*بقلم: بوشعيب حمراوي*
قد تكون إحدى أفضل الطرق لفهم المكانة التي أراد المغرب أن يمنحها لشبابه منذ الاستقلال، أن نبدأ من حقيقة تاريخية ذات دلالة خاصة: الملك محمد الخامس نفسه كان شابًا عندما وُضعت على كتفيه مسؤولية العرش. فقد ولد في 10 غشت 1909، وتولى عرش أسلافه في 18 نونبر 1927، أي إنه لم يكن قد تجاوز الثامنة عشرة من عمره إلا بنحو ثلاثة أشهر. شاب في مقتبل العمر أصبح سلطانًا على بلد واقع تحت نظام الحماية، قبل أن يصبح بعد عقود رمزًا للتحرير والاستقلال والوحدة الوطنية.
ولعل هذه الخلفية تمنح دلالة أعمق لقرار محمد الخامس، مباشرة بعد استقلال المغرب، إحداث عيد الشباب سنة 1956، وربطه بيوم ميلاد ولي العهد آنذاك الأمير مولاي الحسن. فالقرار لم يكن مجرد نقل ذكرى ميلاد ولي العهد إلى تقويم الأعياد الوطنية، وإنما حمل منذ البداية تصورًا لدور الجيل الجديد في المغرب الذي خرج للتو من معركة التحرير، ودخل ما سماه محمد الخامس بـ«الجهاد الأكبر» لبناء الدولة المستقلة. وقد عاد الملك محمد السادس لاحقًا إلى أصل هذه المناسبة، مؤكدًا أن جده محمد الخامس أحدث عيد الشباب، وجعل ولي العهد يومها مثالًا للشباب المتحمس لخوض معركة التنمية ومحاربة التخلف.
من هنا، فإن الاحتفال بعيد الشباب يوم 21 غشت 2026 ليس مجرد إضافة سنة أخرى إلى عمر مناسبة وطنية، بل هو مرور سبعين عامًا على إحداث عيد الشباب سنة 1956؛ سبعون سنة تعاقبت خلالها أجيال مختلفة من المغاربة، وتغيرت خلالها البلاد والمدرسة والجامعة والاقتصاد والسياسة ووسائل الاتصال، كما تغيرت الأدوات التي يعبر بها الشباب عن انتمائهم وطموحاتهم وقلقهم وغضبهم.
جيل حمل المعول، وجيل حمل العلم والمصحف في المسيرة الخضراء، وجيل بنى حضوره داخل الجامعة والنقابة والحزب، وجيل رفع اللافتة في الشارع، وجيل جعل الهاتف الذكي منصة للتعبئة، وجزء من جيل آخر أصبح يرى في البحر والحدود طريقًا نحو مستقبل يعتقد أنه لن يجده داخل بلاده.
وبين هذه الصور جميعها سؤال واحد لم يتوقف المغرب عن مواجهته منذ الاستقلال: كيف نحول طاقة الشباب إلى قوة لبناء الوطن؟ وكيف نجعل الوطن قادرًا، في المقابل، على منح شبابه الأسباب الكافية للإيمان بمستقبلهم داخله؟
من الاستقلال إلى البناء.. حين أصبح الشباب قوة لإنجاز الدولة الجديدة
كان المغرب الخارج من الحماية في حاجة إلى كل شيء تقريبًا: الإدارة الوطنية، والمدرسة، والأطر، والطرق، والمنشآت، والمؤسسات، والاقتصاد الحديث، وتوحيد مناطق كانت موزعة بين منطقتي نفوذ فرنسية وإسبانية.
ولذلك، لم يكن الاهتمام بالشباب في السنوات الأولى بعد الاستقلال مجرد ملف اجتماعي أو ترفيهي. كان الشباب يمثلون قوة بشرية يفترض أن تتحمل جزءًا من مشروع بناء الدولة الجديدة.
وأفضل مثال يمكن استحضاره هنا هو طريق الوحدة؛ تلك التجربة التي يصعب النظر إليها بوصفها مجرد ورش للأشغال العمومية، لأن قيمتها السياسية والتربوية والوطنية تجاوزت بكثير عدد الكيلومترات التي أُنجزت.
طريق الوحدة.. عندما أعطى المغرب المعول للشباب وقال لهم: ابنوا وطنكم
في سنة 1957، وجه الملك محمد الخامس نداء إلى شباب المغرب للمشاركة في ورش وطني استثنائي يرمي إلى شق طريق تصل تاونات بكتامة، وتعبر الحاجز الجغرافي الذي كان يفصل عمليًا بين مناطق خضعت للحماية الفرنسية وأخرى خضعت للحماية الإسبانية.
وكان للاسم ذاته معناه: طريق الوحدة.
لم يكن المطلوب بناء طريق وحسب، بل إزالة واحد من آثار التقسيم الاستعماري وربط أجزاء الوطن بعضها ببعض. وقد أوضح محمد الخامس، عند إطلاق المشروع، أن الغرض هو تدعيم الوحدة بين مناطق الأمة من الشمال إلى الجنوب، وربط تاونات بكتامة عبر ما كان يشكل سابقًا حاجزًا بين جزأين من وطن واحد.
استجاب للنداء نحو 12 ألف شاب من مختلف مناطق المغرب. واستمر العمل ثلاثة أشهر ونيف، وأسفر عن إنجاز المقطع الرابط بين تاونات وكتامة على مسافة تقدرها المصادر الرسمية بنحو 60 كيلومترًا، بينما تتحدث مصادر تاريخية أخرى عن حوالي 80 كيلومترًا عند احتساب المحور بمعناه الأوسع. والأقرب، عند الحديث عن الورش الذي أنجزه المتطوعون، هو اعتماد رقم 60 كيلومترًا الوارد في التوثيق الرسمي الحديث للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.
ولم يُجمع آلاف المتطوعين في ورش عشوائي، بل كان المشروع مدرسة حقيقية للتعبئة والتكوين. فقُسم المشاركون إلى أفواج متعاقبة، وكان كل فوج يقضي فترة في الورش تجمع بين العمل اليدوي والتكوين التقني والمدني والتربوي وبعض التداريب، وهو ما جعل تجربة طريق الوحدة أقرب إلى مدرسة للمواطنة منها إلى مجرد عملية لشق طريق. وتصفها المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بأنها نموذج للعمل التطوعي ومشتل لإعداد الإنسان المغربي على قيم المبادرة والتضحية والعطاء والتلاحم.
وكان ولي العهد الأمير مولاي الحسن حاضرًا في هذه التعبئة الوطنية، إلى جانب شخصيات وقوى وطنية شاركت في إعداد وتنظيم المشروع.
لقد كان الدرس بسيطًا، لكنه بالغ القوة: لم تقل الدولة للشباب فقط إنهم «مستقبل الوطن»، وإنما منحتهم مكانًا في حاضر الوطن، وأعطتهم مشروعًا يمكن أن يشاهدوا أثر أيديهم فيه.
كان الشاب يعود إلى قريته أو مدينته بعد انتهاء مهمته، ويستطيع أن يقول: هناك جزء من طريق الوحدة ساهمتُ أنا في بنائه.
وهذا فارق هائل بين الوطنية التي تُشرح للشباب في الخطب، والوطنية التي يمارسها الشاب بنفسه.
لهذا، لم تكن طريق الوحدة طريقًا بنتها سواعد الشباب فقط، بل كانت طريقًا يبني فيها الشباب الوطن، ويبني الوطن داخل الشباب معنى المواطنة.
الاستقلال أطلق كذلك صوت الشباب.. الجامعة أصبحت مصنعًا للأفكار والنخب
وفي السنة نفسها تقريبًا التي أُحدث فيها عيد الشباب، ظهر وجه آخر من وجوه الحضور الشبابي مع تأسيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في 26 دجنبر 1956.
لم يبق التنظيم الطلابي مجرد إطار للدفاع عن المطالب الجامعية، وإنما تحول خلال العقود التالية إلى مدرسة للتكوين السياسي والنقابي والفكري، ومرت من داخله أجيال من الأطر التي ستصبح لاحقًا فاعلة في الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني ومختلف مجالات الحياة العامة.
وعرفت الجامعة المغربية بعد ذلك مراحل حادة من الصراع السياسي والإيديولوجي والتوتر بين الدولة ومكونات الحركة الطلابية، لكن، مهما اختلف تقييم تلك المراحل، فإنها تؤكد حقيقة واحدة: الشباب المغربي لم يكن في يوم من الأيام مجرد جمهور ينتظر ما يقرره الآخرون بشأن مستقبله.
كان يريد المشاركة، وأن يكون له صوت وموقف، وقد يكون هذا الموقف مؤيدًا أو منتقدًا أو احتجاجيًا.
وهذه واحدة من القضايا التي سترافق المغرب حتى اليوم: الاهتمام بالشباب لا يعني فقط توفير دار شباب أو ملعب أو برنامج ترفيهي، بل يعني كذلك فتح المجال أمامه ليقول ما يفكر فيه، ويشارك في القرارات التي تصنع مستقبله.
1975.. عندما انخرط جيل جديد في أكبر تعبئة وطنية سلمية
وبعد ثمانية عشر عامًا من طريق الوحدة، جاءت المسيرة الخضراء سنة 1975 لتعيد إظهار القدرة الاستثنائية على تعبئة المجتمع حول قضية وطنية جامعة.
فبعد إعلان الملك الحسن الثاني عن تنظيم المسيرة في 16 أكتوبر، انطلق يوم 6 نونبر 1975 نحو 350 ألف متطوع ومتطوعة نحو الأقاليم الجنوبية، في تعبئة شعبية سلمية أصبحت إحدى أهم محطات التاريخ المغربي المعاصر.
وكان الشباب حاضرًا بقوة داخل هذه الكتلة البشرية.
وبين صورة طريق الوحدة وصورة المسيرة الخضراء خيط واحد واضح: المواطن ليس متفرجًا على قضية وطنه، بل شريك فيها.
في الأولى، حمل آلاف الشباب المعول.
وفي الثانية، حمل المغاربة، وبينهم الشباب والشابات، العلم الوطني والمصحف.
وفي الحالتين، كانت الدولة قادرة على إعطاء المواطن قضية جماعية يشعر بأنها تعنيه شخصيًا، وأن مشاركته فيها لها معنى وأثر.
من سؤال بناء الطريق إلى سؤال إيجاد العمل
لكن المغرب تغير. توسعت المدرسة والجامعة، وتنامت المدن، وتغير الاقتصاد، وارتفعت تطلعات الأسر، وبدأ جيل جديد يطرق أبواب سوق الشغل حاملًا الشهادات.
وأصبح السؤال الذي يواجه الشاب مختلفًا: لم يعد فقط «كيف أساهم في بناء الوطن؟»، بل كذلك: أين هو مكاني داخل هذا الوطن؟
ومع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، تحولت بطالة الشباب وحاملي الشهادات إلى إحدى القضايا الاجتماعية الكبرى، وهو السياق الذي جاء فيه إنشاء المجلس الوطني للشباب والمستقبل سنة 1991، بعد الإعلان عنه في خطاب عيد الشباب سنة 1990، للاشتغال على قضايا التكوين والتشغيل وإدماج الشباب.
وكان التحول عميقًا: الشاب الذي دعاه المغرب في الخمسينيات إلى المساهمة في فتح طريق بين منطقتين، أصبح بعد عقود يطالب بأن تفتح أمامه طريق إلى العمل والاستقلال الاجتماعي.
محمد السادس.. لا يكفي أن نطلب من الشباب القيام بواجبه
ومع اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، استمر عيد الشباب، وانتقل موعده إلى 21 غشت، تاريخ ميلاد الملك، واستمرت معه مركزية ملف الشباب في الخطاب الملكي.
ومن أكثر العبارات دلالة ما ورد في خطاب 20 غشت 2018، حين اعتبر الملك الشباب «الثروة الحقيقية للبلاد»، وشدد على أنه لا يمكن مطالبة الشاب بأداء دوره وواجبه دون تمكينه من الفرص والمؤهلات، وربط ذلك بصورة مباشرة بالتعليم والشغل والصحة، ثم بشيء أعمق: الثقة والأمل في المستقبل. كما دعا إلى مراجعة برامج تشغيل الشباب، وإصلاح التكوين المهني، وتشجيع خلق المقاولات والتشغيل الذاتي، وربط التكوين باحتياجات سوق العمل.
وقبل ذلك بعام، في خطاب افتتاح البرلمان سنة 2017، ذهب التشخيص إلى أبعد من ذلك عندما أُعلن بوضوح أن وضعية الشباب لا ترضي الملك ولا الشباب أنفسهم، وأن جزءًا منهم يعاني البطالة والإقصاء والانقطاع عن الدراسة وضعف الولوج إلى الخدمات، مع الدعوة إلى سياسة مندمجة تجعل الشباب محركًا للتنمية لا عبئًا عليها.
وهذه نقطة أساسية في تقييم سبعين سنة من الاهتمام بالشباب: لم يكن المغرب عاجزًا عن تشخيص المشكلة، بل إن التشخيص ورد في أعلى مستويات الدولة وبعبارات واضحة جدًا. السؤال أصبح في التنفيذ والنتائج.
أرقام 2026 تقول إن المعركة لم تُحسم بعد
فبعد عقود من البرامج والمبادرات والمؤسسات، لا تزال مؤشرات سوق الشغل تؤكد حجم التحدي.
وحسب المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل البطالة بالمفهوم الضيق لدى الشباب بين 15 و24 سنة 29.2 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2026، مقابل 10.8 في المائة على الصعيد الوطني. وعندما توسع المندوبية القياس ليشمل مختلف أشكال عدم الاستخدام الكامل للقوى العاملة، يصل المؤشر لدى الشباب أنفسهم إلى 45.3 في المائة.
وأظهرت دراسة مشتركة للمندوبية السامية للتخطيط ومنظمة العمل الدولية، منشورة سنة 2025 اعتمادًا على بيانات 2023، أن نحو 2.9 مليون شاب وشابة بين 15 و29 سنة كانوا لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتابعون تكوينًا، مع تفاوتات كبيرة بحسب الجنس والمجال ومستوى التعليم.
هذه ليست أرقامًا نضعها في مقال لتسويد الصورة، بل مؤشرات يفترض أن تكون في قلب معنى عيد الشباب نفسه.
لأن السؤال الحقيقي ليس كم برنامجًا أطلقنا للشباب، بل كم شابًا انتقل بفضله من الهشاشة إلى الاستقلال، ومن البطالة إلى العمل، ومن الإحباط إلى الأمل؟
20 فبراير.. عندما حمل الشباب اللافتة بدل المعول
ثم جاءت سنة 2011 لتفتح فصلًا مختلفًا في علاقة جيل جديد بالسياسة والمؤسسات.
ظهرت حركة 20 فبراير في سياق إقليمي استثنائي، ولعب الشباب وشبكات التواصل الاجتماعي دورًا مركزيًا في التعبئة لها، وخرجت مظاهرات في عدد من المدن رافعة مطالب سياسية واجتماعية مرتبطة بالديمقراطية والكرامة والعدالة ومحاربة الفساد وتحسين الأوضاع الاجتماعية. هذه المرة لم يحمل الشباب المعاول. حملوا الهواتف واللافتات.
ولم يطالبوا بفتح طريق بين تاونات وكتامة، بل طالبوا بفتح طرق المشاركة والعدالة والكرامة وتكافؤ الفرص.
وفي خضم ذلك السياق، جاء خطاب 9 مارس 2011 ليعلن إصلاحًا دستوريًا واسعًا انتهى باعتماد دستور جديد في السنة نفسها. ولا يصح اختزال الإصلاح الدستوري في حركة 20 فبراير وحدها، مثلما لا يصح تجاهل وزن الحركة والسياق الاحتجاجي والإقليمي في تسريع إيقاع الإصلاح.
كانت تلك محطة أخرى تثبت أن طاقة الشباب لا تختفي؛ إنها فقط تغير الطريق الذي تمر منه.
من الريف وجرادة إلى جيل لم يعد ينتظر مقر الحزب والنقابة
ثم عادت التعبيرات الاجتماعية بأشكال مختلفة في مناطق أخرى، وبرز حراك الريف خلال 2016 و2017 واحتجاجات جرادة لاحقًا، وكانت مطالب التنمية والشغل والصحة والخدمات والعدالة المجالية في قلب جزء كبير من هذه التعبيرات.
لكن شيئًا آخر كان يتغير في العمق. جيل جديد كان يغادر تدريجيًا وسائل التعبئة التقليدية. لم يعد يحتاج دائمًا إلى حزب يصدر بلاغًا، أو نقابة تعلن الإضراب، أو جمعية تحجز قاعة للاجتماع.
أصبح الهاتف مكتبًا سياسيًا صغيرًا في الجيب. وأصبحت المنصة الرقمية ساحة عمومية. وأصبحت صورة أو مقطع فيديو قادرًا، في ساعات، على فعل ما كانت تحتاج إليه التنظيمات التقليدية أيامًا وأسابيع.
جيل Z.. عندما أصبحت المنصة الرقمية ساحة للاحتجاج
وفي نهاية شتنبر 2025، ظهر في المغرب اسم جيل Z، ضمن موجة احتجاجات قادها شباب، وتعبأت أساسًا عبر منصات مثل «ديسكورد» و«تيك توك» و«إنستغرام»، ورفعت مطالب مرتبطة خصوصًا بالصحة والتعليم والعمل والعدالة الاجتماعية والمحاسبة. وانتقلت الاحتجاجات إلى مدن متعددة، وشهد بعضها اعتقالات وصدامات وأعمال عنف، في مقابل تأكيد منظمي الحركة، في مناسبات مختلفة، على الطابع السلمي لمطالبهم.
لكن الأهم من اسم الحركة ومن بقائها أو تراجعها هو الرسالة التي حملتها: جيل جديد يريد مخاطبة الدولة والمجتمع مباشرة، من دون أن يمر بالضرورة عبر الوسائط التي اعتمدها آباؤه.
واللافت أن الملفات ظلت متشابهة. في التسعينيات: التشغيل.
وفي 2011: الكرامة والعدالة والشغل.
وفي خطابات الدولة خلال العقد التالي: التعليم والتكوين والصحة والتشغيل والثقة.
وفي احتجاجات جيل Z: الصحة والتعليم والعمل والعدالة.
وهذا التكرار ليس تفصيلًا عابرًا. إنه مؤشر على أن بعض الأسئلة تعبر الأجيال دون أن تجد أجوبة نهائية.
إشراك الشباب في السياسة.. خطوة مهمة قبل انتخابات 2026
لكن هناك، في المقابل، مؤشرات على محاولة فتح قنوات جديدة للمشاركة.
ففي أكتوبر 2025، صادق المجلس الوزاري على توجهات مشروع تعديل القانون التنظيمي لمجلس النواب، ومن بين ما تضمنه تبسيط شروط ترشح الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة، سواء بتزكية حزبية أو بدونها، واقتراح دعم مالي يغطي 75 في المائة من مصاريف حملاتهم الانتخابية، إلى جانب مقتضيات ترمي إلى تعزيز مشاركة الشباب داخل الأحزاب.
وهذه خطوة تحمل دلالة مهمة: بدل مطالبة الشباب بالاهتمام بالسياسة من الخارج، يجب أن تصبح أبواب المؤسسات نفسها أكثر قدرة على استقبالهم.
لكن نجاح مثل هذه الإجراءات لن يقاس بعدد الشباب الموجودين على لوائح الترشيح فقط، وإنما بمدى قدرتهم الحقيقية على الوصول إلى مواقع القرار، وأن يكونوا فاعلين لا مجرد واجهات شبابية تزين بها الأحزاب لوائحها.
ثم جاءت سبتة.. رسالة بلا شعارات ولا لافتات
وإذا كانت الاحتجاجات ترفع مطالب يمكن قراءتها ومناقشتها، فإن الأحداث التي شهدتها الحدود مع سبتة في نهاية يوليوز 2026 حملت رسالة أكثر قسوة.
فقد شهدت المنطقة تدفقًا بشريًا استثنائيًا، مع عبور عشرات الآلاف برًا وبحرًا نحو سبتة، وكان الشباب حاضرًا بكثافة في المشهد. وأفادت السلطات الإسبانية، في الأيام الأولى، بأن أكثر من 50 ألف شخص عبروا، قبل أن تتحدث تقديرات لاحقة عن أعداد أكبر، بينما عاد معظم العابرين إلى المغرب خلال فترة قصيرة. كما خلفت المحاولات عشرات الوفيات، أساسًا غرقًا أو في ظروف مرتبطة بالتدافع والعبور.
ولا ينبغي تحويل موجة سبتة إلى حركة شبابية سياسية، لأنها ليست كذلك، كما أن دوافع المشاركين فيها ليست واحدة؛ فهناك العامل الاقتصادي، والهجرة، وتأثير الإشاعات والشبكات الاجتماعية، وتفاوت الحالات الشخصية والاجتماعية.
لكن تجاهل البعد الشبابي سيكون خطأ أكبر.
لأن وجود هذا العدد الكبير من الشباب المستعدين للمخاطرة بأجسادهم في البحر أو عند الحدود يجب أن يُقرأ باعتباره إنذارًا اجتماعيًا أيضًا.
الاحتجاج يكتب مطالبه على لافتة. أما الشاب الذي يختار البحر فلا يحمل لافتة. الشاب في المظاهرة ما زال يطالب بشيء من وطنه.
أما الذي يخاطر بالموت من أجل المغادرة، فقد يكون السؤال لديه قد أصبح أكثر قسوة: هل ما زلت أرى مستقبلي هنا أصلًا؟
سبعون سنة.. تغيرت الأدوات وبقيت طاقة الشباب تبحث عن طريق
ربما يمكن اختصار جانب كبير من قصة الشباب المغربي منذ الاستقلال في عدد قليل من الصور. شاب 1957 يحمل المعول ويشق طريق الوحدة. وشاب وشابة سنة 1975 يسيران ضمن المسيرة الخضراء.
طالب في الستينيات والسبعينيات يحمل كتابه ومنشوره ويتجادل داخل الجامعة. شاب التسعينيات يحمل شهادته ويطرق أبواب العمل. شاب 2011 يرفع لافتة في مظاهرة 20 فبراير. شاب 2025 يحمل هاتفه وينظم نقاشه واحتجاجه عبر «ديسكورد».
ثم شاب أو قاصر سنة 2026 يقف على شاطئ شمال المغرب وينظر إلى سبتة في الضفة الأخرى.
لكن الخطأ سيكون الاعتقاد أن هذه الصور تروي قصة تحول شباب وطني إلى شباب فاقد للوطنية.
الأمر أعمق من ذلك. الشباب الذين بنوا طريق الوحدة لم يولدوا وهم أكثر وطنية من شباب اليوم، إنما وجدوا مشروعًا وطنيًا واضحًا، ومكانًا داخله، ودورًا يعترف بهم، وإنجازًا يستطيعون أن يروا أثرهم فيه.
وشباب اليوم لا تنقصه القدرة على الإبداع أو التضحية أو النجاح؛ والدليل ما يحققه مغاربة شباب في الجامعات والرياضة والمقاولات والبحث والتكنولوجيا والفنون داخل المغرب وخارجه.
لكن الشباب يحتاجون إلى أن يصدقوا أن الاجتهاد يفتح الأبواب، وأن الشهادة ليست مقدمة للبطالة، وأن الكفاءة أقوى من المحسوبية، وأن القرية ليست عقوبة جغرافية، وأن الحي الهامشي ليس حكمًا اجتماعيًا مؤبدًا، وأن صوت المواطن يسمع قبل أن يتحول إلى صراخ.
21 غشت.. لماذا لا يصبح موعدًا سنويًا لمساءلة ما أنجزناه للشباب؟
وهنا يمكن لعيد الشباب أن يستعيد معناه العميق.
فلماذا لا يصبح 21 غشت موعدًا وطنيًا سنويًا لتقييم أوضاع الشباب المغربي؟
يومًا نسأل فيه بالأرقام لا بالشعارات: ماذا فعلنا خلال سنة لتقليص بطالة الشباب؟ كم شابًا غادر وضعية لا عمل ولا دراسة ولا تكوين؟
كم شابًا استطاع تأسيس مقاولة واستمرارها؟ كم فرصة أوجدنا في القرى والجبال والمدن الصغيرة، لا في المحاور الكبرى وحدها؟
كيف تطورت المدرسة والجامعة والتكوين المهني؟ كم شابًا دخل السياسة والمؤسسات ومراكز القرار؟
وكم شابًا قرر البقاء في المغرب لأنه أصبح يعتقد فعلًا أن مستقبله يمكن أن يبنى هنا؟
حينها يصبح عيد الشباب أكثر من مناسبة احتفالية، ويتحول إلى موعد للمحاسبة والتقييم وتجديد التعاقد مع الأجيال الجديدة.
المغرب يحتاج إلى «طريق وحدة» جديدة.. لكنها لن تكون كلها من الإسفلت
بعد سبعة عقود على إحداث عيد الشباب، وعلى ملحمة طريق الوحدة، ربما يحتاج المغرب فعلًا إلى طريق وحدة جديدة.
لكنها لن تكون هذه المرة ستين كيلومترًا بين تاونات وكتامة.
إنها طريق بين المدرسة وسوق الشغل، حتى لا تضيع سنوات الدراسة في طابور البطالة.
وطريق بين القرية والمدينة، حتى لا يحدد الرمز البريدي الذي ولد فيه الطفل حجم أحلامه.
وطريق بين الشباب والمؤسسات، حتى لا تصبح المنصة الرقمية الوسيط الوحيد بين الدولة وجيل كامل.
وطريق بين الكفاءة والفرصة، حتى يقتنع الشاب أن العمل والاجتهاد والاستحقاق يمكن أن تقوده إلى حيث يريد.
وطريق بين الشباب والسياسة، حتى ينتقلوا من انتقاد القرارات إلى المشاركة في صناعتها.
وطريق بين المغرب وأبنائه، حتى لا يرى بعضهم في البحر أقصر مسافة بينه وبين حلمه.
إن أعظم درس تركه شباب طريق الوحدة ليس أنهم استطاعوا شق عشرات الكيلومترات وسط التضاريس الصعبة خلال بضعة أشهر.
الدرس الحقيقي هو أن الدولة، عندما قدمت لهم مشروعًا وثقة ومسؤولية ومكانًا داخله، حولوا طاقتهم إلى إنجاز ما زلنا نستحضره بعد نحو سبعين عامًا.
وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن يستعيدها عيد الشباب.
فالاهتمام بالشباب لا يكون بالاحتفاء بهم ليوم واحد، بل بمنحهم دورًا كل يوم.
ولا نحتاج فقط إلى أن نقول لهم إنهم مستقبل المغرب، بل إلى أن نجعلهم شركاء في حاضره.
ولا ينبغي أن ننتظر كل احتجاج أو موجة هجرة حتى نسأل: ماذا وقع لشبابنا؟
الأجدر أن نسأل قبل ذلك:
ماذا فعلنا حتى يجد كل شاب طريقه داخل وطنه؟
فبين شاب حمل المعول ليبني طريق الوحدة، وشاب حمل العلم في المسيرة الخضراء، وآخر حمل لافتة مطالب في الشارع، وجيل نقل احتجاجه إلى الهاتف والمنصة الرقمية، وشاب حمل جسده فوق مياه البحر بحثًا عن الضفة الأخرى، تغيرت الأزمنة والوسائل والأجيال، لكن حقيقة واحدة بقيت ثابتة:
الشباب طاقة وطنية هائلة؛ حين يجد المشروع والثقة والفرصة يبني الطريق، وحين تضيق أمامه الطرق قد يبحث بنفسه عن طريق آخر.