*العلم الإلكترونية: محمد اليطفتي*
حين نتحدث عن طنجة اليوم، فإننا نتحدث عن مدينة أصبحت خلال السنوات الأخيرة عنواناً لنجاحات اقتصادية وصناعية كبرى، وواجهة استثمارية للمغرب على ضفتي المتوسط، وقطباً حضرياً يستقطب آلاف الوافدين سنوياً من مختلف جهات المملكة. غير أن هذه الصورة المشرقة تخفي وراءها واقعاً آخر يعيشه المواطن الطنجي يومياً، يتمثل في أزمة متفاقمة للسير والجولان تحولت إلى مصدر استياء واسع لدى الساكنة ومستعملي الطريق.
وفي هذا السياق، لا بد من التنويه بالاهتمام الخاص الذي ما فتئ يوليه والي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة لملف السير والجولان، إدراكاً منه بأهمية هذا الورش في مواكبة الدينامية التنموية التي تشهدها المدينة.
فقد شكل هذا الموضوع إحدى الأولويات التي تطرق إليها في العديد من الاجتماعات واللقاءات التنسيقية، سواء مع المصالح الخارجية أو مع مختلف المتدخلين في تدبير الشأن المحلي، انطلاقاً من قناعة مفادها أن تحسين ظروف التنقل الحضري يعد مدخلاً أساسياً لمعالجة عدد من الإشكالات المرتبطة بالتنمية الحضرية وجودة العيش وجاذبية الاستثمار.
كما حرص السيد الوالي على الدفع في اتجاه إيجاد حلول عملية ومستدامة، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، وتسريع إنجاز المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية والتنقل. وهي الجهود التي تؤكد أن السلطات الولائية تضع هذا الملف ضمن أولوياتها الاستراتيجية، غير أن تحقيق النتائج المرجوة يظل رهيناً بانخراط جماعة طنجة بالنجاعة والسرعة المطلوبتين، باعتبارها المتدخل الرئيسي في تدبير هذا القطاع الحيوي.
لقد أصبحت حركة التنقل داخل المدينة من أكثر الملفات التي تثير النقاش في الأوساط المحلية، ليس فقط بسبب ما تسببه من تأخير وإرهاق للمواطنين، بل لأنها تكشف عن اختلالات عميقة في تدبير الشأن المحلي، وعن غياب رؤية متكاملة قادرة على مواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها المدينة.
فمنطقة طنجة تعرف نمواً عمرانياً متسارعاً وغير مسبوق. أحياء جديدة تتوسع باستمرار، ومشاريع سكنية كبرى تظهر في مختلف الاتجاهات، ومناطق صناعية وتجارية تستقطب أعداداً متزايدة من العمال والموظفين والزوار. وفي المقابل، ظلت البنية المرتبطة بالتنقل الحضري تسير بوتيرة أبطأ بكثير من سرعة هذا النمو، الأمر الذي أدى إلى اختناق العديد من المحاور الطرقية التي أصبحت عاجزة عن استيعاب حجم الحركة المتزايد.
ويكفي القيام بجولة قصيرة خلال ساعات الذروة الصباحية أو المسائية لاكتشاف حجم المعاناة التي يعيشها المواطنون. فالعديد من الشوارع الرئيسية تعرف ازدحاماً خانقاً بشكل يومي، بينما تتحول بعض المدارات والمحاور الاستراتيجية إلى نقاط سوداء تستنزف وقت السائقين وتعرقل حركة التنقل لساعات طويلة. وأصبح الوصول إلى مقر العمل أو المؤسسة التعليمية أو الإدارة العمومية يتطلب أحياناً وقتاً مضاعفاً مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات قليلة.
وإذا كانت المدن الكبرى عبر العالم تواجه بطبيعتها تحديات مرتبطة بحركة السير، فإن الفرق يكمن في وجود سياسات استباقية ومخططات واضحة للتخفيف من آثار هذه التحديات. أما في طنجة، فيبدو أن جماعة المدينة لم تنجح إلى حدود اليوم في بلورة تصور متكامل قادر على استيعاب التحولات المتسارعة التي تعرفها المدينة.
فالساكنة لا تنتظر من المجلس الجماعي الاكتفاء بإصدار البلاغات أو عقد الاجتماعات الدورية، بل تنتظر حلولاً ملموسة تنعكس على الواقع اليومي. والحقيقة أن حصيلة الجماعة في هذا المجال لا تزال دون مستوى الانتظارات، بالنظر إلى استمرار مظاهر الازدحام نفسها سنة بعد أخرى، بل وتفاقمها مع مرور الوقت.
ومن أبرز المؤشرات على ضعف التدبير، غياب استراتيجية واضحة لإعادة تنظيم حركة السير وفق المعطيات الجديدة التي فرضها التوسع العمراني. فالكثير من الأحياء الحديثة أُنجزت دون أن تواكبها شبكة طرقية متناسبة مع الكثافة السكانية المرتقبة، كما أن عدداً من المحاور التي كانت كافية في السابق أصبحت اليوم غير قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من المركبات.
كما يلاحظ المتتبع للشأن المحلي أن الجماعة لم تنجح في استثمار الإمكانات التي توفرها التقنيات الحديثة في تدبير حركة المرور. ففي الوقت الذي أصبحت فيه المدن الذكية تعتمد أنظمة متطورة لمراقبة وتوجيه حركة السير بشكل فوري، لا تزال العديد من النقاط الحيوية بطنجة تعاني من تدبير تقليدي لا يواكب متطلبات مدينة تسعى إلى الارتقاء إلى مصاف الحواضر العالمية.
ولا يمكن الحديث عن أزمة السير دون التطرق إلى واقع النقل العمومي الذي يظل أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة الاختناق المروري. فمن البديهي أن أي مدينة ترغب في تقليص عدد السيارات الخاصة مطالبة بتوفير وسائل نقل جماعي فعالة وآمنة ومنتظمة. غير أن ما يعيشه المواطن الطنجي يومياً يكشف أن هذا الورش لم يحظ بالعناية الكافية، إذ لا يزال عدد كبير من المواطنين يفضلون استعمال سياراتهم الخاصة بسبب محدودية البدائل المتاحة أو بسبب عدم قدرة وسائل النقل الحالية على تلبية الحاجيات المتزايدة للسكان.
وتتحمل جماعة طنجة جزءاً مهماً من المسؤولية في هذا الجانب، باعتبارها الفاعل الرئيسي في التخطيط الحضري وتدبير العديد من الملفات المرتبطة بالتنقل داخل المدينة. غير أن الملاحظ هو أن المقاربة المعتمدة ظلت في كثير من الأحيان محكومة بمنطق معالجة النتائج بدل معالجة الأسباب، وهو ما جعل الأزمة تستمر وتتوسع بدل أن تنحسر.
ويزداد الوضع تعقيداً بسبب انتشار التوقف العشوائي في عدد من الشوارع الرئيسية، واستمرار احتلال بعض الأرصفة والفضاءات العمومية، إضافة إلى ضعف تنظيم عدد من المحاور التجارية التي تعرف حركة كثيفة للراجلين والمركبات على حد سواء. وهي مظاهر تؤكد أن الإشكال لا يرتبط فقط بالبنية التحتية، بل أيضاً بضعف الحكامة المحلية في تدبير الفضاء الحضري.
ومن المفارقات اللافتة أن الدولة استثمرت خلال السنوات الماضية مبالغ ضخمة في تأهيل البنيات الكبرى لطنجة، من طرق وموانئ ومناطق صناعية وتجهيزات استراتيجية، كما حظيت المدينة بعناية ملكية متواصلة جعلتها نموذجاً للتنمية الحديثة. غير أن هذه الدينامية لم تنعكس بالشكل الكافي على مستوى تدبير السير والجولان داخل المجال الحضري، وهو ما يطرح علامات استفهام حقيقية حول أداء الجماعة ومدى قدرتها على مواكبة الأوراش الكبرى التي تشهدها المدينة.
لقد كان من المفترض أن يشكل مشروع "الطرامواي" أحد الحلول الهيكلية الكبرى للتخفيف من الضغط المتزايد على شبكة الطرق. فهذا المشروع، الذي ظل مطروحاً ضمن التصورات المستقبلية لتطوير منظومة النقل الحضري بطنجة، كان من شأنه أن يوفر وسيلة نقل جماعي عصرية، وأن يربط بين الأحياء الكبرى ومراكز النشاط الاقتصادي والإداري، وأن يساهم بشكل مباشر في الحد من الاعتماد المفرط على السيارات الخاصة.
كما أن أهمية هذا المشروع لا تنبع فقط من بعده التقني، بل أيضاً من كونه ينسجم مع الرؤية الملكية السامية التي جعلت من طنجة ورشاً تنموياً مفتوحاً، وسعت إلى توفير مختلف شروط الحداثة والتنافسية لهذه الحاضرة الاستراتيجية. غير أن المتتبعين للشأن المحلي يتساءلون اليوم عن أسباب عدم إخراج هذا المشروع إلى حيز التنفيذ، وعن مدى تفاعل جماعة طنجة مع مختلف مراحل الإعداد والترافع والتنسيق التي كان من شأنها أن تدفع بهذا الورش إلى الأمام. فمشروع بهذا الحجم لم يكن مجرد وسيلة نقل إضافية، بل كان يمثل رؤية متكاملة لمستقبل التنقل الحضري بالمدينة، وكان قادراً على التخفيف من معاناة المواطنين ومواكبة النمو العمراني والاقتصادي الذي تعرفه طنجة. إلا أن ما يسجل اليوم هو أن الجماعة لم تتفاعل مع هذا الورش الملكي المهيكل بالفعالية المطلوبة، ولم تنخرط بالشكل الكافي في توفير الشروط اللازمة لتسريع تنزيله على أرض الواقع.
واليوم، بينما تتواصل معاناة المواطنين مع الاختناق المروري، وتزداد كلفة التنقل على الأسر والمقاولات، يصبح من المشروع التساؤل: إلى متى ستظل جماعة طنجة تتعامل مع هذا الملف بمنطق التدبير اليومي المحدود؟ وإلى متى ستبقى المدينة، التي نجحت في استقطاب كبريات الاستثمارات العالمية، عاجزة عن توفير منظومة تنقل حضري تليق بمكانتها؟
إن طنجة لا تحتاج إلى تشخيص جديد للمشكلة، فالجميع يعرف حجم الأزمة وأسبابها. ما تحتاجه المدينة اليوم هو الانتقال من مرحلة تدبير الأزمة إلى مرحلة صناعة الحلول، عبر رؤية استراتيجية حقيقية تواكب مكانة المدينة وطموحات ساكنتها. فالتنمية لا تقاس فقط بعدد المصانع والموانئ والمشاريع الكبرى، بل أيضاً بقدرة المواطن على التنقل في ظروف مريحة وآمنة تحفظ وقته وكرامته. وفي هذا الجانب تحديداً، ما تزال جماعة طنجة مطالبة ببذل مجهود أكبر حتى تكون في مستوى التحولات الكبرى التي تعرفها المدينة، وحتى تواكب الدينامية التي تقودها مختلف المؤسسات والسلطات العمومية من أجل جعل طنجة مدينة حديثة تستجيب لتطلعات ساكنتها وتليق بمكانتها كواجهة للمغرب نحو المستقبل.