2026 يونيو/جوان 28 - تم تعديله في [التاريخ]

شابة مغربية تروض معادلات الفيزياء ببصيرة الأنامل وتكسر العتمة بنغمات القيثارة

ملاك أباعوص في حوار مع "العلم": لم أكن أرى في نفسي صفة العناد بقدر ما كنت أشعر في أعماقي بميول وشغف علمي حقيقي


العلم - حاورتها شيماء اغنيوة

في عتمة هذا العالم الصاخب، حيث يظن العابرون أن الإبصار رهن عينين مفتوحتين على المدى، تأتي العزائم الاستثنائية لتعيد ترتيب أبجديات الرؤية. هناك، في تفاصيل حكاية مغربية تفيض بالاصرار، تطل الشابة ملاك أباعوص، لا لتطلب عطفا، بل لتعلن بصوتها المترع باليقين أن النور الحقيقي ينبع من الداخل، حيث لا يمكن للظلام أن يطال الروح.
 
لم تكن الطفلة ذات السنوات الخمس، وهي تودع ملامح الأشياء تدريجيا إثر عارض صحي غامض عز طبه، تعهد أن مسارها الدراسي في شعبة العلوم الفيزيائية سيكون سابقة تدرج في سجلات الإرادة. في بلد اعتادت فيه المنظومة التعليمية توجيه المكفوفين تلقائيا نحو دروب الآداب، اختارت ملاك عنادا جميلا يشبه شموخ الأطلس. لم تكن تملك لغة "برايل" العلمية لترسم لها خطوط المبيانات والكروموسومات، فاستعاضت عنها ببصيرة الأنامل، فكانت تتحسس النور في الورق البارز بلمسات مشحونة بالشغف، لتقرأ بعقلها ما عجزت عنه العين.
 
وراء هذا المجد البهي، طيف عائلة استثنائية حول البيت إلى خلية أمل، أم تبتكر وسائل القراءة منذ الطفولة الأولى، وأخت تروض لغة الرياضيات والفيزياء حبا في شقيقتها. لم تكتف ملاك بانتزاع شهادة البكالوريا بميزة حسن جداً ومعدل (16.14) من قلب العتمة والإكراهات القانونية لقاعات الامتحان، بل صاغت للحياة أبعادا أخرى، خصر يحوطه الحزام الأسود من الدرجة الثانية في رياضة "الأيكيدو" لترويض الجسد، وأنامل تداعب أوتار القيثارة في المعهد الموسيقي بالدار البيضاء لترويض الروح.
 
ملاك أباعوص.. ليست مجرد قصة نجاح عابرة، بل هي نص إنساني ملهم، يدعونا جميعا للتأمل في مساحات الضوء الكامنة فينا. وفي هذا الحوار، نفتح معها ومع شقيقتها نوافذ الحكاية، لننصت إلى دفقات من الأمل والوجع والانتصار...لنتابع.
 
ملاك، هنيئا لك ذا التميز العظيم، دعينا نعود بالذاكرة إلى البدايات، كيف بدأت حكايتك مع هذا التحدي البصري، وكيف استقبلت أنت وعائلتك تلك المرحلة الصعبة؟ 
 
في الواقع، طفولتي الأولى في مرحلة الروض كانت طبيعية جدا كأي طفل آخر. لكن، مع انتقالي إلى القسم الأول الابتدائي (في سن الخامسة)، بدأت ألاحظ أن بصري يتراجع شيئا فشيئا، كان موقفا مربكا لعائلتي، إذ رحنا نتنقل بين عيادات الأطباء والبروفيسورات عبر مختلف مدن المغرب. للأسف، شخص الجميع حالتي بالعجز، ولم يجدوا تفسيرا دقيقا أو علاجا حاسما لهذا الالتهاب الداخلي الغامض. عشنا لقرابة تسع سنوات في دوامة من تجريب الأدوية والوصفات دون جدوى، حتى وصلنا إلى قناعة جماعية بأن علينا تجاوز الأمر، وأن نتقبل هذا الواقع الجديد لننطلق منه نحو آفاق أخرى.
 
ننتقل إلى مرحلة التعليم الإعدادي ، حيث بدأت التحديات التطبيقية الحقيقية للمواد الدراسية، كيف كانت الأجواء، وكيف تفوقت بمعدل باهر في "الثالثة إعدادي"؟
 
نعم، بعد مرحلة تقبل الواقع، بدأنا العمل الفعلي والتطبيق في السلك الإعدادي، وهنا تجلت تضحيات عائلتي بشكل أكبر، شقيقتي الكبرى كانت بمثابة السند والموجه لي. كانت تتصارع وتجتهد معي لساعات طويلة لشرح مادة الرياضيات وتفكيك رموزها، والمفارقة الطريفة والمبهرة أنها أستاذة للغة الإنجليزية وليست ذات تخصص علمي! لكن حبها ورغبتها في مساندتي جعلها تبذل المستحيل معي. وبفضل هذا التلاحم العائلي، تمكنت من نيل شهادة السلك الإعدادي (التاسعة) بمعدل باهر جدا هو (17.96)، وكانت نقط المواد العلمية ممتازة جدا.
 
الحصول على معدل ممتاز في الإعدادي يضع التلميذ أمام خيار التوجيه، ومن المعروف أن هناك إكراهات تواجه المكفوفين في اختيار التخصصات العلمية بالمغرب، كيف خضت هذه المعركة؟ 
 
بالتأكيد كانت هناك إكراهات وتساؤلات من المحيط حول كيف لشخص كفيف بالكامل (100%) أن يدرس مسلكا علميا يعتمد على الخطاطات والرسوم البيانية والتجارب. ففي المغرب، لا يوجد خيار للمكفوفين لدراسة العلوم بطريقة "برايل"، حيث يوجه الأغلبية تلقائيا نحو الآداب. طرح الجميع أسئلة من قبيل: كيف ستدرس ملاك الفيزياء والمبيانات؟ لكنني كنت عنيدة بالمعنى الإيجابي للكلمة، الكل يخبرني بذلك. لم أكن أرى في نفسي صفة العناد بقدر ما كنت أشعر داخلي بميول وشغف علمي حقيقي لا يمكنني التنازل عنه. والحمد لله، كان اختياري صائبا وحصلت في الامتحان الجهوي على معدل 17.
 
سؤال: (لشقيقة ملاك الحاضرة في الحوار): تفضلت بذكر المبيانات والرسوم البيانية، وهي عصب الفيزياء وعلوم الحياة والأرض، كيف كنتم تتغلبون على هذا الإكراه البصري في غياب لغة "برايل" العلمية؟ 
 
بما أن ملاك تدرس في مسار عادي ولا توجد خيارات "برايل" علمية، كنا نعتمد على اللمس، أقوم بمعية أستاذتها برسم المبيان أو الخطاطة على الورق، ثم نضغط على الخطوط والرموز جيدا لتبدو بارزة. تبدأ ملاك بلمسها وتحسسها بأصابعها ببطء شديد حتى ترسم الصورة في مخيلتها وتقرأ المعطيات. سبحان الله، كانت تستوعب وتجيب بسرعة فائقة وبطريقة تبهرنا جميعا. كما حظيت بمواكبة أساتذة رائعين كأستاذة الفيزياء في الجذع المشترك التي ابتكرت معها طرقا استثنائية لإيصال المعلومة الفيزيائية وتبسيطها.
 
ملاك، دعينا نتحدث عن محطة البكالوريا الحاسمة، ما هي أبرز الصعوبات والظروف التي واجهتك داخل قاعة الامتحان؟
 
في البكالوريا يرتفع مستوى التحدي، لكننا لا نستسلم أبدا. من أبرز الإكراهات هي مسألة المرافق، فالقانون يفرض أن يكون المرافق الذي يكتب لك في الامتحان أصغر منك بمسار دراسي (في السنة الأولى ثانوي ) في حالتي، كانت تلميذة في مستوى الجذع المشترك من نفس مؤسستي هي من رافقتني. بالنسبة لي، الكلمة المكتوبة في ورقة الامتحان هي صوت مسموع، المرافق يقرأ لي ما في الورقة، ويشرح لي المبيانات، ثم يكتب ما أمليه عليه.
 
شقيقة ملاك (تتدخل متأثرة): نعم، وهنا تكمن الصعوبة؛ فتلميذة في الجذع المشترك يصعب عليها أحيانا استيعاب أو شرح مبيان فيزياء أو كروموسومات في علوم الحياة والأرض لتلميذة في البكالوريا، أو إيصال الفكرة بدقة. كما أن القوانين لا تسمح باستدعاء أستاذ المادة لتبسيط السؤال داخل القاعة. ورغم أن الوزارة تمنح وقتا إضافيا للمكفوفين (يتراوح بين 45 دقيقة إلى ساعة)، إلا أن المجهود يكون مضاعفا جدا ومع ذلك استطاعت ملاك انتزاع هذا المعدل المشرف.
 
المثير في قصتك ملاك، أنك لم تكتف بالتميز الدراسي بل كسرت الصورة النمطية، فأنت بطلة في رياضة دفاعية صعبة، وعازفة موسيقى أيضا، حدثينا عن هذا التنوع الإبداعي؟
 
الحياة بالنسبة لي لم تكن يوما ذات بعد واحد. شغفي بالرياضة قادني إلى عالم "الأيكيدو"، حيث تمكنت بفضل التداريب الشاقة من نيل الحزام الأسود من الدرجة الثانية (2ème Dan) في "الأيكيدو"، والدرجة الأولى الدولية في "الآيكيكاي". الرياضة علمتني الانضباط والدفاع عن النفس والثقة المطلقة. وفي المقابل، وجدت في الموسيقى ملاذي الروحي، فأنا أدرس تخصص "القيثارة" (Guitar) بالمعهد الموسيقي مولاي رشيد بالدار البيضاء. الأوتار تمنحني طاقة إيجابية وتترجم أحاسيسي ونظرتي للجمال في هذا الكون.

سؤال: ما هي أمنياتك للمستقبل ملاك، وما هي الرسالة التي تودين تركها للمسؤولين وللشباب؟
 
ملاك: أتمنى صادقة ألا يعيش من يأتي بعدي من المكفوفين نفس الصعوبات. أتمنى أن توفر لهم ظروف أكثر رفاهية وشروط أفضل، كأقلام خاصةتمكنهم من الكتابة وتحسس الحروف فورا على الورق دون مجهود مجهد. أما رسالتي للشباب: لا تجعلوا الظروف الخارجية تحدد سقف طموحاتكم. العجز الحقيقي هو عجز الإرادة، والظلام الحقيقي هو ظلام الفكر والقلب. تقبلوا تحدياتكم واجعلوا منها وقودا للتميز، فبداخل كل واحد منكم طاقة مذهلة قادرة على ترويض المستحيل، تماما كما روضت أنا معادلات الفيزياء بالقيثارة وحركات الأيكيدو!



في نفس الركن