2026 شتنبر 1 - تم تعديله في [التاريخ]

شباب على الهامش: «حين يتحول العزوف إلى إنذار»

هل عزوف الشباب عن السياسة مجرد اختيار، أم إنذار بخلل عميق في المنظومة الحزبية؟ تفكك الدكتورة أسماء لمسردي المفارقة بين رغبة الشباب المغربي في التغيير وواقع يتعامل معهم كـ "مجرد رقم انتخابي". مقال يضع الجميع أمام مسؤولياته لإعادة بناء الثقة وتمكين جيل المستقبل من صناعة القرار فعلياً.


الدكتورة أسماء لمسردي

*بقلم: الدكتورة أسماء لمسردي*

ليست مشكلة الشباب المغربي مع السياسة أنهم لا يفهمونها، ولا لأنهم فقدوا الرغبة في صناعة مستقبل بلدهم. المشكلة أعمق من ذلك بكثير: هناك مسافة تتسع بين جيل شاب يريد أن يرى أثره في القرار العمومي، وبين منظومات حزبية ما تزال، في كثير من الأحيان، تتعامل معه باعتباره رقما انتخابيا، أو جمهورا موسميا، أو واجهة شبابية تستدعى عند الحاجة ثم تعود إلى الصفوف الخلفية.

وهنا بالضبط تكمن المفارقة. كيف يمكن لبلد يريد تجديد نخبه السياسية، وتقوية مؤسساته، وبناء ديمقراطية أكثر حيوية، أن يقبل بأن تظل مشاركة الشباب في الحياة السياسية ضعيفة إلى هذا الحد؟ وكيف يمكن للأحزاب أن تتحدث عن المستقبل وهي عاجزة عن منح جيل المستقبل مكانا حقيقيا داخل هياكلها وقراراتها؟

المسألة ليست في أن نضع شابا في صورة انتخابية، أو أن نمنحه مقعدا رمزيا، أو أن ننشئ تنظيما شبابيا داخل حزب ثم نطلب منه التصفيق للقيادة. المشاركة السياسية الحقيقية تعني أن يكون للشاب حق السؤال والاقتراح والاعتراض والمنافسة وتحمل المسؤولية. وما دون ذلك ليس تمكينا، بل إدارة للواجهة.

فواقع مشاركة الشباب في السياسة يكشف مفارقة صعبة التجاهل: نسبة الشباب المنخرطين في الأحزاب السياسية أو المؤسسات النقابية لا تزال محدودة جدا، في وقت يميل فيه جزء متزايد من الشباب إلى شبكات التواصل الاجتماعي وأشكال التعبير غير المؤسساتية. وفي تقرير حديث للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، لم تتجاوز نسبة الشباب الذين كانت لهم عضوية في حزب سياسي أو مؤسسة نقابية واحدا في المائة.

لكن تحميل الشباب وحدهم مسؤولية هذا الوضع سيكون تهربا من الحقيقة. فمن غير المنطقي أن نطالب شابا بالانخراط في حزب لا يجد فيه مساحة حقيقية للتعبير، أو أن نطلب منه الثقة في خطاب سياسي لا يلمس تفاصيل حياته اليومية. البطالة، التعليم، الصحة، السكن، تكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية ليست عناوين انتخابية بالنسبة إلى الشباب؛ إنها تفاصيل حياتهم ومستقبلهم.

الأحزاب السياسية مطالبة، قبل غيرها، بمراجعة علاقتها بهذه الفئة. فلا يمكن استقطاب الشباب بالخطاب نفسه، والآليات نفسها، والوجوه نفسها، ثم الاستغراب من العزوف. الحزب الذي لا يتيح التداول الداخلي، ولا يفتح أبواب المسؤولية أمام الكفاءات الشابة، ولا يسمح بتجديد خطابه وأدواته، لا يحق له أن يشتكي من ابتعاد الشباب عنه.

والدولة بدورها مطالبة بألا تختزل المشاركة السياسية للشباب في إجراءات انتخابية أو تحفيزات للترشح. صحيح أن المنظومة الانتخابية تتضمن اليوم مقتضيات لدعم تمثيلية الشباب وتيسير ولوجهم إلى الحياة السياسية، بما في ذلك تبسيط بعض شروط ترشح الشباب غير المنتمين إلى الأحزاب، وتشجيع حضورهم في تأسيس الأحزاب. لكن القوانين، مهما كانت مهمة، لا تستطيع وحدها صناعة الثقة.

أما الشباب، فعليهم أيضا أن يدركوا أن العزوف ليس دائما موقفا احتجاجيا منتجا. الانسحاب الكامل من السياسة يترك المجال للآخرين كي يقرروا باسمهم. ومن يرفض المشاركة في صناعة القرار لا يفقد فقط فرصة التأثير، بل قد يجد نفسه لاحقا أمام قرارات لم يساهم في صياغتها، ثم يكتشف أن الاحتجاج على نتائجها أكثر كلفة من المشاركة في صناعة أسبابها.

المطلوب إذن ليس أن نقنع الشباب بحب السياسة، أو المشاركة فيها دون ضمانات وقناعات حقيقية، ودون إشراك فعلي لهم في العملية السياسية، وإنما أن نعيد السياسة إلى معناها الحقيقي: مجالا للتكوين والتأطير، وفضاء للنقاش والتربية السياسية، ووضع الشباب في صلب البرامج الحزبية والانتخابية، وجعل قضاياهم هما حقيقيا في البرامج السياسية. فبناء الثقة لا يأتي من فراغ، وإنما من عمل جاد ومسؤول.

إن أزمة المشاركة السياسية للشباب ليست أزمة شباب فقط؛ إنها امتحان للنظام الحزبي وللمؤسسات وللثقافة الديمقراطية برمتها. وإذا كان المغرب يريد أن يراهن فعلا على شبابه، فعليه أن يمنحه أكثر من مقاعد رمزية وصور انتخابية. عليه أن يمنحه فرصة حقيقية ليكون شريكا في القرار.

فالشباب لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه بقدر ما يحتاج إلى أن يسمح له بأن يتحدث بنفسه. والسياسة التي تغلق أبوابها أمام جيل كامل لا تستطيع أن تدعي أنها تستعد للمستقبل.



في نفس الركن