2026 يونيو/جوان 3 - تم تعديله في [التاريخ]

صيف 2026 يفتح الباب أمام موجات حر أشد..

المغرب بين مفارقة الأمطار وواقع الاحترار المناخي


العلم - جيهان مريك (صحفية متدربة)

مع دخول صيف 2026، تتجه الأنظار نحو تحذيرات علمية متزايدة تشير إلى أن العالم مقبل على مرحلة أكثر تطرفا من حيث موجات الحر، في سياق تداخل الاحترار المناخي طويل الأمد مع تطور ظاهرة النينيو في المحيط الهادئ. وتشير تقديرات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن احتمال تطور النينيو خلال هذه الفترة يتجاوز 70 إلى 80 في المائة، وهو ما قد يرفع درجات الحرارة العالمية فوق معدلاتها المعتادة خلال العامين 2026 و2027.

هذه التطورات المناخية لا تنفصل عن السياق العام لارتفاع حرارة الكوكب. فبحسب بيانات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، ارتفعت درجة حرارة سطح الأرض بنحو 1.1 إلى 1.3 درجة مئوية مقارنة بفترة ما قبل الثورة الصناعية، وهو ما جعل موجات الحر أكثر تواترا وشدة واستمرارا في مختلف مناطق العالم، خاصة في حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا.

رغم أن المغرب شهد خلال موسم 2025-2026 تساقطات مطرية وُصفت بأنها من بين الأعلى منذ أكثر من أربعة عقود، منهية بذلك سنوات متتالية من الجفاف، فإن هذه الأمطار لا تعني تراجع خطر موجات الحر. بل على العكس، يرى خبراء المناخ أن هذا التباين يعكس بوضوح طبيعة “التطرف المناخي” الذي يميز المرحلة الحالية.

فالأمطار الغزيرة التي سجلتها المملكة خلال الشتاء الأخير ساهمت في تحسين حقينة السدود ورفع المخزون المائي، لكن الدراسات المناخية تؤكد أن المغرب في مسار احترار واضح. فقد ارتفعت درجات الحرارة في البلاد بنحو 0.2 إلى 0.4 درجة مئوية لكل عقد خلال العقود الأخيرة، مع تسجيل موجات حر تجاوزت 45 درجة مئوية في بعض المناطق الداخلية خلال صيف 2023 و2024.

وتشير نماذج مناخية إقليمية إلى احتمال ارتفاع متوسط الحرارة في المغرب بين 1.5 و3 درجات مئوية بحلول منتصف القرن، في حال استمرار الانبعاثات الحالية. كما يُتوقع أن يزداد عدد الأيام شديدة الحرارة (فوق 35 درجة مئوية) بشكل ملحوظ، مع توسع رقعة المناطق المعرضة لموجات حر تتجاوز 40 درجة مئوية.

بحسب دراسات مناخية حديثة، فإن منطقة البحر الأبيض المتوسط تُعد من “النقاط الساخنة” لتغير المناخ العالمي، حيث ترتفع الحرارة فيها بوتيرة أسرع من المعدل العالمي. وتشير التقديرات إلى أن موجات الحر في المنطقة قد تصبح أطول بما يصل إلى 10 إلى 20 يوما إضافيا في بعض السيناريوهات المناخية بحلول نهاية القرن.

كما أن التداخل بين الجفاف وارتفاع الحرارة يؤدي إلى ما يعرف بـ”موجات الحر المركبة”، وهي حالات يصبح فيها الطقس أكثر خطورة على الصحة العامة، الفلاحة، والموارد المائية.

في المغرب، يظهر هذا التأثير بشكل أوضح في المناطق الداخلية والجنوبية، حيث تتزايد فترات الإجهاد الحراري، ويتراجع الغطاء النباتي، ما يضاعف الضغط على الموارد المائية المحدودة أصلا.

تؤكد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن عودة النينيو خلال 2026 قد تساهم في رفع إضافي لدرجات الحرارة العالمية، حيث غالبا ما ترتبط هذه الظاهرة بسنوات شديدة الحرارة. وتشير بيانات تاريخية إلى أن السنوات التي تعقب نينيو قوي غالبا ما تسجل أرقاما قياسية جديدة في درجات الحرارة العالمية.

ولهذا السبب، يحذر علماء المناخ من أن الفترة الممتدة بين 2026 و2030 قد تكون من بين أكثر الفترات حرارة في التاريخ الحديث، حتى في حال حدوث فترات مطرية جيدة في بعض المناطق مثل المغرب.

إن المفارقة التي يعيشها المغرب اليوم، بين أمطار قوية من جهة وارتفاع مستمر في درجات الحرارة من جهة أخرى، ليست تناقضا مناخيا، بل هي أحد مظاهر التحول المناخي العالمي. فالنظام المناخي أصبح أكثر اضطرابا، حيث تتجاور الفيضانات وموجات الحر والجفاف في دورات متقاربة.

وبينما تمثل الأمطار الأخيرة خبرا إيجابيا على المدى القصير، فإن المؤشرات العلمية تؤكد أن موجات الحر في المغرب ستزداد في المستقبل من حيث الشدة والتكرار، ما يستدعي تعزيز سياسات التكيف، خصوصا في مجالات الماء، الزراعة، والصحة العامة، لمواجهة صيف يبدو أنه لن يعود كما كان في السابق.



في نفس الركن