الملك فيليب السادس في اجتماع رسمي
*بقلم: حكيمة الوردي*
اجتماع غير مدرج في الأجندة جمع فيليبي السادس بوزيرة الدفاع وكبار القادة العسكريين.. والقصر اختار الكشف عنه بصورة تحمل رسائل إلى الداخل الإسباني والخارج
لم يكن اجتماعاً عادياً مر به القصر الملكي الإسباني في صمت؛ فقد اختار قصر لا ثارثويلا أن يكشف، يوم الثلاثاء 8 شتنبر 2026، عن لقاء عقده الملك فيليبي السادس في اليوم السابق مع وزيرة الدفاع وكبار القادة العسكريين، خُصص لبحث الوضع في سبتة المحتلة «من وجهة نظر الدفاع»، وأرفق الخبر بصورة بدا فيها العاهل الإسباني بزيه العسكري محاطاً بقيادات القوات المسلحة.
وأثارت الصورة ردود فعل غاضبة في أوساط مغربية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث قرأ فيها متابعون رسالة استفزاز وسيادة موجهة إلى المغرب، بالنظر إلى طبيعة الاجتماع وتوقيته، وحضور القائد العام للقوات الإسبانية في سبتة، فضلًا عن اختيار القصر إظهار الملك بالزي العسكري في قلب مشهد دفاعي يرتبط بمدينة ما زال المغرب يعتبرها جزءاً من ترابه المحتل.
وبحسب ما نشره القصر الملكي الإسباني، فقد جمع اللقاء الملك فيليبي السادس بوزيرة الدفاع مارغريتا روبليس، ورئيس هيئة أركان الدفاع الأدميرال العام تيقل، تيودdordال الجنرال خولس، والقائد العام لسبتة، إلى جانب عدد من قادة العمليات بالقوات المسلحة، بهدف «فحص الوضع في سبتة من وجهة نظر الدفاع».
ورغم وضوح موضوع الاجتماع، لم يتحدث إعلان القصر عن تحريك قوات أو رفع درجة التأهب أو اتخاذ قرارات عسكرية ميدانية، وهو ما يجعل وصف اللقاء بأنه «حشد عسكري» سابقاً لما تسمح به المعلومات المنشورة. غير أن غياب قرارات عملياتية معلنة لا ينزع عن الصورة حمولتها السياسية، ولا يلغي الرسالة التي صنعتها طريقة تقديم الاجتماع للرأي العام.
* اجتماع غاب عن الأجندة وحضرت صورته بقوة
تكتسب الواقعة دلالتها الأساسية من كون الاجتماع لم يكن مدرجاً في الأجندة العامة المعلنة للملك أو وزيرة الدفاع، قبل أن يقرر القصر الكشف عنه في اليوم التالي ونشر صورة رسمية له.
وهنا تتجاوز الصورة وظيفتها التوثيقية؛ فالملك يظهر بزي القائد العام للقوات المسلحة، وتحيط به القيادات العسكرية المسؤولة عن الدفاع والعمليات، فيما يحتل ملف سبتة صدارة الطاولة. وبذلك، أصبحت الصورة في ذاتها جزءاً من الرسالة السياسية، وليس مجرد مرفق بصري لخبر بروتوكولي.
صحيفة «إل باييس» الإسبانية توقفت عند هذه الدلالة، معتبرة أن نشر صورة الملك بالزي العسكري إلى جانب وزيرة الدفاع وقادة الجيش يشكل إشارة سياسية موجهة إلى الداخل الإسباني، لإظهار متابعة رأس الدولة لما تعتبره مدريد دفاعاً عن حدودها، وإلى الخارج أيضاً، بما في ذلك المغرب.
في المقابل، سعت مصادر حكومية إسبانية إلى وضع الاجتماع ضمن إطار «طبيعي»، بالنظر إلى الصفة الدستورية للملك باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، مؤكدة أن الحكومة كانت على علم بعقده ولم تر فيه خروجاً عن اختصاصات المؤسسة الملكية.
غير أن الحديث عن الطابع الطبيعي للاجتماع لا يجيب وحده عن السؤال المتعلق بطريقة إخراجه إعلامياً: لماذا تعمد القصر نشر صورة عسكرية لاجتماع غير معلن، وفي لحظة تتصاعد فيها الحساسية السياسية والدبلوماسية المرتبطة بسبتة؟
* سبتة تنتقل من أزمة حدودية إلى واجهة للرسائل السياسية
يأتي الكشف عن الاجتماع في سياق مشحون أعقب أزمة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز، وما رافقها من جدل داخل إسبانيا بشأن المسؤوليات الأمنية والسياسية، ومن اتهامات أطلقتها أطراف إسبانية في اتجاه المغرب من دون أن تقدم الحكومة الإسبانية دليلًا يثبت أن السلطات المغربية خططت للعملية أو أشرفت عليها.
وكان فيليبي السادس قد عبّر عن «القلق والاستياء» مما وصفه بالأحداث الخطيرة التي عرفتها سبتة، وبدرجة أقل مليلية المحتلة، داعياً إلى اتخاذ تدابير تعكس بصورة موحدة وواضحة دعم الدولة الإسبانية للمدينتين.
كما تعمل الحكومة الإسبانية والقصر الملكي على التحضير لزيارة مرتقبة لفيليبي السادس إلى سبتة ومليلية خلال الأسابيع المقبلة، بحسب ما أعلنه رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، في خطوة يرجح أن تضيف مستوى جديداً من الحساسية إلى العلاقات المغربية الإسبانية.
وإذا كان الاجتماع العسكري لا يثبت، في حد ذاته، وجود استعداد لتحرك ميداني أو تصعيد مباشر ضد المغرب، فإن جمع الملك بوزيرة الدفاع والقيادات العسكرية المعنية بسبتة، ثم تعمد نشر صورة اللقاء بهذه الهيئة، يصعب فصله عن محاولة تثبيت رواية السيادة الإسبانية وتوجيه رسالة قوة وطمأنة إلى الرأي العام داخل المدينة وإسبانيا.
ومن هذه الزاوية، لم يكن غضب المغاربة متعلقاً بالزي العسكري وحده، وإنما بالسياق الذي وضعت فيه الصورة: مدينة مغربية محتلة تتحول إلى موضوع اجتماع دفاعي على أعلى مستوى، وقصر ملكي يختار بعناية اللحظة والصورة اللتين يكشف بهما عن اللقاء.
وبين رواية الحكومة الإسبانية التي تقدم الاجتماع باعتباره ممارسة طبيعية لاختصاصات الملك، وقراءة إعلامية ترى فيه إشارة سياسية إلى المغرب، تبقى الحقيقة الأوضح أن قصر ثارثويلا في مدريد لم يترك الاجتماع خلف الأبواب المغلقة، بل أراد للرأي العام أن يراه.
وفي السياسة، لا تُنشر صور من هذا النوع عبثاً؛ فقد تكون الكلمات مقتضبة ومحسوبة، لكن الزي العسكري، وأسماء الحاضرين، وموضوع الاجتماع، وتوقيت الكشف عنه، صنعت مجتمعة رسالة أكثر وضوحاً من البيان نفسه.
ومع ذلك، فإن المغرب لا تقاس قوة مواقفه بصورة تُنشر أو بزي عسكري يظهر في اجتماع، ولا تهتز ثوابته أمام رسائل ظرفية مهما أُحيطت بالرموز والإيحاءات. فالشعب المغربي وملكه يد واحدة في الدفاع عن سيادة الوطن ووحدته الترابية، وهي حقيقة راسخة لا تحتاج إلى استعراض ولا تقبل المساومة.
والمغاربة، وهم يقرأون جيداً ما وراء الصور والرسائل، لا يأبهون لمثل هذه الترهات ولا يسمحون لها بأن تصرفهم عن ثوابتهم أو تجرهم إلى انفعال يخدم حسابات الآخرين. فالمغرب وإسبانيا جاران يفرضان عليهما التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة أن يجعلا الحوار والاحترام المتبادل أساساً لعلاقاتهما، لا أن تتحول الصور العسكرية والإشارات المحسوبة إلى بديل عن الحكمة السياسية وحسن الجوار.
أما سبتة، فستظل قضية حاضرة في الوجدان المغربي، يُدافع عنها المغرب بثبات ومسؤولية وبوحدة لا تنفصم بين العرش والشعب؛ بعيداً عن الضجيج، وأقوى من كل صورة، وأبقى من كل رسالة عابرة.