2026 ماي 12 - تم تعديله في [التاريخ]

على هامش اليوم العالمي للأسرة: العوالم الرقمية أطفات شموع البيوت


صورة تعبيرية مولدة بتقنية الذكاء الاصطناعي
العلم الإلكترونية - بقلم بوشعيب حمراوي 
 
بمناسبة اليوم الدولي للأسر الذي يحتفل به العالم يوم 15 ماي من كل سنة، لم يعد الحديث عن الأسرة مجرد مناسبة اجتماعية عابرة أو احتفال رمزي تقليدي، بل أصبح وقوفاً حقيقياً أمام التحولات العميقة والخطيرة التي تعيشها الأسرة في زمن متسارع تقوده التكنولوجيا والعوالم الرقمية. فلم تعد الأسرة اليوم تعيش فقط أزمة اقتصادية أو اجتماعية أو تربوية كما كان يحدث في السابق، بل أصبحت تواجه تحولات غير مسبوقة فرضها العصر الرقمي بكل ما يحمله من تطبيقات وهواتف ذكية ومنصات تواصل وعوالم افتراضية اقتحمت البيوت دون استئذان، وغيرت شكل العلاقات الإنسانية داخل الأسرة الواحدة.
الأسرة التي كانت تُربي… أصبحت تُفاوض الشاشات
 
لقد تحولت البيوت في زمن قياسي من فضاءات للحوار والتربية والدفء الإنساني إلى جزر إلكترونية معزولة، يعيش داخلها الأب والأم والأبناء تحت سقف واحد، لكن بعقول واهتمامات وعلاقات افتراضية مختلفة ومتباعدة. فالأب منشغل بهاتفه، والأم غارقة في مجموعات التواصل، والطفل رهين الألعاب الإلكترونية، والمراهق يعيش داخل عوالم (التيك توك)و(الإنستغرام) و(اليوتيوب)، حتى أصبح الصمت الرقمي سيد المجالس العائلية.
 
لقد كانت الأسرة عبر التاريخ أول مدرسة للتربية والقيم والانتماء والهوية. منها يتعلم الإنسان الكلام، والاحترام، والتعاون، والانضباط، والحب، وتحمل المسؤولية. لكنها اليوم تجد نفسها أمام منافس خطير لا ينام ولا يتعب ولا يحترم الخصوصيات ولا يعترف بالحدود التربوية والأخلاقية. منافس اسمه “العالم الرقمي”، الذي دخل إلى غرف النوم والعقول والمشاعر، وأصبح يتحكم في السلوك والأفكار واللغة وحتى الأحلام.
 
والمشكل الحقيقي لا يكمن فقط في وجود التكنولوجيا، لأن التطور الرقمي في حد ذاته نعمة كبيرة قدمت للبشرية خدمات هائلة في التعليم والتواصل والمعرفة والبحث العلمي والاقتصاد، بل تكمن الخطورة في طريقة استعمالها، وفي غياب التأطير الأسري والتربوي والثقافي القادر على حماية الأسرة من التحول التدريجي إلى مجرد تجمع بشري مرتبط بالأنترنت أكثر من ارتباطه بالمشاعر والقيم الإنسانية.
 
الأسرة بين الأمس واليوم
 
كانت الأسرة المغربية والعربية والإفريقية عموماً تقوم على العلاقات المباشرة واللقاءات اليومية والزيارات العائلية والتواصل الإنساني الحقيقي. كانت “لمة الأسرة” حول مائدة الطعام أو جلسات المساء أو المناسبات العائلية فضاءً للتربية والتوجيه وتبادل الخبرات والحكايات والقيم. وكان الأطفال يتعلمون من الكبار معنى الاحترام والصبر والتضامن والتعاون.
 
أما اليوم، فقد تغير المشهد بشكل جذري
 
أصبحت الأسرة تعيش حالة من “التجاور الرقمي” بدل التواصل الإنساني. يجلس الجميع في مكان واحد، لكن كل فرد يعيش داخل شاشة مختلفة. بل إن بعض الأسر أصبحت تتواصل عبر الرسائل الإلكترونية أكثر مما تتواصل بالكلام المباشر رغم قرب المسافات داخل البيت الواحد.
 
هذا التحول لم يأتِ فجأة، بل جاء نتيجة تراكمات مرتبطة بسرعة التطور التكنولوجي، وضعف التأطير الأسري، وغياب التكوين الرقمي للأباء والأمهات، إضافة إلى انشغال الأسر بمشاكل الحياة اليومية والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي جعلت الهاتف الذكي يتحول أحياناً إلى (مربٍّ بديل) للأطفال.
 
الطفل الرقمي… جيل يولد داخل الشاشة
 
أخطر ما تعيشه الأسرة اليوم هو ظهور ما يمكن تسميته بـ(الطفل الرقمي)، وهو طفل يتعامل مع الهاتف واللوحات الإلكترونية قبل أن يتعلم أحياناً الكتابة اليدوية أو التواصل الطبيعي مع الآخرين.
 
جيل تربى على السرعة والصورة والمؤثرات البصرية، وأصبح يجد صعوبة في التركيز الطويل، أو قراءة الكتب، أو ممارسة الحوار الهادئ، أو تحمل الانتظار.
 
لقد أصبح كثير من الأطفال يقضون ساعات طويلة أمام الألعاب الإلكترونية والفيديوهات القصيرة، مما يؤثر على نموهم النفسي والعقلي والاجتماعي. كما بدأت تظهر مشاكل خطيرة مرتبطة بالإدمان الرقمي، وضعف التركيز، والعنف، والانطواء، واضطرابات النوم، وتراجع التحصيل الدراسي، بل وحتى التأثير على اللغة والهوية والثقافة المحلية.
 
الأخطر من ذلك أن عدداً كبيراً من الأطفال والمراهقين أصبحوا يتلقون التربية والتوجيه من “المؤثرين” وصناع المحتوى أكثر مما يتلقونها من الأسرة أو المدرسة. وهنا تتحول المنصات الرقمية إلى مؤسسات موازية تصنع القيم والسلوك واللغة والأحلام والقدوات.
 
المراهقون بين الحرية الرقمية والاستهداف الخطير
 
المراهق في الزمن الرقمي يعيش ضغوطاً نفسية واجتماعية لم تكن موجودة بهذه الحدة في الأجيال السابقة. فهو محاصر بثقافة المقارنة، والسعي وراء الشهرة، وعدد الإعجابات والمتابعين، وصناعة الصورة المثالية المزيفة للحياة.
 
كما أصبح عرضة للاستقطاب الفكري والسلوكي والإجرامي عبر المنصات المفتوحة. فالعالم الرقمي لا يحمل فقط المعرفة والترفيه، بل يحمل أيضاً خطاب الكراهية، والعنف، والتحرش، والاستغلال الجنسي، والابتزاز الإلكتروني، والمخدرات الرقمية، والتطرف، والشائعات، والتلاعب النفسي والعاطفي.
 
ولأن الأسرة في كثير من الأحيان لا تواكب هذا التحول السريع، فإن عدداً من الآباء والأمهات لا يعرفون ماذا يشاهد أبناؤهم، ولا من يتواصل معهم، ولا أي عالم يعيشون داخله. وهنا تتحول الهواتف الذكية إلى أبواب مفتوحة على مخاطر لا حدود لها.
 
الآباء والأمهات أيضاً ضحايا للعالم الرقمي
 
الحديث عن تأثير العالم الرقمي على الأسرة لا يجب أن يقتصر فقط على الأطفال والشباب، لأن الكبار أيضاً أصبحوا ضحايا لهذا التحول.
 
فكم من أب أصبح غائباً عن أسرته بسبب الإدمان على الأخبار والمنصات؟.. وكم من أم أصبحت تعيش ضغط المقارنات الاجتماعية وحياة الاستعراض الرقمي؟.. وكم من علاقات زوجية تفككت بسبب العالم الافتراضي والخيانة الإلكترونية وسوء استعمال وسائل التواصل؟
 
لقد ساهمت التكنولوجيا أحياناً في تقريب المسافات البعيدة، لكنها في المقابل عمقت المسافات القريبة داخل البيوت. فالحضور الجسدي لم يعد يعني دائماً حضوراً إنسانياً وعاطفياً حقيقياً.
 
المدرسة والأسرة… معركة مشتركة
 
لا يمكن للأسرة وحدها أن تواجه هذا الطوفان الرقمي دون دعم المدرسة والإعلام والمجتمع المدني والمؤسسات الثقافية والدينية. فالمدرسة مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتعليم الأطفال (الثقافة الرقمية) وليس فقط استعمال التكنولوجيا. أي تعليمهم كيفية التمييز بين الحقيقة والإشاعة، وبين الحرية والفوضى، وبين الاستعمال الإيجابي والخطير للأنترنت.
 
كما أن الإعلام بدوره مطالب بالتوقف عن تسويق التفاهة والعنف والإثارة، والعمل على إنتاج محتويات تربوية وثقافية وإنسانية تحترم ذكاء الأسرة وتحمي الأطفال والشباب.
 
أما المجتمع المدني، فعليه أن ينخرط في حملات توعية رقمية، لأن المعركة لم تعد فقط ضد الأمية التقليدية، بل أيضاً ضد “الأمية الرقمية” التي تجعل الإنسان يستعمل التكنولوجيا دون وعي بمخاطرها.
 
الأسرة ليست ضد التكنولوجيا… بل ضد فقدان الإنسان
 
ليس المطلوب إعلان الحرب على التكنولوجيا أو العودة إلى زمن ما قبل الأنترنت، لأن ذلك مستحيل وغير منطقي. المطلوب هو إعادة التوازن داخل الأسرة، حتى تبقى التكنولوجيا وسيلة لخدمة الإنسان لا أداة للتحكم فيه. فالأسرة التي تقرأ مع أبنائها، وتتحاور معهم، وتراقبهم بحب ووعي، وتشجعهم على الرياضة والثقافة والفنون والأنشطة الإنسانية، تستطيع أن تحمي أبناءها من كثير من المخاطر الرقمية.
 
كما أن تخصيص أوقات بدون هواتف داخل البيت، وإحياء الجلسات العائلية، واحترام وقت الحوار، والاهتمام بالصحة النفسية للأطفال، كلها خطوات بسيطة لكنها ضرورية لإنقاذ العلاقات الأسرية من البرودة الرقمية.
 
هل مازالت الأسرة قادرة على إنقاذ الإنسان؟
 
في اليوم الدولي للأسر، لم يعد السؤال فقط: كيف نحمي الأسرة؟.. بل أصبح السؤال الأعمق: كيف نحمي الإنسان داخل الأسرة؟
 
فالعالم الرقمي يتطور بسرعة هائلة، بينما تتراجع أحياناً قدرة المجتمعات على مواكبة تأثيراته النفسية والتربوية والثقافية. وإذا كانت التكنولوجيا قد نجحت في ربط العالم بالشبكات، فإن التحدي الحقيقي اليوم هو كيف نحافظ على الروابط الإنسانية داخل البيوت.
 
إن الأسرة ليست مجرد مؤسسة اجتماعية عادية، بل هي آخر حصن يحمي القيم والهوية والتوازن النفسي والإنساني. وإذا انهارت الأسرة تحت ضغط العزلة الرقمية والتفكك القيمي، فإن المجتمع كله سيدفع الثمن.
 
ولهذا، فإن الدفاع عن الأسرة في الزمن الرقمي لم يعد ترفاً فكرياً أو خطاباً مناسباتياً، بل أصبح معركة حضارية وأخلاقية وتربوية من أجل حماية الإنسان نفسه من التحول إلى كائن يعيش بالشاشة… ويفتقد الحياة.
 
اليوم الدولي للأسر… من فكرة أممية إلى ناقوس إنذار عالمي
 
لم يأتِ الاحتفال باليوم الدولي للأسر من فراغ، بل جاء نتيجة تنامي القلق الدولي منذ ثمانينيات القرن الماضي بشأن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية التي بدأت تهدد استقرار الأسرة ووظائفها التربوية والاجتماعية. ففي سنة 1983 طلب المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة من الأمين العام تعزيز الوعي العالمي بمشاكل الأسرة واحتياجاتها، والدفع نحو البحث عن حلول وسياسات داعمة لها. ثم أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1994 (السنة الدولية للأسرة)، قبل أن تعتمد رسمياً يوم 15 ماي من كل سنة يوماً دولياً للأسر بموجب القرار الأممي الصادر سنة 1993. ويهدف هذا اليوم الأممي إلى لفت انتباه الحكومات والمجتمعات إلى أهمية الأسرة باعتبارها النواة الأساسية للمجتمع، وإلى تعزيز الوعي بالقضايا التي تواجهها، سواء تعلق الأمر بالفقر أو التفكك الأسري أو الهجرة أو التربية أو التحولات الاقتصادية أو التأثيرات الرقمية والثقافية الحديثة. كما يشكل مناسبة سنوية لتقييم أوضاع الأسر عبر العالم، وإطلاق تقارير ودراسات وتوصيات تدعو إلى وضع سياسات اجتماعية وتربوية واقتصادية تحمي الأسرة وتدعم الأطفال والنساء وكبار السن والشباب داخلها.
 
  الأسرة بين التفاوتات الاجتماعية والعالم الرقمي
 
اختارت الأمم المتحدة لاحتفالية اليوم الدولي للأسر لسنة 2026 شعار: الأسر والتفاوتات الاجتماعية ورفاهية الطفل.
 
وهو شعار يعكس حجم القلق الدولي من اتساع الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والرقمية التي أصبحت تؤثر بشكل مباشر على استقرار الأسر ومستقبل الأطفال عبر العالم.  
 
وأكدت الأمم المتحدة في البلاغات والتقارير التمهيدية الخاصة بهذه المناسبة أن الأسر أصبحت تواجه تحديات مركبة، لم تعد مرتبطة فقط بالفقر أو البطالة أو ضعف الخدمات الاجتماعية، بل أيضاً بتأثيرات التكنولوجيا الحديثة والعوالم الرقمية التي غيرت شكل الحياة الأسرية والعلاقات الإنسانية داخل البيوت. كما حذرت من أن غياب العدالة الاجتماعية والتفاوت في الولوج إلى التعليم والصحة والخدمات والأنترنت والتكنولوجيا، يعمق هشاشة الأسر ويؤثر سلباً على النمو النفسي والتربوي للأطفال.
 
ومن أبرز الرسائل التي حملتها وثائق الأمم المتحدة لسنة 2026، الدعوة إلى بناء سياسات أسرية جديدة قادرة على مواكبة العصر الرقمي، عبر توفير الحماية الاجتماعية، ودعم التربية الأسرية، وضمان الاستعمال الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، وتقوية دور الأسرة في مواجهة العزلة الرقمية والتفكك القيمي والنفسي. كما شددت الأمم المتحدة على ضرورة الاستثمار في الطفولة المبكرة، ودعم الآباء والأمهات، وتوفير تعليم جيد وخدمات صحية ورقمية عادلة لجميع الأسر، لأن مستقبل المجتمعات يبدأ من داخل الأسرة نفسها.  
 
وفي خلفية هذه الرسائل، يظهر بوضوح أن العالم بدأ يدرك أن أخطر الأزمات القادمة لن تكون فقط اقتصادية أو عسكرية، بل أيضاً أزمات مرتبطة بتفكك الروابط الأسرية، والإدمان الرقمي، والعزلة النفسية، وفقدان الحوار داخل البيوت. لذلك لم يعد الحديث عن الأسرة مجرد خطاب اجتماعي تقليدي، بل أصبح قضية استراتيجية مرتبطة بالأمن الاجتماعي والثقافي والإنساني للدول والمجتمعات في زمن تتحكم فيه الشاشات والخوارزميات والعوالم الافتراضية في تفاصيل الحياة اليومية.



في نفس الركن