*بقلم: بوشعيب حمراوي*
هناك حقائق تاريخية تبقى ثابتة مهما تغيرت الأنظمة، وتبدلت التحالفات، واشتدت الخلافات السياسية. ومن بين هذه الحقائق أن العلاقات بين المغرب والجزائر لم تبدأ بعد استقلال البلدين، بل سبقت ذلك بسنوات طويلة، حين كانت المملكة المغربية أرضًا لاحتضان الثورة الجزائرية، ومجالًا لتحرك قادتها، ومنطلقًا لعملياتها السياسية والدبلوماسية والعسكرية.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه أن عدداً من الشخصيات التي ستتولى لاحقًا رئاسة الجمهورية الجزائرية، أو ستقود الدولة الجزائرية في أهم مراحل تأسيسها، ارتبطت بالمغرب ارتباطًا مباشرًا، بعضهم ولد أو نشأ فوق ترابه، وبعضهم عاش فيه سنوات طويلة، وبعضهم قاد من مدنه جزءًا من العمل الثوري، فيما وجد آخرون فيه ملاذًا آمنًا حين ضاقت بهم أوطانهم.
ولا يتعلق الأمر بمحاولة كتابة تاريخ. فالثورة الجزائرية كانت ثورة شعب من أجل استقلاله، ولا يستطيع أحد أن ينتقص من ذلك. غير أن الإنصاف التاريخي يقتضي أيضًا الاعتراف بأن المغرب لم يكن مجرد جار يتابع الأحداث من بعيد، بل كان شريكًا في احتضان الثورة. وحتى حين كان تحت الحماية الفرنسية. كان داعمًا سياسيًا ودبلوماسيًا ولوجستيًا لها، حتى إن بعض أبرز القادة الذين حكموا الجزائر فيما بعد، تشكل جزء مهم من مسارهم الشخصي والسياسي فوق التراب المغربي.
إنها مفارقة تستحق التأمل؛ ففي الوقت الذي تصر فيه بعض الخطابات الرسمية في الجزائر على تقديم المغرب باعتباره خصمًا تاريخيًا، تكشف السير الذاتية لعدد من الرؤساء والقادة الجزائريين أن المغرب كان حاضرًا في محطات مفصلية من حياتهم، وأن مدنه احتضنتهم، وشعبه استقبلهم، وقيادته السياسية دعمتهم في واحدة من أصعب مراحل تاريخ الجزائر الحديث.
ومن هنا لا تهدف هذه القراءة إلى استحضار الماضي من أجل تأجيج الخلاف، وإنما لإعادة الاعتبار لذاكرة مشتركة، وللتأكيد على أن التاريخ أكبر من الحسابات الظرفية، وأن ما جمع الشعبين بالأمس كان أعمق بكثير مما تفرقه السياسات اليوم.
المغرب.. كان القاعدة الخلفية للثورة الجزائرية
لم يكن ارتباط عدد من رؤساء الجزائر بالمغرب مجرد صدفة جغرافية، ولا نتيجة ظروف شخصية عابرة، بل كان امتدادًا لمرحلة تاريخية كاملة، أصبح فيها المغرب، بعد حصوله على استقلاله سنة 1956، أحد أهم المراكز السياسية والعسكرية والدبلوماسية الداعمة للثورة الجزائرية.
فالملك محمد الخامس لم ينظر إلى استقلال المغرب باعتباره نهاية معركة التحرر، وإنما اعتبره بداية مسؤولية جديدة تجاه الشعوب المغاربية والافريقية التي كانت لا تزال ترزح تحت الاستعمار، وفي مقدمتها الجزائر. لذلك فتح المغرب حدوده أمام المجاهدين، واحتضن قيادات جبهة التحرير الوطني، وسمح بإقامة مكاتبها السياسية، وبتنظيم تحركاتها، وتأمين الاتصالات بينها وبين العواصم العربية والدولية، فضلاً عن احتضان آلاف اللاجئين الجزائريين الذين وجدوا في المدن المغربية الأمن والكرامة ودفء الأخوة.
وأصبحت مدن مثل وجدة والرباط والناظور والقنيطرة والدار البيضاء وغيرها فضاءات يومية يتحرك فيها قادة الثورة الجزائرية بحرية، يعقدون اجتماعاتهم، ويخططون لعملياتهم، ويستقبلون الوفود الأجنبية، ويؤمنون الدعم اللوجستي والإعلامي والسياسي لثورتهم. ولم يكن ذلك الدعم مجرد موقف رسمي للدولة المغربية، بل تحول إلى موقف شعبي، حيث تقاسم المغاربة مع إخوانهم الجزائريين لقمة العيش، وفتحوا لهم البيوت، واعتبروا أن معركة استقلال الجزائر امتداد طبيعي لمعركة استقلال المغرب.
ولا ننسى أن الملك محمد الخامس أمر بتسليم ثلثي كميات الأسلحة و الذخيرة القادمة من الشرق إلى الناظور على متن الباخرتين دينا ونصر، إلى المقاومين الجزائريين.
ومن فوق التراب المغربي، تأسست واحدة من أهم البنى العسكرية للثورة الجزائرية، وهي جيش الحدود، الذي اتخذ من مدينة وجدة وضواحيها مركزًا لقيادته. وهناك تشكلت شبكة من القادة العسكريين والسياسيين الذين سيلعبون بعد الاستقلال أدوارًا حاسمة في رسم مستقبل الدولة الجزائرية، حتى إن عدداً منهم سيصل إلى أعلى هرم السلطة.
ولعل الحدث الأكثر دلالة على المكانة التي احتلها المغرب في مسار الثورة الجزائرية، هو ما وقع في الثاني والعشرين من أكتوبر سنة 1956، عندما استقل خمسة من أبرز قادة جبهة التحرير الوطني طائرة مدنية مغربية تابعة لشركة "أطلس إير ماروك"، بعد أن كانوا قد التقوا بالملك محمد الخامس، وكانوا متوجهين إلى تونس للمشاركة في اجتماع مغاربي يهدف إلى تنسيق الجهود السياسية لدعم القضية الجزائرية.
لكن الطائرة لم تصل إلى وجهتها، بعدما اعترضتها القوات الفرنسية في واحدة من أخطر عمليات القرصنة الجوية في التاريخ الحديث، وأجبرتها على الهبوط في الجزائر، حيث اعتُقل القادة الخمسة، وهم أحمد بن بلة، ومحمد بوضياف، وحسين آيت أحمد، ومحمد خيضر، ومصطفى الأشرف.
ولم تكن تلك العملية اعتداءً على قادة الثورة الجزائرية وحدهم، بل كانت أيضًا اعتداءً على السيادة المغربية، لأن الطائرة كانت مغربية، والرحلة انطلقت من المغرب، والقادة كانوا ضيوفًا رسميين للمملكة.
بل إن الملك محمد الخامس حينها عرض على النظام الفرنسي تبديل المعتقلين بنجله ووليه عهده حينها الحسن الثاني.
وقد أحدثت الواقعة أزمة سياسية كبرى بين الرباط وباريس، وأكدت للعالم أن المغرب لم يكن يقف على هامش الثورة الجزائرية، بل كان في قلبها.
ومن المفارقات التي لا يمكن تجاهلها أن اثنين من أولئك القادة المختطفين سيصبحان لاحقًا رئيسين للجمهورية الجزائرية، هما أحمد بن بلة ومحمد بوضياف، بينما سيقود قائد آخر، هو هواري بومدين، جيش الحدود انطلاقًا من مدينة وجدة، قبل أن يصبح هو الآخر رئيسًا للدولة، في حين سيولد عبد العزيز بوتفليقة وينشأ في المدينة نفسها، لتصبح وجدة المغربية شاهدة على بدايات رجل سيحكم الجزائر لعشرين سنة كاملة.
حين دفع المغرب ثمن دعمه للجزائر في كرة القدم
ولم يقتصر دعم المغرب للثورة الجزائرية على السياسة والسلاح واحتضان قادتها، بل امتد حتى إلى كرة القدم؛ ففي 9 ماي 1958 واجه المنتخب المغربي في تونس فريق جبهة التحرير الوطني الجزائري، رغم أن الأخير لم يكن معترفًا به من طرف الاتحاد الدولي لكرة القدم، لان الجزائر لم تكن حينها دولة مستقلة. و رغم تحذير "الفيفا" من مواجهة هذا الفريق الذي جعلته الثورة الجزائرية سفيرًا رياضيًا لقضيتها. لكن المغرب دفع ثمن موقفه التضامني، إذ عاقبته "الفيفا" بالإيقاف لمدة سنتين قبل تخفيف الحكم إلى سنة واحدة، وهي عقوبة حرمته، بحسب المصادر التي وثقت الواقعة، من المشاركة في أول كأس إفريقية للأمم كان بإمكانه خوضها. وهكذا لم يكن دعم المغرب لاستقلال الجزائر مجرد شعارات؛ فقد تحمل بسببه حتى عقوبة رياضية دولية، واختار الوقوف إلى جانب الجزائريين في وقت كانوا فيه لا يزالون يقاتلون من أجل أن تصبح لهم دولة مستقلة ومنتخب وطني معترف به دوليًا.
إن استحضار هذه الوقائع ليس محاولة لمصادرة تاريخ الجزائر، ولا لتقليل تضحيات شعبها، وإنما هو تذكير بحقائق موثقة تؤكد أن تاريخ البلدين كان، في مرحلة من أهم مراحله، تاريخًا واحدًا، وأن الحدود التي أصبحت اليوم فضاءً للتوتر، كانت بالأمس معبرًا للثوار، وجسرًا للتضامن، ومهدًا لتجارب سياسية وإنسانية صنعت جزءًا من تاريخ الدولة الجزائرية الحديثة.
أحمد بن بلة... أول رئيس للجزائر المستقلة بدأ رحلته الأخيرة إلى الحرية من المغرب
إذا كان التاريخ يحتفظ بصور لا يمكن محوها، فإن من بين أكثرها دلالة تلك الصورة التي جمعت الملك محمد الخامس بعدد من قادة الثورة الجزائرية في الرباط، قبل ساعات قليلة من مغادرتهم التراب المغربي في اتجاه تونس. ففي تلك اللحظة لم يكن أحد يتوقع أن تتحول الرحلة إلى واحدة من أشهر عمليات اختطاف الطائرات في القرن العشرين، وأن يصبح اثنان من ركابها لاحقًا رئيسين للجمهورية الجزائرية.
كان أحمد بن بلة أحد أولئك الرجال الذين احتضنهم المغرب في مرحلة دقيقة من تاريخ الثورة الجزائرية. ولم يكن وجوده بالمغرب عابرًا، بل كان جزءًا من العمل السياسي والعسكري الذي كانت تحتضنه المملكة دعماً للثورة الجزائرية . فمن الرباط و وجدة ومدن مغربية أخرى، كان قادة جبهة التحرير الوطني يعقدون لقاءاتهم، ويتواصلون مع الوفود الأجنبية، وينسقون مع القيادة المغربية التي كانت تعتبر استقلال الجزائر جزءًا من استكمال تحرير المغرب العربي.
وفي الحادي والعشرين من أكتوبر سنة 1956، استقبل الملك محمد الخامس أحمد بن بلة ورفاقه بالقصر الملكي، في لقاء سبق انعقاد اجتماع مغاربي كان من المرتقب أن تستضيفه تونس بمشاركة قيادات المغرب وتونس وجبهة التحرير الوطني الجزائرية. وكان الهدف من ذلك اللقاء توحيد المواقف السياسية تجاه القضية الجزائرية وتعزيز التنسيق بين حركات التحرر المغاربية.
وفي اليوم الموالي، استقل أحمد بن بلة رفقة محمد بوضياف، وحسين آيت أحمد، ومحمد خيضر، ومصطفى الأشرف، طائرة مدنية مغربية متجهة إلى تونس. لكن الطائرة تعرضت للاختطاف من قبل القوات الفرنسية، وأُجبرت على الهبوط في الجزائر، حيث اعتُقل القادة الخمسة في حادثة اعتبرت أول عملية قرصنة جوية ذات أهداف سياسية في التاريخ الحديث، كما اعتُبرت اعتداءً مباشرًا على السيادة المغربية، لأن الطائرة كانت مغربية، والرحلة انطلقت من المغرب، والركاب كانوا ضيوفًا رسميين للمملكة.
وبقي أحمد بن بلة رهن الاعتقال الفرنسي إلى غاية استقلال الجزائر سنة 1962، ليخرج من السجن مباشرة نحو قيادة الدولة الجديدة، ويصبح أول رئيس للجمهورية الجزائرية المستقلة.
غير أن المفارقة التاريخية تكمن في أن الرجل الذي احتضنه المغرب، ودافع عن قضيته في المحافل الدولية، ووفر له فضاءً للتحرك السياسي، وجد نفسه بعد سنوات قليلة رئيسًا لدولة دخلت في أول مواجهة عسكرية مع المغرب خلال حرب الرمال سنة 1963. وهي مفارقة لا تمحو ما سبقها من تاريخ، لكنها تؤكد أن العلاقات بين الدول قد تتغير، بينما تبقى الوقائع التاريخية ثابتة لا يبدلها تغير الحكام ولا تبدل المصالح.
ولا يقف حضور المغرب في سيرة أحمد بن بلة عند حادثة اختطاف الطائرة، بل يمتد إلى مرحلة كاملة كانت فيها المملكة فضاءً سياسيًا للثورة الجزائرية، ومتنفسًا لقادتها، ومركزًا لتحركاتهم. ولذلك فإن أي قراءة منصفة لتاريخ أول رئيس للجزائر المستقلة لا يمكن أن تتجاهل أن جزءًا مهمًا من مساره الثوري تشكل فوق الأرض المغربية، وفي ظل دعم سياسي وشعبي مغربي لم يكن ينتظر مقابلاً، سوى أن ترى الجزائر يومًا شمس الحرية.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل كانت لأحمد بن بلة علاقة بالمغرب؟ فذلك أصبح من حقائق التاريخ الموثقة، وإنما السؤال الحقيقي هو: كيف استطاعت السياسة أن تطمس في الذاكرة الجماعية صفحات كاملة من الأخوة والنضال المشترك، حتى صار كثير من الأجيال الجديدة يجهل أن أول رئيس للجزائر المستقلة كان واحدًا من القادة الذين احتضنهم المغرب، ودافع عنهم، ودفع ثمن ذلك مواجهة سياسية مفتوحة مع الاستعمار الفرنسي؟
هواري بومدين... حين أصبحت وجدة المغربية غرفة العمليات التي خرج منها رئيس الجزائر
إذا كان أحمد بن بلة يمثل الوجه السياسي للثورة الجزائرية، فإن هواري بومدين كان يمثل أحد أبرز وجوهها العسكرية. واسمه الحقيقي محمد إبراهيم بوخروبة، قبل أن يتخذ الاسم الحركي "هواري بومدين". ومع تصاعد الثورة الجزائرية، وجد في المغرب، كما وجد كثير من رفاقه، فضاءً آمناً لإعادة تنظيم العمل العسكري بعيداً عن الملاحقة الفرنسية.
وفي تلك المرحلة، لم تكن مدينة وجدة مجرد مدينة حدودية مغربية، بل تحولت إلى واحدة من أهم القواعد الخلفية للثورة الجزائرية. فمنها كانت تمر الإمدادات، وفيها كانت تُعقد الاجتماعات، ومنها كانت تُدار شؤون جيش الحدود، الذي أصبح لاحقاً القوة العسكرية الأكثر تنظيماً داخل جبهة التحرير الوطني.
ومن وجدة، برز اسم هواري بومدين قائداً لجيش الحدود، واستطاع أن يبني شبكة من القيادات العسكرية والسياسية التي عُرفت لاحقاً باسم "جماعة وجدة"، وهي المجموعة التي ستلعب دوراً حاسماً في رسم ملامح السلطة الجزائرية بعد الاستقلال. ولم يكن اسم هذه المجموعة مرتبطاً بوجدة من باب المجاز، بل لأنها تشكلت فعلياً في المدينة المغربية، واتخذت منها مركزاً للتنسيق والقيادة.
ولم تكن علاقة بومدين بالمغرب علاقة عبور عسكري فقط، بل كانت جزءاً من مرحلة تأسيسية في مساره السياسي. فمن فوق التراب المغربي، وبالتنسيق مع القيادة السياسية للثورة، تشكلت موازين القوى التي ستحدد لاحقاً من سيقود الجزائر المستقلة.
وعندما نالت الجزائر استقلالها سنة 1962، كان جيش الحدود، الذي قاده بومدين انطلاقاً من الأراضي المغربية، يمتلك تنظيماً وقوة جعلته لاعباً أساسياً في الصراع على السلطة. ومن هنا جاءت المساندة التي قدمها بومدين لأحمد بن بلة للوصول إلى الرئاسة، قبل أن ينقلب عليه هو نفسه سنة 1965، ويتولى قيادة البلاد لأكثر من ثلاثة عشر عاماً.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية أخرى تستحق التأمل؛ فالرجل الذي صنع جزءاً كبيراً من قوته العسكرية والتنظيمية من مدينة وجدة المغربية، أصبح بعد سنوات رئيساً للجزائر في مرحلة شهدت توتراً عميقاً مع المغرب، خصوصاً بعد حرب الرمال سنة 1963، ثم استمرار الخلافات الحدودية والإقليمية.
إن استحضار هذه الوقائع لا يراد منه إطلاق أحكام سياسية، وإنما تذكير الأجيال بأن التاريخ أكثر تعقيداً مما توحي به الخطابات الرسمية. فمدينة وجدة، التي تُقدَّم اليوم في بعض الخطابات باعتبارها مجرد مدينة حدودية مقابلة للجزائر، كانت في خمسينيات وبداية ستينيات القرن الماضي أحد أهم المراكز التي احتضنت الثورة الجزائرية، ومنها خرجت قيادات عسكرية وسياسية ستتولى لاحقاً إدارة الدولة الجزائرية.
ولذلك، فإن الحديث عن هواري بومدين لا يمكن أن يكتمل دون الحديث عن وجدة، تماماً كما لا يمكن كتابة تاريخ جيش الحدود دون الإشارة إلى أن هذا الجيش وجد في المغرب أرضاً للتحرك والتنظيم والتخطيط. فهذه ليست رواية سياسية، وإنما صفحة موثقة من تاريخ الثورة الجزائرية نفسها.
وتبقى المفارقة الكبرى أن التاريخ احتفظ باسم "جماعة وجدة" داخل الذاكرة السياسية الجزائرية، في اعتراف غير مباشر بأن مدينة مغربية كانت شاهدة على ميلاد المجموعة التي أمسكت بمفاصل الدولة الجزائرية بعد الاستقلال، وأثرت في مسارها لعقود طويلة.
محمد بوضياف... ثلاثون عامًا في المغرب قبل أن يعود إلى الرئاسة... ثم يُغتال أمام أنظار العالم
إذا كانت سيرة أحمد بن بلة ترتبط بالمغرب من خلال مرحلة الثورة، وسيرة هواري بومدين من خلال قيادة جيش الحدود انطلاقًا من مدينة وجدة، فإن قصة محمد بوضياف تأخذ بعدًا إنسانيًا وسياسيًا مختلفًا، لأنها لا تتعلق بأشهر أو سنوات قليلة، وإنما بما يقارب ثلاثة عقود كاملة قضاها على التراب المغربي، حتى أصبح المغرب وطنه الثاني بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
كان محمد بوضياف أحد أبرز مفجري الثورة الجزائرية، وأحد أعضاء مجموعة الاثنين والعشرين التاريخية، كما كان من القادة الخمسة الذين اختطفتهم فرنسا سنة 1956 وهم على متن الطائرة المدنية المغربية القادمة من الرباط في اتجاه تونس. وبعد سنوات السجن، عاد إلى الجزائر مع الاستقلال، لكنه سرعان ما دخل في خلافات حادة مع السلطة الجديدة، خاصة مع الرئيس أحمد بن بلة، ثم مع المؤسسة العسكرية التي أخذت تمسك تدريجيًا بمفاصل الدولة.
ولم تدم تلك الخلافات طويلًا حتى وجد نفسه ملاحقًا سياسيًا، وصدر في حقه حكم بالإعدام، ما لبث النظام الجزائري أن تغاضى عنه خوفا من ردود الشعب الجزائري. وتفاديا لأي احتقان.
ليختار المنفى بدل الدخول في دوامة صراع داخلي بين رفاق الأمس. وكانت وجهته فرنسا ثم المغرب، البلد الذي عرفه خلال سنوات الثورة، والذي سيحتضنه مرة أخرى، لكن هذه المرة لا باعتباره قائدًا ثوريًا، وإنما لاجئًا سياسيًا اختار اعتزال السياسة، ليبحث عن حياة هادئة بعيدًا عن صخب السلطة.
واستقر محمد بوضياف بمدينة القنيطرة، حيث عاش حياة بعيدة عن الأضواء، وأسس مصنعًا متواضعًا لصناعة الآجور ومواد البناء، وأدار مشروعه بيديه، وعاش حياة بسيطة، بعيدًا عن الامتيازات والألقاب، حتى إن كثيرًا ممن كانوا يتعاملون معه في تلك الفترة كانوا يرونه رجل أعمال هادئًا أكثر مما كانوا يرونه واحدًا من أبرز صناع استقلال الجزائر.
ولم تكن إقامة بوضياف في المغرب إقامة مؤقتة، بل امتدت لما يقارب ثلاثين سنة، عاش خلالها بين المغاربة، وتقاسم معهم تفاصيل الحياة اليومية، وربط علاقات إنسانية واجتماعية واسعة، وأصبح جزءًا من النسيج المحلي بمدينة القنيطرة، التي احتضنته كما احتضنت قبل ذلك آلاف الجزائريين خلال سنوات الثورة.
ولعل هذه المرحلة من حياة بوضياف تكشف مفارقة سياسية نادرة؛ فالرجل الذي كان أحد مؤسسي الدولة الجزائرية، تحول إلى منفي يعيش في المغرب، بينما كانت الجزائر التي ساهم في تحريرها تُدار من دون مشاركته، بل اتهم بالخيانة العظمى، و صدر في حقه حكم بالإعدام من السلطة التي ساهم في قيامها.
ثم جاءت سنة 1992، حين دخلت الجزائر واحدة من أخطر أزماتها السياسية بعد إلغاء المسار الانتخابي واستقالة الرئيس الشاذلي بن جديد. وفي خضم ذلك الانسداد، لم تجد المؤسسة العسكرية شخصية تحظى بشرعية تاريخية أكبر من محمد بوضياف، فوجهت إليه الدعوة للعودة من منفاه المغربي لتولي رئاسة المجلس الأعلى للدولة، ومن ثم قيادة البلاد في مرحلة استثنائية.
وهكذا، غادر الرجل مدينة القنيطرة، التي عاش فيها قرابة ثلاثة عقود، وعاد إلى الجزائر رئيسًا للدولة، في مشهد بدا للكثيرين وكأنه بداية صفحة جديدة، وربما بداية مصالحة بين الثورة والدولة. غير أن تلك الصفحة لم تدم طويلًا.
فبعد أقل من ستة أشهر على عودته، وأثناء إلقائه خطابًا بمدينة عنابة يوم التاسع والعشرين من يونيو 1992، دوّت طلقات الرصاص داخل القاعة، وسقط محمد بوضياف مضرجًا بدمائه أمام عدسات التلفزيون، بعدما أطلق أحد أفراد حمايته النار عليه في حادثة هزت الجزائر والعالم بأسره، ولا تزال كثير من تفاصيلها وأسئلتها محل نقاش إلى اليوم.
ولم يكن اغتيال محمد بوضياف نهاية رجل فقط، بل كان نهاية واحدة من أكثر القصص السياسية غرابة في تاريخ المنطقة المغاربية؛ رجل شارك في تفجير الثورة، ثم اختُطف وهو على متن طائرة مغربية، ثم حُكم عليه بالإعدام في بلده، ثم عاش ثلاثين عامًا في المغرب، قبل أن يعود رئيسًا للجمهورية، ليُغتال بعد أشهر قليلة من عودته. بدى الأمر وكأن العسكر الجزائري استقدمه ليس من أجل الرئاسة، ولكن من أجل تنفيذ حكم الإعدام الصادر في حقه منذ عقود.
وهنا يطرح التاريخ سؤالًا يصعب تجاهله: كم من الجزائريين اليوم يعرفون أن أحد أبرز رؤساء دولتهم عاش ثلث عمره تقريبًا في مدينة القنيطرة المغربية؟ وكم منهم يعلم أن الرجل الذي عاد لإنقاذ الدولة الجزائرية من أزمتها، كان قد قضى سنوات طويلة بين المغاربة، يعمل في مصنع متواضع، بعيدًا عن السياسة والسلطة؟
إن استحضار هذه الوقائع ليس استدعاءً للماضي من أجل الخصومة، وإنما هو دعوة لاحترام التاريخ كما وقع، لأن الذاكرة المشتركة بين المغرب والجزائر لا تختزلها الخلافات السياسية، بل صنعتها أيضًا مسارات رجال كان المغرب بالنسبة إليهم، في مراحل مختلفة، أرض نضال، ثم أرض لجوء، ثم وطنًا ثانيًا قبل أن يعيدهم القدر إلى الجزائر.
عبد العزيز بوتفليقة... من طفولة في وجدة المغربية إلى رئاسة الجزائر لعشرين عامًا
إذا كان محمد بوضياف قد عاش في المغرب لاجئًا سياسيًا، وأحمد بن بلة قد تحرك فوق أرضه قائدًا للثورة، وهواري بومدين قد اتخذ من وجدة مقرًا لقيادة جيش الحدود، فإن عبد العزيز بوتفليقة يمثل حالة مختلفة تمامًا؛ فهو لم يأت إلى المغرب في ظرف استثنائي، بل ولد وترعرع في مدينة وجدة المغربية، التي شكلت فضاء طفولته وبدايات تكوينه.
فقد ولد عبد العزيز بوتفليقة سنة 1937 بمدينة وجدة، حيث كانت أسرته الجزائرية قد استقرت هناك خلال الحقبة الاستعمارية. وفي أحياء المدينة وأسواقها ومدارسها تشكلت ملامح شخصيته الأولى، وهناك تلقى جانبًا من تعليمه، وعاش سنوات الطفولة والشباب الأولى وسط مجتمع مغربي كان يحتضن، في الوقت نفسه، آلاف العائلات الجزائرية التي دفعتها ظروف الاستعمار إلى الإقامة بالمغرب.
ولم تكن وجدة بالنسبة إلى بوتفليقة مجرد مكان للولادة، بل كانت مدينة لعبت دورًا محوريًا في تاريخ الثورة الجزائرية نفسها. ففيها تواجد قادة جيش الحدود، ومنها انطلقت تحركات سياسية وعسكرية عديدة، وهناك التحق بوتفليقة مبكرًا بصفوف جبهة التحرير الوطني، قبل أن يبدأ مسارًا سياسيًا سيقوده لاحقًا إلى مواقع القرار.
وبعد الاستقلال، برز عبد العزيز بوتفليقة بسرعة داخل مؤسسات الدولة الجزائرية، ليصبح وزيرًا للخارجية وهو في سن الشباب، ويقود الدبلوماسية الجزائرية لسنوات طويلة، قبل أن يتراجع حضوره السياسي بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، ثم يغادر الجزائر لفترة خارجية، ليعود سنة 1999 رئيسًا للجمهورية.
وخلال عشرين سنة قضاها على رأس الدولة، أصبح بوتفليقة أطول رؤساء الجزائر حكمًا منذ الاستقلال، وشهدت البلاد في عهده تحولات سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة، كما عرفت العلاقات المغربية الجزائرية خلال تلك المرحلة محطات متباينة، تراوحت بين محاولات التقارب واستمرار الخلاف، مع بقاء الحدود البرية مغلقة.
غير أن ما يهم هذه القراءة ليس تقييم حصيلة حكمه، وإنما التذكير بحقيقة تاريخية لا خلاف عليها، وهي أن الرجل الذي حكم الجزائر عقدين كاملين، وُلد ونشأ في مدينة مغربية، وأن جزءًا من تكوينه الإنساني الأول ارتبط بمدينة وجدة، التي كانت آنذاك فضاءً مفتوحًا للتواصل بين الشعبين، قبل أن تتحول الحدود لاحقًا إلى أحد أكبر ملفات الخلاف بين الدولتين.
وهنا تبدو مفارقة أخرى من مفارقات التاريخ؛ فالرئيس الذي أبصر النور فوق التراب المغربي، وقضى طفولته بين أزقة مدينة مغربية، أصبح لاحقًا رئيسًا لدولة عرفت في عهده استمرار القطيعة السياسية مع المغرب. غير أن هذه التحولات السياسية لا تغير حقيقة الميلاد والنشأة، كما لا تمحو الدور الذي لعبته وجدة المغربية في تكوين عدد من الشخصيات التي ستتولى قيادة الجزائر في مراحل مختلفة.
وعندما نجمع بين أحمد بن بلة، وهواري بومدين، ومحمد بوضياف، وعبد العزيز بوتفليقة، لا يكون القصد البحث عن التشابه بينهم، بل إبراز حقيقة تاريخية واحدة، وهي أن المغرب لم يكن بالنسبة إلى هؤلاء مجرد دولة مجاورة، بل كان حاضرًا، بدرجات مختلفة، في مراحل مفصلية من حياتهم ومساراتهم السياسية. فمنهم من احتضنه المغرب خلال الثورة، ومنهم من قاد من أراضيه جزءًا من العمل العسكري، ومنهم من عاش فيه منفيًا لثلاثة عقود، ومنهم من وُلد وترعرع فوق ترابه.
وهكذا، فإن قراءة التاريخ بعيدًا عن الانفعالات تكشف أن العلاقات المغربية الجزائرية أعمق بكثير من الخلافات السياسية الراهنة. فالتاريخ لا يختزل في بيانات رسمية أو مواقف ظرفية، بل يُبنى أيضًا من مسارات الرجال، ومن المدن التي احتضنتهم، ومن الوقائع التي بقيت ثابتة في ذاكرة الشعوب. وحين نستحضر هذه الصفحات، فإننا لا نعيد كتابة التاريخ، وإنما نعيد قراءته بإنصاف، لنؤكد أن الجغرافيا صنعت يومًا روابط إنسانية وسياسية لا ينبغي أن تمحوها خلافات الحاضر، وأن المستقبل، مهما طال زمن التوتر، سيظل محتاجًا إلى ذاكرة صادقة تعترف بما كان، قبل أن تبحث عما سيكون.
التاريخ لا يعترف بنكران الجميل... والذاكرة لا تُمحى بالخطابات
قد تختلف الدول في مواقفها السياسية، وقد تتبدل التحالفات، وقد تتصاعد الخلافات إلى مستويات غير مسبوقة، لكن التاريخ يبقى عصيًا على التغيير، لأنه لا يكتب بالرغبات ولا بالشعارات، وإنما بالوثائق والشهادات والوقائع التي لا تسقط بالتقادم.
وحين نستعرض مسارات أحمد بن بلة، وهواري بومدين، ومحمد بوضياف، وعبد العزيز بوتفليقة، لا نسعى إلى الادعاء بأن المغرب صنع الدولة الجزائرية، فذلك يجافي الحقيقة وينتقص من تضحيات الجزائريين الذين قدموا أرواحهم في سبيل الاستقلال. كما أننا لا نقلل من الدور الذي لعبته تونس ومصر وعدد من الدول العربية والإفريقية والآسيوية في دعم الثورة الجزائرية. غير أن الإنصاف التاريخي يقتضي الاعتراف كذلك بأن المغرب كان أحد أهم الحواضن السياسية والعسكرية والإنسانية للثورة الجزائرية، وأن هذا الدعم لم يكن هامشيًا، بل كان جزءًا من معركة التحرير نفسها.
لقد احتضنت المملكة المغربية قادة الثورة، وفتحت حدودها للاجئين والمجاهدين، ووظفت إمكاناتها الدبلوماسية لخدمة القضية الجزائرية، وتحملت تبعات ذلك في مواجهة سلطات الاستعمار الفرنسي. ومن فوق التراب المغربي نُسجت خطط، وعُقدت لقاءات، وتشكلت قيادات، وانطلقت مبادرات، ستصبح لاحقًا جزءًا من تاريخ الدولة الجزائرية المستقلة.
ولعل أكثر ما يحتاج إليه الشعبان المغربي والجزائري اليوم هو إعادة اكتشاف هذه الصفحات المشتركة، لا من أجل البكاء على الماضي، وإنما لبناء وعي تاريخي متوازن، يدرك أن ما جمع البلدين كان أكبر بكثير مما فرقهما، وأن روابط الدم والجغرافيا والكفاح المشترك لا يمكن أن تمحوها الخلافات السياسية مهما طال أمدها.
إن الأجيال الجديدة، في المغرب كما في الجزائر، تستحق أن تعرف أن العلاقة بين البلدين لم تبدأ بالخلافات الحدودية، ولا بملف الصحراء، ولا بإغلاق الحدود، بل سبقت ذلك عقود من التضامن والتكافل ووحدة المصير في مواجهة الاستعمار. فالشعوب التي تنسى تاريخها المشترك تصبح أكثر عرضة لتصديق الروايات الناقصة، وأكثر قابلية لأن تبني مواقفها على الذاكرة الانتقائية بدل الحقيقة الكاملة.
إن احترام التاريخ لا يعني تجميد الحاضر، كما أن الاعتراف بالجميل لا ينتقص من سيادة أحد. فالدول الواثقة من نفسها لا تخشى الاعتراف بمن وقف معها في المحن، بل تعتبر ذلك جزءًا من نبلها السياسي وصدقها مع تاريخها. ولنا في الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مثال. تلك الدولة القوة العظمى في العالم التي تقيم وزنا كبيرا للمغرب باعتباره أول من اعترف بها كدولة قبل 250 سنة.
ويبقى الأمل أن يأتي يوم تُقرأ فيه هذه الصفحات بعيدًا عن الانفعال، وأن ينظر إليها المغاربة والجزائريون باعتبارها إرثًا مشتركًا، لا مادة للخلاف. فالجغرافيا فرضت الجوار، لكن التاريخ صنع الأخوة، والذاكرة الصادقة وحدها قادرة على أن تحفظ الحقيقة للأجيال، مهما حاولت السياسة أن تعيد رسمها.
ولذلك، فإن الرسالة التي تحملها هذه القراءة ليست موجهة إلى الحكومات وحدها، بل إلى الباحثين والمؤرخين والجامعات ووسائل الإعلام، حتى يستمر العمل على توثيق هذا التاريخ المشترك كما كان، لا كما يرغب هذا الطرف أو ذاك أن يراه. فالتاريخ ملك للأمم، وليس أداة في يد السياسة، ومن حق الأجيال المقبلة أن تقرأه كاملًا، بإنجازاته وإخفاقاته، وبمواقفه النبيلة كما بخلافاته، لأن الحقيقة وحدها هي التي تبقى عندما يرحل الجميع.