Quantcast
2026 أكتوبر 24 - تم تعديله في [التاريخ]

شاطئ بوزنيقة ليس ملكاً لأحد… والمدينة السياحية أولى بالإنصاف

خلف أسوار الواجهة البحرية سؤال أكبر من مصير البنايات… بوشعيب حمراوي يفتح ملف بوزنيقة من الزاوية التي غابت عن صدارة النقاش: من ينصف المدينة؟


◆ شاطئ ينتظر الإنصاف… ومدينة تبحث عن مستقبلها

الكاتب بوشعيب حمراوي
الكاتب بوشعيب حمراوي
★ العلم الإلكترونية - بقلم: بوشعيب حمراوي ★
من كابانوات فوق أراضٍ للاستغلال المؤقت إلى فيلات تطالب بالبقاء… هل ينتصر التحكيم الحكومي للمصلحة العامة أم يطيل عمر الامتيازات؟

ليس كل تأجيل لقرار إداري انتصاراً للعدالة، وليس كل تعليق لعملية هدم انتصاراً للحقوق. فقد يتحول التأجيل إلى تمديد لعمر اختلال عمراني، وقد يصبح التريث، إذا طال دون مبررات قانونية واضحة، تعطيلاً لمصالح مدينة بأكملها.

هذا ما يفرض إعادة قراءة ملف الشاليهات والفيلات والكابانوات المنتشرة على الواجهة البحرية لبوزنيقة، بعيداً عن اختزال القضية في مطالب مستغلي البنايات، وبمنظور يجعل الشاطئ والمدينة وساكنتها وزوارها ومستقبلها السياحي في صدارة الأولويات.

فالسؤال الحقيقي ليس فقط: هل ستُهدم تلك البنايات؟ وإنما: متى يستعيد شاطئ بوزنيقة مكانته الطبيعية باعتباره فضاءً مفتوحاً للجميع، ورافعة للتنمية السياحية والاقتصادية والاجتماعية؟

◆ إنذارات بالإفراغ… ثم تعليق ينتظر التحكيم

خلال صيف 2026، توصل مستغلو نحو 300 شاليه وفيلا وكابانو بشاطئ بوزنيقة بإنذارات تدعوهم إلى إخلاء العقارات قبل 15 شتنبر، في إطار إجراءات إدارية ترمي إلى استرجاع أراضٍ تعتبرها الإدارة تابعة للملك العمومي.

غير أن الإجراءات توقفت بعدما أعلنت جمعية شاطئ بوزنيقة، أواخر غشت، تعليق مفعول الإنذارات في انتظار تحكيم حكومي.

وبين الإنذارات والتعليق، برز خلاف حول الطبيعة القانونية للأراضي: هل تدخل ضمن الملك العمومي البحري، كما تعتبر الإدارة، أم ضمن الملك الخاص للدولة، كما تؤكد الجمعية؟

وهو خلاف يتطلب الحسم بالوثائق والتحديد العقاري والقانون، بعيداً عن التأثيرات والضغوط.

لكن أين موقع مدينة بوزنيقة وساكنتها في هذا النزاع؟ ومن يترافع عن مستقبل واجهتها البحرية؟

◆ من كابانوات بترخيص مؤقت إلى فيلات تطالب بالبقاء الدائم

من الضروري التذكير بأن ملف الشاليهات والكابانوات بشاطئ بوزنيقة ليس وليد اليوم، ولا يتعلق بعقارات اقتناها مستغلوها بموجب رسوم ملكية فردية، وإنما ببقع أرضية وضعتها الإدارة المكلفة بالتجهيز رهن الاستغلال المؤقت، مقابل واجبات مالية دورية.

فقد كانت التراخيص تُجدد في البداية كل خمس سنوات، قبل أن تُبرم سنة 1994 اتفاقية مكنت المستغلين من الاستفادة من مدة احتلال مؤقت امتدت إلى عشرين سنة، انتهت سنة 2014، دون أن توافق الوزارة على تجديدها، وفق المعطيات الصحفية المنشورة.

ومنذ ذلك التاريخ، استمر استغلال عدد من هذه العقارات والبنايات، رغم انتهاء التراخيص وعدم أداء الواجبات السنوية، بحسب المصادر نفسها.

والأكثر إثارة للتساؤل أن بعض الكابانوات البسيطة تحولت، مع مرور السنوات، إلى فيلات وإقامات فاخرة، رغم أن الأصل كان مجرد ترخيص مؤقت للاستغلال، وليس تفويتاً نهائياً للأرض.

وهنا تبرز أسئلة تستوجب أجوبة رسمية:

كيف تحول الترخيص المؤقت عملياً إلى استغلال يمتد لعقود؟ ولماذا لم تُسوَّ الوضعيات القانونية والمالية منذ سنة 2014؟ وهل ترتبت مستحقات مالية لفائدة الدولة؟ وما قيمتها؟ ومن المسؤول عن استمرار هذا الوضع؟

إن انتهاء الترخيص لا يعني تلقائياً استمرار استحقاق واجباته بالشروط نفسها، لكنه يستوجب توضيح الوضعية القانونية والمالية للاستغلال اللاحق.

والأهم أن مرور الزمن لا ينبغي أن يتحول وحده إلى مبرر لاكتساب امتياز دائم على حساب المصلحة العامة.

◆ البحر للجميع… وليس امتيازاً يتوارثه البعض

من حق كل مواطن أن يستفيد من البحر، وأن يصل إلى الشاطئ عبر ممرات مفتوحة وآمنة، وأن يجد فضاءات للراحة والترفيه دون عراقيل غير قانونية.

لكن من غير المقبول أن تتحول المواقع الساحلية المتميزة إلى امتيازات شبه دائمة لفائدة فئات محدودة، بينما يبحث آلاف المواطنين عن منفذ مريح إلى البحر.

ولا يعني استغلال عقار منذ عشرات السنين أن حق الاحتلال المؤقت يتحول تلقائياً إلى ملكية أبدية.

فالشاطئ ليس مجرد قطع أرضية قابلة للاستغلال، وإنما ثروة طبيعية وجماعية، ومكون أساسي من التراث البيئي والاقتصادي والاجتماعي للمدينة.

والإنصاف الحقيقي يقتضي أن تكون المصلحة العامة هي المرجع، وأن تحظى حقوق جميع المواطنين بالاهتمام نفسه الذي تحظى به مطالب مستغلي البنايات.

◆ بوزنيقة مدينة سياحية… لكنها لم تستثمر كل مؤهلاتها

تتميز بوزنيقة بموقع استراتيجي بين الدار البيضاء والرباط، وبقربها من المحمدية وبنسليمان، وبواجهة أطلسية تؤهلها لتكون قطباً سياحياً وطنياً متميزاً.

لكن المؤهلات الطبيعية لا تصنع وحدها مدينة سياحية ناجحة.

فالمدينة تحتاج إلى واجهة بحرية منظمة، وطرق وممرات مهيأة، ومواقف للسيارات، ومرافق صحية، ومساحات خضراء، وفضاءات للأطفال، ومطاعم ومقاهٍ وخدمات تليق بالزوار.

وتحتاج أيضاً إلى استثمارات توفر فرص الشغل للشباب، وتنعش التجارة والخدمات، وتساهم في تحسين المداخيل المحلية.

إن بوزنيقة لا تحتاج إلى مجرد هدم بنايات وتعويضها ببنايات أخرى، وإنما إلى تصور سياحي وحضري شامل يعيد تنظيم العلاقة بين المدينة وشاطئها، ويجعل من السياحة رافعة للتنمية المستدامة.

◆ لا نريد هدم الكابانوات لبناء امتيازات جديدة

إذا كان استرجاع الواجهة البحرية سيفتح الباب أمام مشاريع سياحية واستثمارية، فإن ذلك قد يشكل فرصة لإعادة تأهيل المنطقة.

لكن شريطة ألا ننتقل من استغلال محدود للشريط الساحلي إلى احتكار استثماري جديد، يجعل البحر حكراً على زبناء المركبات السياحية والإقامات المغلقة.

فالاستثمار مرحب به، وطنياً كان أو أجنبياً، ما دام يحترم القانون والبيئة والمصلحة العامة، ويوفر قيمة مضافة حقيقية للمدينة.

أما أن تتحول عملية تحرير المجال الساحلي إلى مجرد تغيير لأسماء المستفيدين منه، دون تغيير جوهري في علاقة المواطنين بشاطئهم، فذلك لن يكون إصلاحاً حقيقياً.

نريد مشاريع تجعل الشاطئ أجمل وأكثر انفتاحاً، لا مشاريع ترفع أسواراً جديدة بين المواطنين والبحر.

◆ القانون لا ينبغي أن يتوقف عند أبواب أصحاب النفوذ

من حق كل مستغل لعقار أن يدافع عن وضعيته القانونية أمام الإدارة والقضاء، وأن يقدم الوثائق التي يعتقد أنها تثبت حقوقه.

لكن لا ينبغي أن تتحول المكانة الاجتماعية أو القدرة على الترافع إلى أسباب تمنح البعض معاملة استثنائية لا يستفيد منها غيرهم.

لقد شهدت مدن مغربية عمليات إفراغ وهدم طالت مساكن ومحلات ومرافق مختلفة، وكانت تُبرَّر بتحرير الملك العمومي أو إعادة التهيئة أو إنجاز مشاريع ذات منفعة عامة.

ولذلك فإن تعليق إجراءات بوزنيقة يطرح سؤال المساواة في تطبيق القانون.

فإذا كانت هناك أخطاء في التحديد العقاري أو المساطر، وجب تصحيحها. وإذا ثبتت حقوق للمستغلين، وجب احترامها. أما إذا ثبت انتهاء سند الاستغلال وعدم وجود حق قانوني في البقاء، فلا ينبغي أن يصبح طول مدة الانتفاع سبباً لتعطيل استرجاع العقارات.

إن هيبة القانون لا تُقاس بسرعة الهدم، وإنما بعدالة القرارات ووضوح المساطر والمساواة بين المواطنين.

◆ الهدم وحده لا يصنع التنمية

إن إزالة البنايات، متى ثبتت قانونية الإزالة، ليست غاية في حد ذاتها.

فالمدينة لن تستفيد من تحويل الشاطئ إلى فضاء مليء بالأنقاض، أو ترك الأراضي المحررة عرضة للإهمال والتلوث والاستغلال العشوائي.

لذلك ينبغي أن يرتبط أي قرار بالهدم ببرنامج واضح لإعادة التهيئة، يحدد المشاريع والتمويل والمسؤوليات والآجال.

كما يجب أن يشمل البرنامج معالجة الاختلالات البيئية، وتنظيم الأنشطة التجارية، وتأهيل المداخل والممرات، وتحسين النظافة والإنارة والأمن والخدمات.

والأهم أن يصبح الشاطئ امتداداً طبيعياً للمدينة، وليس منطقة تنتعش صيفاً وتدخل في ركود بقية السنة.

◆ أين صوت المدينة وساكنتها؟

ركز جانب كبير من النقاش الإعلامي على مطالب مستغلي الشاليهات، وعلى مواقف جمعيتهم واتصالاتها بالجهات الحكومية.

لكن أين صوت ساكنة بوزنيقة؟ وأين تصورات التجار والمهنيين والشباب والجمعيات البيئية والثقافية؟ وأين موقع المجلس الجماعي في رسم مستقبل الواجهة البحرية؟

إن مصير شاطئ بوزنيقة لا ينبغي أن يتحدد حصرياً من خلال نقاش بين الإدارة ومستغلي العقارات.

فالأمر يتعلق بمستقبل مدينة، وبفرص اقتصادية واجتماعية، وبحق الأجيال القادمة في الاستفادة من فضاء طبيعي يجب الحفاظ عليه.

ولهذا فإن المطلوب فتح نقاش عمومي حول مستقبل الشاطئ، وإطلاع المواطنين على المشاريع المرتقبة، وإشراك ممثلي المدينة وفعالياتها في إعداد التصور التنموي.

◆ أنصفوا بوزنيقة… قبل أن تنصفوا البنايات

ليس المطلوب الانتقام من مستغلي الشاليهات والكابانوات، ولا حرمان أي شخص من حقوق ثابتة يمنحها له القانون.

وإنما المطلوب ألا تتحول وضعيات فردية، مهما كانت قديمة، إلى عائق دائم أمام تأهيل مدينة واسترجاع المجال العام وحسن تدبيره.

إن بوزنيقة تستحق واجهة بحرية تليق بموقعها ومؤهلاتها، ومشاريع سياحية تخلق فرص العمل وتنعش اقتصادها، وفضاءات نظيفة وآمنة ومتاحة لجميع المواطنين.

وتستحق، قبل كل شيء، قراراً واضحاً يحسم النزاع العقاري وفق القانون، ويضع حداً لحالة الانتظار التي قد تجعل المدينة تدفع ثمن استمرار الوضع القائم.

فليس من العدل أن يتحول البحر إلى موضوع نزاع دائم، ولا أن يبقى مستقبل المدينة معلقاً بين إنذارات بالإفراغ وقرارات بتأجيلها.

أنصفوا شاطئ بوزنيقة، وأنصفوا مدينته وساكنتها وزوارها وأجيالها القادمة.

فالبنايات يمكن إعادة تشييدها في مواقع ملائمة، والاستثمارات يمكن توجيهها وتنظيمها، والمصالح الخاصة يمكن تدبيرها وفق القانون.

أما الشاطئ، فلا يمكن نقله إلى مكان آخر، ولا يجوز التضحية بمستقبله لتكريس امتيازات الماضي أو صناعة امتيازات جديدة.

فبوزنيقة ليست مجرد شاليهات تنتظر مصيرها… إنها مدينة سياحية تنتظر إنصافها.

بين البنايات الساحلية وحق الولوج إلى البحر يبرز سؤال إنصاف المدينة
بين البنايات الساحلية وحق الولوج إلى البحر يبرز سؤال إنصاف المدينة

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار