2026 ماي 12 - تم تعديله في [التاريخ]

صعود قوي لرحلات الأعمال المغربية إلى الخارج..

دينامية اقتصادية استراتيجية تُعيد رسم خريطة الانفتاح


العلم الإلكترونية - جيهان مريك – صحفية متدربة 
 
تشهد سوق رحلات الأعمال والسفر المهني إلى الخارج بالمغرب تحولا لافتا خلال السنوات الأخيرة، في سياق اقتصادي يتسم بتسارع وتيرة الانفتاح على الأسواق الدولية، وتنامي حضور المقاولات المغربية خارج الحدود. هذا التحول، الذي يجري في هدوء، يعكس دينامية جديدة في بنية الاقتصاد الوطني، ويطرح في الآن ذاته رهانات متعددة على مستوى التنافسية والتموقع الدولي.
 
وتفيد معطيات مكتب الصرف( Office des changes) بأن نفقات المغاربة المرتبطة بالسفر إلى الخارج بلغت حوالي 32,98 مليار درهم سنة 2025، مسجلة ارتفاعا ملحوظا مقارنة بالسنوات السابقة. كما تشير نفس المعطيات إلى أن هذا الرقم عرف نموا قويا خلال العقد الأخير، حيث ارتفع بما يقارب 19 مليار درهم، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المسافرين وتغير أنماط الاستهلاك المرتبطة بالسفر.
 
ورغم أن المغرب يظل وجهة سياحية متميزة، حيث استقبل حوالي 19,8 مليون سائح وحقق مداخيل تناهز 138 مليار درهم، فإن المعطى الأقل بروزا هو هذا الصعود التدريجي في الرحلات الصادرة نحو الخارج، خاصة تلك المرتبطة بالأعمال والمهام المهنية.
 
في هذا السياق، برزت رحلات الأعمال كأحد المكونات الدينامية داخل سوق السفر. فالمقاولات المغربية، بمختلف أحجامها، أصبحت تعتمد بشكل متزايد على التنقل الدولي كوسيلة لتوسيع أنشطتها، وبحث فرص جديدة للشراكة والاستثمار. وتشير تقديرات مهنيي القطاع إلى أن الشركات تنفق ما يقارب 1,4 مليار درهم سنويا على هذا النوع من الرحلات، مع تسجيل ارتفاع في متوسط الإنفاق يتراوح بين 10 و12 في المائة.
 
ولا يمكن فهم هذا التطور بمعزل عن الدينامية التي تعرفها الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وكذا الاستثمارات المغربية بالخارج. فكل مشروع استثماري، وكل اتفاقية تعاون، تستدعي في الغالب سلسلة من التنقلات والاجتماعات واللقاءات، ما يجعل السفر المهني جزءا لا يتجزأ من آليات العمل الحديثة.
 
كما أن هذا التحول يرتبط أيضا بتغيرات اجتماعية واقتصادية، من بينها بروز فئات جديدة من الطبقة المتوسطة العليا، التي أصبحت أكثر انفتاحا على العالم، وأكثر استعدادا للاستثمار في السفر، سواء لأغراض مهنية أو تكوينية. هذه الفئات لم تعد تعتبر السفر رفاهية، بل ضرورة تفرضها طبيعة السوق ومتطلبات التنافسية.
 
وفي هذا الإطار، لم تعد رحلات الأعمال مجرد تنقلات عادية، بل تحولت إلى أداة استراتيجية لتطوير النشاط الاقتصادي. فهي تتيح للمقاولات المغربية استكشاف أسواق جديدة، وبناء علاقات مهنية، وتعزيز حضورها في التظاهرات الدولية، من معارض وملتقيات اقتصادية.
 
غير أن هذا التطور يطرح في المقابل تحديات جديدة أمام الفاعلين في قطاع الأسفار. فالمنافسة لم تعد قائمة فقط على الأسعار، بل أصبحت ترتكز بشكل متزايد على جودة الخدمات، والقدرة على تقديم عروض متكاملة تستجيب لحاجيات الزبناء. وهنا، تبرز أهمية الابتكار في تصميم الرحلات، وتوفير حلول مرنة، تجمع بين التحكم في التكاليف وضمان الراحة والفعالية.
 
كما أن الرقمنة أصبحت عاملا حاسما في هذا المجال، حيث باتت المقاولات تبحث عن خدمات سريعة، دقيقة، وقابلة للتتبع في الزمن الحقيقي. وهو ما يفرض على وكالات الأسفار إعادة النظر في نماذج عملها، والانخراط في التحول الرقمي بشكل أعمق.
 
من جهة أخرى، يطرح ارتفاع نفقات السفر إلى الخارج مسألة التوازن في ميزان العملة الصعبة. ورغم أن مداخيل السياحة تفوق بكثير هذه النفقات، فإن استمرار هذا المنحى التصاعدي يفرض التفكير في سبل تثمين العائد الاقتصادي لهذه الرحلات، خاصة المهنية منها.
 
وفي هذا الصدد، يبرز رهان أساسي يتمثل في تحويل رحلات الأعمال من مجرد مصاريف إلى استثمارات منتجة. أي أن تكون هذه التنقلات وسيلة لتحقيق قيمة مضافة حقيقية، سواء عبر جلب استثمارات، أو عقد شراكات، أو نقل الخبرات والمعارف.
 
إن المغرب، وهو يعزز موقعه كوجهة سياحية عالمية، يجد نفسه اليوم أمام مرحلة جديدة، تتسم بازدواجية إيجابية: استقبال متزايد للسياح من جهة، وتنامي في عدد المسافرين إلى الخارج من جهة أخرى. وهي وضعية تعكس، في العمق، تحولا في طبيعة الاقتصاد الوطني، وانتقاله من منطق الانغلاق النسبي إلى منطق الانفتاح والتفاعل.
 



في نفس الركن