2026 يوليو/جويلية 29 - تم تعديله في [التاريخ]

طنجة... حين تسبق الأسعارُ الدخل



*العلم الإلكترونية: محمد اليطفتي*

منذ سنوات، ارتبط اسم طنجة في المخيال الاقتصادي الوطني بمدينة الصعود الكبير. مدينةٌ أعادت رسم موقع المغرب على الخريطة الصناعية واللوجستية، واستقطبت كبريات الاستثمارات، وتحولت إلى قطب اقتصادي يضاهي أهم المراكز الإقليمية في شمال أفريقيا.
غير أن المدن، كما البشر، تحمل أكثر من وجه؛ فلكل قصة نجاح تحدياتها، ولكل قفزة تنموية أثمانها الاجتماعية. 


واليوم، يأتي تصدر طنجة لمدن شمال إفريقيا في مؤشر غلاء المعيشة، وفق أحدث تقرير لمنصة "نومبيو" الدولية، ليفتح نقاشًا جديًا حول العلاقة بين النمو الاقتصادي وجودة العيش، وبين ازدهار المؤشرات الكبرى والواقع اليومي للمواطن.

ولعل أول ما ينبغي التأكيد عليه أن هذا التصنيف، وإن كان يستند إلى منهجية خاصة بمنصة تعتمد على مساهمات المستخدمين ومقارنات دولية، فإنه لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رقم عابر أو خبر اقتصادي للاستهلاك الإعلامي. فالأهمية الحقيقية للتقرير تكمن في كونه يلتقي مع شعور عام يتقاسمه كثير من سكان المدينة، ممن أصبحوا يلمسون، بشكل متزايد، ارتفاعًا في كلفة الحياة اليومية، سواء تعلق الأمر بأسعار المواد الغذائية، أو الخدمات، أو المطاعم، أو مختلف المصاريف المرتبطة بالعيش داخل مدينة تتغير بوتيرة أسرع من قدرة عدد من الأسر على مجاراة هذا التحول.

لقد سجلت طنجة 36.3 نقطة في المؤشر العام لتكلفة المعيشة، متقدمة على مدن مغربية كبرى، من بينها الدار البيضاء والرباط ومراكش، كما سبقت مدنًا عربية وشمال إفريقية وازنة. أما مؤشر أسعار المواد الغذائية فقد بلغ 37.9 نقطة، فيما سجلت المطاعم والخدمات 29.8 نقطة، بينما ظل مؤشر الإيجارات في مستويات أقل نسبيًا مقارنة بباقي عناصر الإنفاق.

 وهي معطيات توحي بأن الضغط الأكبر لم يعد مصدره السكن وحده، كما كان سائدًا في العديد من المدن، بل أصبح يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تزداد تكلفة الاستهلاك بشكل متواصل.

إن قراءة هذه الأرقام لا ينبغي أن تتم بمنطق المفاجأة، لأن طنجة لم تعد المدينة التي كانت قبل عشرين سنة. فقد تحولت إلى ورش اقتصادي مفتوح، يستقطب الرساميل الوطنية والأجنبية، ويحتضن أكبر ميناء في إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، ويضم مناطق صناعية متطورة، وشبكات لوجستية حديثة، ومؤسسات إنتاجية تصدر إلى مختلف الأسواق العالمية. كما أصبحت وجهة مفضلة للاستقرار والعمل والاستثمار والسياحة، وهو ما أدى إلى ارتفاع متواصل في عدد السكان، وتزايد الطلب على السلع والخدمات بمختلف أنواعها.

غير أن قوانين الاقتصاد تفرض نفسها؛ فكلما ارتفع الطلب بوتيرة أسرع من العرض، وكلما ازداد الإقبال على مدينة بعينها، انعكس ذلك تدريجيًا على مستويات الأسعار. وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى. 

فالنجاح الاقتصادي الذي حققته طنجة، والذي يعد مصدر فخر واعتزاز، أفرز في المقابل ضغوطًا جديدة على القدرة الشرائية، وجعل كلفة الحياة ترتفع بصورة قد لا تواكب دائمًا تطور مداخيل مختلف الفئات الاجتماعية.

ولا يتعلق الأمر فقط بالأسر ذات الدخل المحدود، بل حتى الطبقة المتوسطة أصبحت تشعر بأن ميزانيتها الشهرية لم تعد تمنحها هامشًا كبيرًا للمناورة.

 ففاتورة الغذاء ترتفع، والخدمات أصبحت أكثر تكلفة، والأنشطة الترفيهية تستهلك جزءًا متزايدًا من الدخل، فيما تبقى الأجور بالنسبة إلى عدد كبير من العاملين أقل من أن تستوعب هذا الإيقاع المتسارع للأسعار.

 ولذلك ليس مستغربًا أن يسجل التقرير مؤشرًا للقدرة الشرائية المحلية في حدود 39 نقطة، وهو مؤشر يعكس وجود فجوة تستحق الانتباه بين مستوى الأسعار ومستوى الدخل.

إن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بعدد المصانع، ولا بحجم الاستثمارات، ولا بقيمة الصادرات، بل تقاس أيضًا بمدى قدرة المواطن على العيش الكريم داخل المدينة التي تنتج هذه الثروة. فالغاية من التنمية ليست تشييد البنيات التحتية وحدها، وإنما تحسين شروط الحياة، وتوسيع فرص الرفاه الاجتماعي، وضمان استفادة مختلف الفئات من ثمار النمو.

ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة المقبلة تقتضي التفكير في سياسات عمومية أكثر توازنًا، تجعل من العدالة الاجتماعية شريكًا للنمو الاقتصادي. فتنشيط المنافسة داخل الأسواق، وتعزيز آليات مراقبة الأسعار، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتحسين خدمات النقل العمومي، وتوسيع العرض التجاري، كلها أدوات من شأنها أن تحد من الضغوط المعيشية، دون أن تمس بجاذبية المدينة الاستثمارية.

كما أن الجماعات الترابية، والغرف المهنية، والفاعلين الاقتصاديين، مدعوون إلى الانخراط في رؤية جماعية تجعل من استقرار الأسعار عنصرًا من عناصر التنافسية الاقتصادية، لأن المدينة التي توفر جودة عيش لسكانها تكون أكثر قدرة على جذب المستثمرين والكفاءات، وأكثر استعدادًا لمواصلة مسارها التنموي بثقة واستدامة.

إن طنجة اليوم أمام معادلة دقيقة؛ فهي مطالبة بالحفاظ على مكانتها كقاطرة اقتصادية وطنية، وفي الوقت نفسه بالحفاظ على توازنها الاجتماعي. 

فلا قيمة لتنمية لا يشعر المواطن بثمارها، ولا معنى لمدينة تحقق أرقامًا قياسية في الاستثمار إذا كان جزء من سكانها يواجه صعوبة متزايدة في تدبير مصاريفه اليومية.

لقد استطاعت طنجة أن تربح رهان الميناء، والصناعة، والاستثمار، والانفتاح الدولي، وهي إنجازات لا ينازع فيها أحد. أما الرهان الذي يفرض نفسه اليوم، فهو أن تربح كذلك معركة جودة العيش، وأن تجعل النمو الاقتصادي ينعكس بصورة عادلة على حياة المواطنين، حتى تظل مدينة الفرص، لا مدينة الغلاء؛ ومدينة الأمل، لا مدينة القلق المعيشي. 

و نجاح المدن لا يقاس فقط بما تشيده من مصانع وطرق وموانئ، وإنما بما تمنحه لسكانها من طمأنينة، واستقرار، وإحساس بأن التنمية مشروع إنساني قبل أن تكون مشروعًا اقتصاديًا.



في نفس الركن