☰
2026 أكتوبر 6 - تم تعديله في [التاريخ]

شرود... بحثًا عن بديل لعالمنا القذر

حين يزدحم العالم بالبشر ويغيب عنه الإنسان، يصبح الشرود بحثًا عن ملاذ للروح، في «دمعة» أدبية، يصوغ بوشعيب حمراوي وجع الدم والدموع والعرق، ويحلم بمدينة لا تسأل الجائع عن عقيدته ولا الغريق عن وطنه، ليضعنا أمام سؤال يختبر ما بقي فينا من إنسانية.


بين ركام الحروب وحلم الرحمة… الكاتب بوشعيب حمراوي يبحث عن الإنسان
*دمعة: بوشعيب حمراوي*
 
معذرةً إن أطلتُ الشرود...
معذرةً إن غادرتكم قليلًا،
وإن أفلتُّ من زحمة الشوارع،
ومن ضوضاء أبناء آدم وبنات حواء،
ومن عالمٍ امتلأ بالبشر حتى ضاق بالإنسان
.

معذرةً إن صوّبتُ منظاري،
وكل ما أملك من فكرٍ ووجدان،
نحو عالم آخر...
عالمٍ افتراضي ربما،
لكنه أنظف من واقعنا،
وأرحم من مدننا،
وأصدق من خطاباتنا،
وأكثر إنسانية من هذا العالم الذي أتقن فيه البشر كل شيء...
إلا أن يكونوا بشرًا.

فأنا تعبت من بشرٍ يدعمون بشرًا
من أجل قتل بشر.
ومن بشرٍ يبيعون السلاح لبشر،
ثم يرسلون برقيات التعزية إلى أهل البشر.
ومن بشرٍ يخططون في غرفٍ مكيّفة
كيف يجوع بشر،
وكيف يُحاصَر بشر،
وكيف يُهجَّر بشر،
وكيف تختفي مدن كاملة من خرائط البشر.

تعبت من بشرٍ يتواطؤون مع بشر
للنيل من بشر.
ومن بشرٍ يستعبدون بشرًا،
ويستنزفون عرق بشر،
ويسرقون خبز بشر،
ثم يقفون أمام الكاميرات ليحدثونا عن
حقوق البشر.
يا لهؤلاء البشر!
ما أكثرهم...
وما أقل الإنسان فيهم.

كنت هناك...
في عالمي الذي لم يولد بعد،
أبني مدينة لا تحتاج إلى مركز شرطة،
لأن أحدًا لا يخيف أحدًا.
ولا تحتاج إلى محكمة،
لأن القوي لا يأكل حق الضعيف.
ولا تحتاج إلى سجون،
لأن الحرية لا تتحول فيها إلى جريمة.
ولا تحتاج إلى حراسٍ في الأبواب،
ولا كاميرات في الأزقة،
ولا أضواء عمومية ترصد اللصوص والمنحرفين،

لأن الليل فيها لا يخيف النساء،
ولا يرعب الأطفال،
ولا يغري الذئاب البشرية.
عالم لا مكان فيه لسماسرة
يتاجرون بأوجاع الناس،
ولا لوسطاء
يقتاتون من حاجة الفقراء،
ولا لمحتكرين
يشعلون الأسواق ثم يبيعون للناس ماء إطفاء الحرائق.

عالم تصبح فيه كلمات:
سلطة، وأمن، ودرك، وسجن، وحاجز،
ومراقبة، ووصاية...
مصطلحات من زمن سحيق،
محفوظة في متحف الذاكرة البشرية،
يقف أمامها أطفال المستقبل مستغربين ويسألون:
أحقًا كان الإنسان يخاف الإنسان؟
وأخفض رأسي خجلًا...
لأن الجواب سيكون:
نعم.
كان الإنسان يخاف أخاه الإنسان.

كنت هناك...
أتأمل أعظم ما في أجسادنا من سوائل مقدسة:
الدم... والدموع... والعرق.
ثلاثة أنهار صغيرة
تختصر كل حكاية الإنسان.
دمٌ... يحمل الحياة.
ودموعٌ... تحمل الألم والفرح.
وعرقٌ... يحمل التعب والكرامة.
وفكرت: كيف رخّص البشر أثمن ما يملكون؟

كيف أصبح الدم
الذي هو وقود الحياة
أرخص ما في نشرات الأخبار؟
كيف أصبحنا نحصي القتلى بالأرقام،
وكأننا نحصي مقاعد ملعب؟
مائة قتيل... ألف قتيل... عشرة آلاف...
ثم ينتهي الخبر،
وتبدأ الرياضة،
ثم الطقس،
ثم الإعلان التجاري.
وكأن تلك الأرقام لم تكن أمهات وآباء،
وأطفالًا وأحلامًا،
وضحكاتٍ وذكريات.

أيها الدم...
سامحنا.
سامح هذه البشرية
التي عرفت كيف تحفظك في بنوك الدم
ولم تعرف كيف تحفظك في العروق.
تعلمت كيف تنقلك من جسد إلى جسد
لتنقذ حياة،
وفي الوقت نفسه اخترعت ألف طريقة
لتقذفك خارج الجسد.
رصاصة... قنبلة... سكين...
حرب... تعذيب... إعدام...
وكأن البشرية تخوض منذ قرون
مسابقةً لاختيار أسرع طريقة
لإفراغ الإنسان من حياته.

وأنتِ أيتها الدموع...
كم ظلمناك.
يا آخر ما يخرج من الإنسان
حين يعجز الكلام.
تخرجين في الحزن
كي لا ينفجر القلب.
وتخرجين في الفرح
حين يصبح القلب أصغر من السعادة.
الدمعة نفسها...
تسكن جنازة... وتسكن عرسًا.
تنزل فوق خد أم فقدت ابنها،
وتنزل فوق خد أم احتضنت ابنها بعد غياب.

وحدك تعرفين
أن الإنسان ضعيف مهما ادّعى القوة.
لكن ما أقسى هذا العالم...
عالمٌ أصبحت فيه دموع البعض
مادة للأخبار،
ودموع آخرين
لا تجد حتى كاميرا واحدة.
كأن للحزن جنسية.
وكأن للوجع لونًا.
وكأن دموع البشر
ليست من الماء والملح نفسيهما.

وأنت أيها العرق...
يا ماء الكرامة.
كم جسدًا اغتسل بك
وهو يبني قصورًا لن يسكنها؟
كم يدًا تشققت
ليأكل أصحاب المكاتب الوثيرة؟
كم عاملًا عاد إلى بيته منهكًا
بينما كان غيره يحتفل بأرباح صنعها عرقه؟
عرق الرياضي منتشٍ بالنصر...
وعرق العامل مرهق بالصبر...
وعرق الفقير ممزوج بالخوف من الغد...
ومع ذلك يظل العرق
أشرف من كثير من الثروات،
لأن قطرة عرق صادق
أطهر من خزائن كاملة
بُنيت على الاستغلال.

كنت هناك...
بعيدًا عن جسدي.
أحاور روحي.
والروح لا تسأل عن بطاقة التعريف.
لا تعرف الحدود.
ولا تعرف الجوازات.
ولا تعرف لون البشرة.
لا تقول: هذا عربي،
وهذا إفريقي... وهذا أوروبي،
وهذا أمريكي... وهذا آسيوي،
وهذا غني... وهذا فقير،
وهذا أسود... وهذا أبيض.
الروح تعرف شيئًا واحدًا:
أنها روح.
وأن الجسد الذي تسكنه مؤقت.

فلماذا نتقاتل على الأرض
وكأننا باقون فيها إلى الأبد؟
نبني الحدود... ثم نموت.
نجمع الثروات... ثم نرحل بلا حقائب.
نقتل من أجل الأرض... ثم لا نأخذ معنا منها
إلا مساحة صغيرة تكفينا قبرًا.
يا لسخرية الإنسان من نفسه!
يتصارع على ملكية الدنيا
وهو لا يملك حتى موعد رحيله منها.

بحثت في قاموس البشرية عن بشر حقيقيين.
بحثت عن بشر
لا يرون في الاختلاف خطرًا.
بشر لا يسألون الجائع عن عقيدته
قبل أن يعطوه الخبز.
ولا يسألون الغريق عن وطنه
قبل أن يمدوا إليه اليد.
ولا يسألون الجريح عن لغته
قبل أن يوقفوا نزيفه.

بشر يعرفون أن الدم
لا يرفع علمًا حين يخرج من الجسد.
وأن الدمعة
لا تحمل جواز سفر.
وأن العرق
لا يملك حسابًا بنكيًا.
بحثت عن بشر
يستأصلون من قواميسهم
العنصرية والكراهية والحقد والاستعلاء.

بشر إذا ملكوا القوة
لم يظلموا.
وإذا حكموا
لم يستعبدوا.
وإذا اغتنوا
لم ينسوا الجائع.
وإذا انتصروا
لم يهينوا المهزوم.
وإذا اختلفوا
لم يقتلوا.
أولئك...
هم الذين أمدح.

أمدح إنسانًا
ينحني ليلتقط طفلًا سقط في الطريق.
أمدح طبيبًا
يسهر إلى جانب مريض لا يعرف اسمه.
أمدح عاملًا
يعود إلى منزله ويداه متشققتان،
لكنه يضع خبزًا حلالًا أمام أبنائه.
أمدح من يرى الظلم
فيقول: لا.
حتى لو كان الظالم من قومه.
وأمدح من يرى الحق
فيقول: نعم.
حتى لو كان صاحبه خصمه.
ذلك هو الإنسان.

أما الباقي...
فقد يكون بشرًا من حيث الشكل،
لكن الإنسانية ليست وجهًا،
ولا جسدًا،
ولا بطاقة هوية.
الإنسانية سلوك.

ويا أيها العالم...
لك مني شيء من الهجاء.
كيف تفاخرنا بالحضارة
وقد صنعنا قنبلة تستطيع محو مدينة؟
كيف نزهو بالذكاء الاصطناعي
وعجزنا عن تعليم الإنسان
ألّا يقتل الإنسان؟
كيف وصلنا إلى القمر
ولم نصل بعد إلى قلب جارنا؟
كيف استطعنا أن نتحدث
عبر آلاف الكيلومترات،
وفشلنا في الحوار
مع من يجلس أمامنا؟

بنيتم ناطحات السحاب،
لكنكم لم ترفعوا الأخلاق معها.
وسّعتم الطرق،
وضاقت الصدور.
كثّرتم وسائل التواصل،
وقلّ التواصل.
أضأتم المدن كلها،
وأظلم الإنسان.
أي حضارة هذه؟
حضارة تستطيع تصوير الموت
بأعلى دقة...
لكنها عاجزة عن منعه.

لهذا سأعود إلى شرودي.
اليوم...
وغدًا...
وكلما أثقلني هذا العالم.
فمعذرةً إن صادفتموني بعيدًا.
معذرةً إن ناديتُموني
ولم أجب.
قد أكون وقتها
أضع حجرًا جديدًا
في مدينتي المستحيلة.
وقد أكون أزرع شجرة
لا يسأل ظلها عن هوية الجالس تحتها.
وقد أكون أبني مدرسة
تعلّم الأطفال قبل الحساب واللغة:
كيف يكونون بشرًا.

وقد أكون أكتب قانونًا وحيدًا
لعالمي البديل:
لا تفعل بإنسان
ما لا تقبل أن يُفعل بك.
مرحبًا بكم إن أردتم مزاحمتي هناك.
لا تحتاجون إلى تأشيرة.
ولا إلى جواز سفر.
ولا إلى مال.
تحتاجون فقط إلى قلب
لا يستلذ أوجاع الآخرين.

مرحبًا بكم
لتتذوقوا معي رحيق البشرية.
مرحبًا بكم
لنوقف نزيف الدم.
ونمسح الدموع.
ونقدّس العرق.
مرحبًا بكم
لنقيم حول ذلك العالم
أسوارًا من البشر الحقيقيين...
لا أسوارًا تمنع الناس من الدخول،
بل أسوارًا تمنع الوحشية من العودة.

وسأبقى هناك...
شاردًا.
أنتظر.
لأنني على يقين
أنكم قادمون لا محالة.
فهذا العالم الذي بنيناه
لا يمكن أن يستمر طويلًا
إن بقي الإنسان غائبًا عنه.
ويبقى سؤالي...
سؤالًا أحمله معي
كلما نظرت إلى نشرات الأخبار،
وإلى الحروب،
وإلى الجائعين،
وإلى المظلومين،
وإلى الذين يقتلون ثم يتحدثون عن السلام:
أين الإنسان وسط هذا الزحام البشري؟
إن وجدتموه... فلا تسألوه عن وطنه.
ولا دينه... ولا عرقه... ولا لونه... ولا لغته.
اسألوه فقط:
هل يؤلمك ألم إنسان لا تعرفه؟
فإن قال: نعم...
فاعلموا أنكم أخيرًا...
وجدتم الإنسان.



في نفس الركن