدر محتوم، ولا أن كل مطالبة سياسية يجب أن تُقرأ باعتبارها مقدمة لتحريك الدبابات.
فالعالم مليء بالنزاعات الحدودية والسيادية التي ظلت لعقود موضوعًا للتفاوض أو الخلاف السياسي دون أن تنتهي إلى الحرب.
ولهذا فإن القفز من وجود خلاف سياسي حول المدينتين إلى سيناريو «غزو مغربي»، ثم من الغزو الافتراضي إلى «إطفاء المغرب في 24 ساعة»، يمثل سلسلة من الافتراضات التي كلما ابتعدت عن نقطة البداية أصبحت أكثر إثارة وأقل عقلانية.
المغرب جار… وليس هدفًا في ميدان للرماية.
من حق الصحافة الإسبانية أن تناقش قدرات جيش بلادها. ومن حق العسكريين المتقاعدين أن يعبروا عن آرائهم. ومن حق الإسبان أن يفكروا في أمن بلدهم كما يفكر المغاربة في أمن وطنهم.
لكن من حق المغاربة أيضًا أن يرفضوا أن تتحول بلادهم إلى هدف افتراضي للرماية، وأن يُختزل وطنهم في خريطة يضع عليها جنرال متقاعد علامات على المطارات والموانئ والاتصالات ثم يقول: «سنطفئهم في 24 ساعة».
المغرب ليس زرًا كهربائيًا حتى يُطفأ.
وإسبانيا ليست عدوًا أبديًا للمغرب حتى نرد على كل استفزاز إعلامي بخطاب حرب مماثل.
بين البلدين من المصالح المشتركة ما يجعل السلام عقلانيًا، ومن التاريخ والجغرافيا ما يجعل الصراع كارثيًا، ومن القدرة العسكرية لدى الطرفين ما يكفي كي يفهم العقلاء أن الحرب لن تكون نزهة لأحد.
والذين يرسمون على الورق انتصارًا خلال أربع وعشرين ساعة عليهم أن يتذكروا أن أسهل الحروب هي تلك التي يخوضها أصحابها داخل المقالات؛ يحددون ساعة بدايتها، ويختارون أهدافها، ويسقطون طائرات خصومهم، ويغرقون سفنهم، ثم يعلنون الانتصار قبل نهاية اليوم.
أما الحروب الحقيقية، فلا يكتب نهايتها صاحب عنوان صحفي، ولا جنرال متقاعد، ولا خبير يجلس أمام خريطة.
والأفضل لإسبانيا والمغرب معًا ألا يعرفا أبدًا من كان سينتصر في تلك الحرب الافتراضية، لأن الانتصار الحقيقي للشعبين هو ألا تقع أصلًا.
صورة تعبيرية مولّدة: حربهم من ورق… والمغرب يظل مضاءً!