أزمة التنقل التي تختبر تدبير طنجة
*بقلم: محمد اليطفتي*
لم تعد أزمة السير والجولان بمدينة طنجة مجرد معاناة يومية تستهلك وقت المواطنين وأعصابهم، بل أضحت مؤشراً على اختلال التوازن بين التوسع الحضري المتسارع ومتطلبات التدبير الحضري، وامتحاناً حقيقياً لقدرة المؤسسات المنتخبة على مواكبة التحولات العميقة التي تعرفها عاصمة البوغاز. فحين يتحول التنقل داخل المدينة إلى رحلة مرهقة، ويصبح الازدحام مشهداً مألوفاً في عدد من محاورها، فإن الأمر يتجاوز حدود الإزعاج العابر، ليطرح سؤالاً جوهرياً حول الرؤية المعتمدة لتدبير المدينة واستشراف حاجياتها المستقبلية.
وتزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية التي تحتلها طنجة في النسيج الاقتصادي الوطني، وإلى حجم الأوراش الكبرى التي تحتضنها، فضلاً عن الرهانات المرتبطة باستعداد المغرب لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030. فمدينة بهذا الثقل الاقتصادي والجغرافي، وبهذه الطموحات التنموية، لا يمكن أن تظل حركة السير فيها رهينة حلول ظرفية وتدخلات متفرقة، بينما تفرض التحولات الديمغرافية والعمرانية والاقتصادية اعتماد سياسة استباقية للنقل والتنقل.
إن الاختناق المروري ليس معطى معزولاً عن بقية اختلالات المجال الحضري، بل هو نتيجة تفاعل عوامل متعددة، من بينها الضغط المتزايد على المحاور الطرقية، وتنامي الحاجة إلى مواقف السيارات، ومدى ملاءمة النقل العمومي للتحولات التي تعرفها المدينة، فضلاً عن ضرورة تحقيق الانسجام بين التوسع العمراني وتوزيع الأنشطة والمرافق. ولذلك، فإن مواجهة هذه الأزمة لا يمكن أن تُختزل في إجراءات جزئية، مهما كانت ضرورتها، بل تستدعي مخططاً متكاملاً يحدد الأولويات، ويضبط المسؤوليات، ويربط التدخلات الآنية بأفق تنموي واضح.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لولاية جهة طنجة-تطوان-الحسيمة في التنسيق بين المتدخلين ومواكبة الأوراش الاستراتيجية، بما يضمن الالتقائية بين المشاريع ويعزز نجاعة تنفيذها. غير أن نجاح هذه الدينامية يظل رهيناً بانخراط فعلي للمجلس الجماعي لطنجة، باعتباره مؤسسة منتخبة معنية بتدبير الشأن المحلي وترتيب أولوياته، وبمدى قدرة المسؤولين المكلفين بقطاع السير والجولان على الانتقال من تدبير الإكراهات اليومية إلى بلورة حلول مستدامة تستجيب لحاجيات السكان.
ومن هذا المنطلق، فإن مساءلة المجلس الجماعي عن واقع التنقل ليست ترفاً سياسياً، بل تدخل في صميم المسؤولية العمومية. فالمواطن لا ينتظر توصيفاً متجدداً للاختناق، ولا حلولاً تُعلن عند اشتداد الأزمة ثم تتراجع آثارها بعد حين، وإنما ينتظر برنامجاً عملياً واضح المعالم، يستند إلى تشخيص دقيق، ويحدد المحاور ذات الأولوية، ويطور النقل العمومي، ويحسن تنظيم حركة السير ومواقف السيارات، ويتيح تقييم النتائج وفق آجال ومؤشرات معلنة.
كما أن المسؤولية السياسية تقتضي من المجلس الجماعي تقديم أجوبة مقنعة بشأن التدابير المعتمدة، ومدى انسجامها مع حاجيات المدينة، وآفاق معالجة النقاط السوداء التي تستنزف يومياً وقت المواطنين. فالتدبير الجيد لا يُقاس بعدد الاجتماعات أو القرارات، بل بقدرته على إحداث تغيير ملموس في الحياة اليومية، وتحويل الاختصاصات والإمكانات المتاحة إلى نتائج يشعر بها المواطن في تنقله وعمله وقضاء أغراضه.
ولا ينبغي أن يتحول الاستعداد لمونديال 2030 إلى مجرد سباق لتأهيل بعض الواجهات أو تحسين الصورة الخارجية للمدينة، بل يتعين أن يشكل فرصة لإرساء نموذج حضري أكثر نجاعة واستدامة. فالإرث الحقيقي للتظاهرات الكبرى لا يتمثل فقط في المنشآت والمشاريع المنجزة، وإنما في قدرتها على تحسين شروط العيش، وتطوير البنيات الأساسية، وتيسير حركة السكان، وتعزيز جاذبية المدينة للاستثمار والسياحة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى رؤية متكاملة للنقل والتنقل، تتجاوز منطق تدبير السير بالوسائل التقليدية، وتستحضر الحلول الذكية، وتدعم النقل الجماعي، وتحسن الربط بين الأحياء ومراكز النشاط الاقتصادي، مع اعتماد تخطيط عمراني يحد من الضغط غير المتوازن على المحاور الرئيسية. وهي مسؤولية مشتركة تستوجب التنسيق بين المجلس الجماعي والسلطات الترابية ومختلف المؤسسات المعنية، كل في حدود اختصاصاته، بعيداً عن تشتت المبادرات أو تحميل جهة واحدة مسؤولية إشكال تتداخل في إنتاجه عوامل متعددة.
إن الرهان المطروح اليوم على طنجة ليس هامشياً، لأن جودة التنقل أصبحت جزءاً من جودة الحياة ومن شروط العدالة المجالية، خصوصاً بالنسبة إلى العمال والطلبة والموظفين وساكنة الأحياء التي يُثقل بعدها عن مراكز الخدمات كلفة التنقل اليومي. ومن ثم، فإن أي سياسة حضرية لا تضع المواطن وحقه في التنقل الميسر في صلب أولوياتها تظل عاجزة عن مواكبة الطموح التنموي الذي تتطلع إليه المدينة.
لقد آن الأوان لأن يتحول ملف السير والجولان من تدبير يومي للأزمات إلى ورش استراتيجي يحظى بما يستحقه من تخطيط وموارد ومتابعة ومساءلة. وعلى المجلس الجماعي، ولا سيما المسؤولين المكلفين بهذا القطاع، أن يقدموا تصوراً واضحاً لما ينبغي إنجازه، وأن يجعلوا من النتائج الميدانية معياراً لتقييم الأداء، مع الاستفادة من التنسيق المؤسساتي الذي تضطلع به الولاية في مواكبة المشاريع الكبرى.
فطنجة التي تستعد لرهانات 2030 لا تحتاج إلى مزيد من الترقيعات بقدر ما تحتاج إلى رؤية تسبق الاختناق، وتدبير يستجيب لتحولات المدينة، ومسؤولية سياسية تُقاس بما تحققه لا بما تعلنه. فمكانة عاصمة البوغاز لا تفرض عليها فقط احتضان المشاريع الكبرى، بل تفرض أيضاً أن تكون مدينة ميسرة للتنقل، محترمة لوقت مواطنيها، وقادرة على ترجمة طموحها الاقتصادي إلى جودة ملموسة في الحياة اليومية. ومن هنا تبدأ جدية الرهان التنموي، ومن هنا أيضاً تُختبر نجاعة التدبير الجماعي.
لم تعد أزمة السير والجولان بمدينة طنجة مجرد معاناة يومية تستهلك وقت المواطنين وأعصابهم، بل أضحت مؤشراً على اختلال التوازن بين التوسع الحضري المتسارع ومتطلبات التدبير الحضري، وامتحاناً حقيقياً لقدرة المؤسسات المنتخبة على مواكبة التحولات العميقة التي تعرفها عاصمة البوغاز. فحين يتحول التنقل داخل المدينة إلى رحلة مرهقة، ويصبح الازدحام مشهداً مألوفاً في عدد من محاورها، فإن الأمر يتجاوز حدود الإزعاج العابر، ليطرح سؤالاً جوهرياً حول الرؤية المعتمدة لتدبير المدينة واستشراف حاجياتها المستقبلية.
وتزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية التي تحتلها طنجة في النسيج الاقتصادي الوطني، وإلى حجم الأوراش الكبرى التي تحتضنها، فضلاً عن الرهانات المرتبطة باستعداد المغرب لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030. فمدينة بهذا الثقل الاقتصادي والجغرافي، وبهذه الطموحات التنموية، لا يمكن أن تظل حركة السير فيها رهينة حلول ظرفية وتدخلات متفرقة، بينما تفرض التحولات الديمغرافية والعمرانية والاقتصادية اعتماد سياسة استباقية للنقل والتنقل.
إن الاختناق المروري ليس معطى معزولاً عن بقية اختلالات المجال الحضري، بل هو نتيجة تفاعل عوامل متعددة، من بينها الضغط المتزايد على المحاور الطرقية، وتنامي الحاجة إلى مواقف السيارات، ومدى ملاءمة النقل العمومي للتحولات التي تعرفها المدينة، فضلاً عن ضرورة تحقيق الانسجام بين التوسع العمراني وتوزيع الأنشطة والمرافق. ولذلك، فإن مواجهة هذه الأزمة لا يمكن أن تُختزل في إجراءات جزئية، مهما كانت ضرورتها، بل تستدعي مخططاً متكاملاً يحدد الأولويات، ويضبط المسؤوليات، ويربط التدخلات الآنية بأفق تنموي واضح.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لولاية جهة طنجة-تطوان-الحسيمة في التنسيق بين المتدخلين ومواكبة الأوراش الاستراتيجية، بما يضمن الالتقائية بين المشاريع ويعزز نجاعة تنفيذها. غير أن نجاح هذه الدينامية يظل رهيناً بانخراط فعلي للمجلس الجماعي لطنجة، باعتباره مؤسسة منتخبة معنية بتدبير الشأن المحلي وترتيب أولوياته، وبمدى قدرة المسؤولين المكلفين بقطاع السير والجولان على الانتقال من تدبير الإكراهات اليومية إلى بلورة حلول مستدامة تستجيب لحاجيات السكان.
ومن هذا المنطلق، فإن مساءلة المجلس الجماعي عن واقع التنقل ليست ترفاً سياسياً، بل تدخل في صميم المسؤولية العمومية. فالمواطن لا ينتظر توصيفاً متجدداً للاختناق، ولا حلولاً تُعلن عند اشتداد الأزمة ثم تتراجع آثارها بعد حين، وإنما ينتظر برنامجاً عملياً واضح المعالم، يستند إلى تشخيص دقيق، ويحدد المحاور ذات الأولوية، ويطور النقل العمومي، ويحسن تنظيم حركة السير ومواقف السيارات، ويتيح تقييم النتائج وفق آجال ومؤشرات معلنة.
كما أن المسؤولية السياسية تقتضي من المجلس الجماعي تقديم أجوبة مقنعة بشأن التدابير المعتمدة، ومدى انسجامها مع حاجيات المدينة، وآفاق معالجة النقاط السوداء التي تستنزف يومياً وقت المواطنين. فالتدبير الجيد لا يُقاس بعدد الاجتماعات أو القرارات، بل بقدرته على إحداث تغيير ملموس في الحياة اليومية، وتحويل الاختصاصات والإمكانات المتاحة إلى نتائج يشعر بها المواطن في تنقله وعمله وقضاء أغراضه.
ولا ينبغي أن يتحول الاستعداد لمونديال 2030 إلى مجرد سباق لتأهيل بعض الواجهات أو تحسين الصورة الخارجية للمدينة، بل يتعين أن يشكل فرصة لإرساء نموذج حضري أكثر نجاعة واستدامة. فالإرث الحقيقي للتظاهرات الكبرى لا يتمثل فقط في المنشآت والمشاريع المنجزة، وإنما في قدرتها على تحسين شروط العيش، وتطوير البنيات الأساسية، وتيسير حركة السكان، وتعزيز جاذبية المدينة للاستثمار والسياحة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى رؤية متكاملة للنقل والتنقل، تتجاوز منطق تدبير السير بالوسائل التقليدية، وتستحضر الحلول الذكية، وتدعم النقل الجماعي، وتحسن الربط بين الأحياء ومراكز النشاط الاقتصادي، مع اعتماد تخطيط عمراني يحد من الضغط غير المتوازن على المحاور الرئيسية. وهي مسؤولية مشتركة تستوجب التنسيق بين المجلس الجماعي والسلطات الترابية ومختلف المؤسسات المعنية، كل في حدود اختصاصاته، بعيداً عن تشتت المبادرات أو تحميل جهة واحدة مسؤولية إشكال تتداخل في إنتاجه عوامل متعددة.
إن الرهان المطروح اليوم على طنجة ليس هامشياً، لأن جودة التنقل أصبحت جزءاً من جودة الحياة ومن شروط العدالة المجالية، خصوصاً بالنسبة إلى العمال والطلبة والموظفين وساكنة الأحياء التي يُثقل بعدها عن مراكز الخدمات كلفة التنقل اليومي. ومن ثم، فإن أي سياسة حضرية لا تضع المواطن وحقه في التنقل الميسر في صلب أولوياتها تظل عاجزة عن مواكبة الطموح التنموي الذي تتطلع إليه المدينة.
لقد آن الأوان لأن يتحول ملف السير والجولان من تدبير يومي للأزمات إلى ورش استراتيجي يحظى بما يستحقه من تخطيط وموارد ومتابعة ومساءلة. وعلى المجلس الجماعي، ولا سيما المسؤولين المكلفين بهذا القطاع، أن يقدموا تصوراً واضحاً لما ينبغي إنجازه، وأن يجعلوا من النتائج الميدانية معياراً لتقييم الأداء، مع الاستفادة من التنسيق المؤسساتي الذي تضطلع به الولاية في مواكبة المشاريع الكبرى.
فطنجة التي تستعد لرهانات 2030 لا تحتاج إلى مزيد من الترقيعات بقدر ما تحتاج إلى رؤية تسبق الاختناق، وتدبير يستجيب لتحولات المدينة، ومسؤولية سياسية تُقاس بما تحققه لا بما تعلنه. فمكانة عاصمة البوغاز لا تفرض عليها فقط احتضان المشاريع الكبرى، بل تفرض أيضاً أن تكون مدينة ميسرة للتنقل، محترمة لوقت مواطنيها، وقادرة على ترجمة طموحها الاقتصادي إلى جودة ملموسة في الحياة اليومية. ومن هنا تبدأ جدية الرهان التنموي، ومن هنا أيضاً تُختبر نجاعة التدبير الجماعي.
رئيسية 








الرئيسية




