2026 شتنبر 13 - تم تعديله في [التاريخ]

شتّان بين المعارض والمُغرِض.. نقد يبني الوطن وحقد مأجور تحوّل إلى مرض

حين يتحول الغضب إلى مصدر دخل، والخصام إلى صندوق أسرار، والتسريب إلى مصنع لـ«الحقائق الحصرية»… يفتح الكاتب «بوشعيب حمراوي» ملف منصات لا تكاد ترى في المغرب إلا فضيحة مؤجلة، ويسأل: أين تنتهي المعارضة المشروعة، وأين تبدأ تجارة الإساءة إلى الوطن؟


حين تفقد المعارضة معناها ويصبح الوطن هو الهدف

الكاتب «بوشعيب حمراوي»
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
جيراندو و«الفرشة» والتسريبات الأخيرة.. خلافات تكشف الوجه الآخر لمنصات جعلت المغرب مادة يومية للاتهامات والإثارة المجانية

لا أحد يملك حق احتكار الوطنية، كما لا أحد يملك حق احتكار المعارضة، ولا ينبغي لوطن يريد أن يتقدم أن يخشى النقد، أو أن يعتبر كل من اختلف مع حكومة أو مسؤول أو مؤسسة خصمًا للدولة؛ لأن المعارضة الجادة جزء من قوة المجتمعات، والصحافة الناقدة ضرورة للإصلاح.

فالحقوقي الذي يكشف التجاوز، والمواطن الذي يحتج على الفساد أو الظلم أو سوء التدبير، والصحفي الذي يلاحق الخلل بالحجة والوثيقة، جميعهم يؤدون أدوارًا يحتاج إليها المغرب أكثر مما يحتاج إلى أصوات التصفيق والمجاملة.

لكن شتّان بين معارض يحمل فكرة ومشروعًا وحجة، وبين مُغرِض لم يعد يرى في المغرب سوى مادة يومية للسب والقذف والتشهير والإثارة.

وشتّان بين من ينتقد وطنه لأنه يريده أفضل، وبين من يبدو وكأنه لا يستطيع الاستمرار في فضائه الرقمي إلا إذا ظل المغرب، في روايته، بلدًا أسود، وكل مؤسساته مشبوهة، وكل مسؤوليه متهمين، وكل ما يقع داخله مؤامرة أو فضيحة تنتظر عنوانًا صادمًا وفيديو جديدًا.

هنا لا تعود المسألة خلافًا سياسيًا، بل تتحول إلى سؤال أخلاقي ومهني ووطني كبير: متى تنتهي المعارضة ويبدأ الاستهداف؟ ومتى ينتهي النقد وتبدأ تجارة الإساءة؟

* عارضوا الحكومة كما تشاؤون… لكن المغرب ليس حكومة

يمكن لأي مغربي أن ينتقد الحكومة صباح مساء، وأن يختلف مع رئيسها ووزرائها، وأن يكشف إخفاقاتها ويطالب برحيلها عبر المؤسسات والانتخابات.

كما يمكنه انتقاد البرلمان ومجالس الجماعات والإدارة والأحزاب والمسؤولين. بل إن الدفاع الحقيقي عن المغرب يقتضي ألا نسكت عن الفساد والمحسوبية والريع والظلم وسوء التدبير.

غير أن الخطأ الفادح يبدأ عندما يصبح فشل وزير فشلًا للمغرب كله، وخطأ مسؤول ذريعة لإدانة مؤسسات الدولة مجتمعة، وتتحول الخصومة مع شخص إلى عداء معلن للوطن ورموزه.

المغرب أكبر من حكومة، وأقدم من حزب، وأعمق من مرحلة سياسية عابرة، وسيبقى بعد ذهاب الوزراء ورؤساء الحكومات والبرلمانيين والمسؤولين.

ولذلك، فإن من حقنا أن نختلف في الداخل، لكن ليس من حق أحد أن يحوّل وطنًا بكامله إلى كيس ملاكمة رقمي، حتى يضمن ارتفاع أعداد المشاهدات والتعليقات.

* والملك محمد السادس ليس مادة لـ«الترند»

أقولها بوضوح: دفاعي عن المغرب يشمل دفاعي عن ملك البلاد، محمد السادس، وعن المؤسسة الملكية التي أعتبرها ركيزة مركزية في استقرار الدولة ووحدتها واستمراريتها. وهذا موقف رأي أتحمل مسؤوليته ولا أخفيه.

لكن الدفاع عن الملك لا يعني منع النقاش بشأن المؤسسة الملكية، ولا اتهام كل من يختلف معها بالخيانة.

فمن أراد مناقشة صلاحيات الملكية، فليفعل بالفكر والدستور والسياسة. ومن أراد اقتراح إصلاح دستوري، فليقدم مشروعه. ومن كانت له ملاحظة بشأن قرار أو توجه، فليطرحها بالحجة.

أما الشتيمة فليست مشروعًا دستوريًا، والقذف ليس معارضة، والتطاول الشخصي لا يجعل صاحبه مناضلًا، وإطلاق الكلام الساقط في حق رأس الدولة أو أي شخص آخر لا يتحول إلى حرية تعبير، لمجرد أن صاحبه يبثه من كندا أو أوروبا.

الحرية تحمي الرأي، لكنها لا تجعل الادعاء المجرد من الدليل حقيقة، ولا تحول السفاهة إلى بطولة.

* عندما يصبح الغضب مشروعًا اقتصاديًا

لقد غيرت المنصات الرقمية قواعد اللعبة؛ فلم يعد النجاح دائمًا مرتبطًا بجودة المعلومة أو عمق التحليل، بل أصبح الغضب والصدمة والفضيحة من أسرع الطرق لجلب الانتباه.

فالعنوان الأكثر استفزازًا يجلب النقرات، والاتهام الأخطر يولد التعليقات، والخصومة ترفع أعداد المتابعين، والمواجهة اليومية تمنح صاحب المنصة مادة لا تنتهي.

وهكذا يمكن أن يولد ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الغضب»، حيث يصبح المطلوب كل يوم شخصية جديدة، وفضيحة جديدة، و«قنبلة» جديدة، ومصدر مجهول جديد يخبرنا بأن شيئًا خطيرًا سيحدث، ثم تمر الأيام ولا يظهر من الدليل ما يوازي حجم الاتهام.

وحين تتحول المشاهدات إلى أرباح وإعلانات وتبرعات ومداخيل، يصبح السؤال مشروعًا: هل ما زالت الغاية إعلام الناس، أم أصبحت إبقاء الجمهور في حالة غضب دائم، لأن الغضب نفسه تحول إلى منتج قابل للبيع؟

أما الحديث عن تلقي بعض المنصات تمويلًا من جهات معادية أو من خصوم للمغرب، فلا ينبغي إهماله أو تحويله إلى اتهام مرسل في الاتجاه المعاكس.

المطلوب هو كشف مصادر تمويل المنصات السياسية المؤثرة التي تحوم حولها الشبهات، والبحث في مصادر بعض المعلومات المتداولة، والتحقق مما إذا كان أصحابها يتلقون تمويلًا خارجيًا موجهًا للإضرار بالمغرب.

ومن يملك دليلًا على هذا التمويل، فعليه أن يقدمه إلى القضاء والرأي العام؛ لأن مواجهة الادعاء لا تكون بادعاء مضاد، وإنما بالوثائق والحجج والمساطر القانونية.

* جيراندو و«الفرشة»… عندما يكشف خصوم اليوم أسرار الأمس

الخلاف الذي أصبح علنيًا بين هشام جيراندو وعبد المجيد تونارتي، المعروف بلقب «الفرشة»، لم يعد مجرد مشادة عابرة على مواقع التواصل.

فقد تحدثت مواد صحفية منشورة مطلع شتنبر عن مواجهة رقمية متعفنة ومتبادلة بين الرجلين، بعد مرحلة سابقة من التقارب، مصحوبة باتهامات ثقيلة يكيلها كل طرف للآخر.

ولا أريد أن أصدق تلقائيًا ما يقوله جيراندو عن «الفرشة»، ولا ما يقوله «الفرشة» عن جيراندو؛ لأن الخصومة ليست دليلًا.

لكنني أتوقف أمام سؤال بسيط: إذا كان كل واحد منهما يعرف اليوم كل هذه الأمور الخطيرة عن الآخر، فأين كانت هذه الحقائق حين كانت العلاقة بينهما حميمية؟

فإذا كانت تلك الاتهامات صحيحة، فلماذا كان الصمت عنها طوال فترة التقارب؟ وإذا كانت غير صحيحة ووُلدت فقط بعد الخصام، فما الذي يضمن للجمهور أن الاتهامات الموجهة إلى الآخرين لا تخضع للمنطق نفسه؟

هذه ليست إدانة لأحد، بل قاعدة بسيطة في تقييم المصداقية: من يريد من المغاربة تصديق اتهاماته لمسؤولي دولتهم، عليه أولًا أن يقبل بأن يفحص المغاربة مصداقيته بالصرامة نفسها.

* أحكام كندية تؤكد أن للتعبير حدودًا حتى في كندا

من المفيد تذكير من يصور الأمر كأنه صراع بين «حرية كندية» و«تضييق مغربي» بأن القضاء الكندي نفسه سبق أن أصدر أحكامًا ضد جيراندو في قضايا مرتبطة بالتشهير.

ففي ماي 2026، أصدرت المحكمة العليا في كيبيك حكمًا قضى بحذف منشورات ومقاطع فيديو اعتبرتها تشهيرية في حق مسؤولين مغربيين، مع إلزام جيراندو بأداء تعويضات مالية.

وسبقت ذلك أحكام أخرى خلال سنة 2025 في قضايا تشهير عرضت أمام القضاء الكندي، وانتهت إلى تعويضات وعقوبات وأوامر قضائية مختلفة.

إذن، القضية ليست أن المغرب لا يحتمل النقد؛ فحتى النظام القانوني في بلد إقامة المعني بالأمر يضع حدودًا فاصلة بين حرية التعبير وبين المساس غير المشروع بسمعة الأشخاص.

وهنا بالضبط تكمن قوة الدليل: لسنا أمام رأي كاتب مغربي وحده، بل أمام أحكام قضائية صدرت في الدولة التي يعيش فيها المعني بالأمر.

* والتسريبات الأخيرة تفتح بابًا أخطر

ثم جاءت التسجيلات الصوتية المتداولة والمنسوبة إلى الحسين المجدوبي وهشام جيراندو، لتطرح أسئلة من نوع آخر.

فقد تحدثت تقارير منشورة يوم 7 شتنبر عن نقاشات تتعلق باقتراح موضوعات وزوايا لمعالجتها، وتحويل معطيات إلى محتوى موجه للمنصات الرقمية.

وبما أن هذه التسجيلات ما زالت متداولة بوصفها تسجيلات «منسوبة» إلى المعنيين، ولم يثبت أمام القضاء ما يكفي للجزم بصحتها وسياقها الكامل، فإن التعامل المهني معها يقتضي عدم تقديمها باعتبارها حقيقة قضائية نهائية.

لكن ما نُشر منها يكفي لطرح أسئلة مشروعة بشأن الكيفية التي تُصنع بها بعض المضامين التي تقدم إلى الجمهور باعتبارها «حقائق حصرية».

هل صاحب المنصة يحقق بنفسه؟

ومن يزوده بالمعلومات؟

ومن يقترح عليه الموضوع وزاوية معالجته؟

وهل يجري التحقق من المعطيات قبل تحويلها إلى اتهامات؟

ومن يتحمل المسؤولية عندما يتبين أن المعلومة غير صحيحة؟

هذه أسئلة أهم بكثير من الشتائم المتبادلة؛ لأنها تمس جوهر صناعة المحتوى ومصداقيته، وتحدد ما إذا كنا أمام عمل إعلامي يبحث عن الحقيقة، أم أمام عملية منظمة لصناعة رواية جاهزة وتسويقها إلى الجمهور.

* لا تسيئوا إلى مغاربة العالم بسبب بضعة أصوات

وفي مقابل ذلك كله، من الظلم أن نجعل من جيراندو أو «الفرشة» أو غيرهما عنوانًا لمغاربة المهجر.

فالجالية المغربية في كندا وأوروبا وباقي أنحاء العالم تضم كفاءات وعمالًا وأطباء ومهندسين وأساتذة وطلبة ومستثمرين ومواطنين يحملون وطنهم في قلوبهم، وينتقدونه أحيانًا لأنهم يريدون له الأفضل.

لذلك، فإن معركتنا ليست مع مغاربة الخارج، بل مع خطاب محدد، أينما صدر، يحاول تحويل الإساءة والتشهير والاتهام غير الموثق إلى مهنة يومية.

والمغربي المقيم في الخارج لا تقل وطنيته لأنه ينتقد مسؤولًا، كما لا تزيد وطنية غيره لأنه يصفق لكل قرار. المعيار هو الصدق والمسؤولية واحترام الدليل وحق الآخرين في السمعة والرد.

* أعطونا الدليل بدل الصراخ الرقمي

إذا كان مسؤول فاسدًا، فاكشفوا فساده.

وإذا كانت لديكم وثائق، فانشروها في إطار القانون.

وإذا كنتم تملكون مشروعًا سياسيًا، فقدموه إلى المغاربة.

وإذا كنتم تعارضون الملكية، فناقشوها بالفكر والدستور والسياسة.

أما أن نقضي الساعات في السب واللغو والحشو والسفاهة والميوعة والإثارة، ثم نضع فوق كل ذلك لافتة «المعارضة»، فإننا نهين المعارضة نفسها قبل أن نسيء إلى المغرب.

فالمعارضة الجادة لا تحتاج إلى الشتائم كي تكون قوية، والصحافة الحقيقية لا تحتاج إلى القذف كي تجذب القراء، والفضيحة التي تدعمها الوثائق لا تحتاج إلى الزعيق حتى تصبح فضيحة.

الدليل يتحدث بقوته، أما الصراخ فيرتفع غالبًا حين يضعف الدليل.

* المغرب لا يخشى النقد… لكنه يستحق أن يُدافع عنه

لن يصبح المغرب أفضل بالتصفيق الدائم، كما لن يصبح أفضل بمن يحوله إلى جحيم يومي على شاشة هاتف.

فالوطن يحتاج إلى من ينتقد أخطاءه، ويكشف عيوبه، ويحمي صورته في الوقت نفسه؛ لأن نقد البيت لإصلاحه شيء، وهدمه فوق رؤوس أهله شيء آخر.

ولهذا، فإن رسالتي ليست إسكات المعارض، بل دعوته إلى أن يكون معارضًا فعلًا؛ لأن المعارضة موقف وحجة وبديل، أما الحقد فلا برنامج له، والشتيمة لا تبني دولة، والتشهير لا يصنع ديمقراطية، والمشاهدات لا تحول الكذب إلى حقيقة.

ويبقى السؤال أمام كل من جعل المغرب وملكه ومؤسساته موضوعًا يوميًا لمنصته:

هل تريدون فعلًا إصلاح المغرب، أم أنكم تخشون مغربًا أكثر إصلاحًا واستقرارًا ونجاحًا، لأنه سيحرمكم من مادة الغضب التي تعيش عليها منصاتكم؟

نحن سننتقد بلدنا عندما يخطئ، وسندافع عنه عندما يُظلم، وسنطالب بإصلاح مؤسساته حين تحتاج إلى الإصلاح، وسنقف ضد من يحاول الإساءة إليها بلا دليل؛ لأن الوطنية ليست صمتًا، والمعارضة ليست شتيمة.

وشتّان، ثم شتّان، بين معارض يحمل وطنه وهو ينتقده، ومُغرِض لا يرى في الوطن إلا غرضًا يصوب إليه كلما احتاج إلى فيديو جديد.

المغرب بين النقد البنّاء والتشهير الرقمي



في نفس الركن