2026 يوليو/جويلية 12 - تم تعديله في [التاريخ]

عَتَبَاتٌ بَارِدَةٌ


لكل من يظن أنه سوي.. كيف تصنع "الفردانية المفرطة" مجتمعاً من المرضى النفسيين؟

العلم الإلكترونية - بقلم حفصة الشادلي (صحافية متدربة)
 
لم يعد مفهوم الاستقلالية مجرد رغبة مشروعة في بناء الذات بل انحرف في وعينا المعاصر ليتحول إلى هدف سوسيولوجي يعرف بـ الفردانية المفرطة. ففي عصرنا الحالي تمت صناعة إنسان متمحور حول ذاته بالكامل ويرى في الآخر تهديدا لمساحته الخاصة.والنتيجة الصادمة هي أن الجنسين أصبحوا يعانون من عجز بنيوي في القدرة على التعايش مع طرف آخر حيث أصبح يُترجم أي اختلاف بسيط كـ قيد للحرية، مما حول الارتباط من أرضية للأمان إلى ساحة قلق دائم واستسهال للتخلي يردد فيه الفرد بيأس "أنا ومن بعدي طوفان".

هذا العجز عن تحمل وجود شريك واقعي يولد في ظله اضطراب سيكولوجي يُعرف بـ المثالية العصابية أي عندما يفشل المرء في تحمل إكراهات علاقة حقيقية تتطلب التنازل، يهرب عقله الباطن لصناعة شريك مثالي كامل الأوصاف، مستوحى من فلاتر الإنستغرام والتيك توك.. والخطير أن الأمر لا يقف عند منصات الإيحاء بل عند منصات تصنع المثالية وتعيد صياغة العلاقات الإنسانية.

و البحث المستمر عن علاقة بلا خدوش يجعل الفرد يعيش حالة من التيه الدائم، فبمجرد أن تظهر العيوب الإنسانية الطبيعية ينتهي الأمر بعبارة "متفاهمناش" ليدخل المرء في دوامة من العلاقات الاستهلاكية السريعة التي تنتهي بـ الإنهاك العاطفي والاكتئاب.

وفي سياق هذه الفردانية المفرطة يظهر نوع من الأشخاص يتقنون الهروب الجغرافي كآلية دفاعية وهم أولئك الذين يعجزون عن مواجهة نضج العلاقة وإكراهاتها الاستقرارية فيختارون أسهل الطرق ومنها، التخلي بحثا عن بداية جديدة مع شريك آخر.
هذا السلوك ليس دليلا على القوة أو التجديد بل هو ذروة النرجسية الاستهلاكية حيث يعتقد هذا الصنف أن تغيير الوجوه وجغرافية الأمكنة يمكن أن يداري شرخه الداخلي، و البحث عن شخص بمقاسات جديدة وسهل التشكيل في محطة قطار جديدة هرباً من من يدرك حقيقته ويطالبه بنضج يعجز عن تقديمه.
الهروب هنا ليس سوى محاولة لبيع الوهم لنفسه ولضحية جديدة متناسيا أن الخلل ليس في عيوب الماضي  بل في الأنا المشوهة التي يحملها في حقيبته أينما ارتحل.

عندما تصل هذه الفردانية المفرطة والمثالية الزائفة إلى محطة التقدم في السن تفرز سلوكا نفسيا يفسره العلم بـ قلق الموت والإنكار النرجسي. وهنا يرفض الشخص المتقدم في السن أو ذاك الذي يعيش مراهقة متأخرة قبول واقع حتمية البيولوجيا والتجاعيد ويرى في شريكه مرآة تزعجه وتذكره بعجزه.

لذلك يفر إلى شريك  يصغره بعقود ليس من أجل الحب بل لاستخدامه كـامتداد نرجسي، أي كأداة يقتات منها على طاقة الشباب ليوهم نفسه والآخرين أنه ما زال في أوج عطائه، مثل من اشترت مرآة سحرية لكي تذكرها في كل مرة كم هي جميلة.

على الجانب الآخر من هذه المعادلة المشوهة يقف الفتيات والشبان الذين ينصاعون لرغبات هؤلاء المصابين بالمراهقة المتأخرة، سوسيولوجياً يقع هؤلاء الشباب في فخ التشييء حيث يحولون أنفسهم وكيانهم العاطفي إلى مجرد سلعة قابلة للمقايضة.

وتحت ضغط الحاجة والمقارنات القاتلة التي تفرضها الشاشات يرى البعض في هذا الارتباط همزة أو تأشيرة عبور مادي سريع تختصر سنوات الركض وراء لقمة العيش، لكن الانصياع الأعمى من أجل الرفاهية ينقل الشباب مباشرة إلى حالة الهيمنة النفسية والاجتماعية من طرف الأكبر سنا فالطرف المصاب بالفردانية والنرجسية لا يبحث عن شريك حياة له كيان بل "كركوزة" تلبي رغبات الأنا المتضخمة للكبير مقابل ثمن مادي يدفع من رصيد الكرامة والاستقلالية الحقيقية.

إن الفردانية المفرطة تبدو في بدايتها كحصن يحمي الحرية الشخصية لكنها في النهاية تتحول إلى زنزانة انفرادية تصيب صاحبها بالاضطرابات النفسية، الركض خلف سراب شريك مثالي أو الهروب من مدينة إلى مدينة لتغيير الوجوه أو ارتماء كبار السن في أحضان الشباب لاستعارة زمن مضى أو انصياع الشباب للكبار من أجل المادة كلها مسكنات مؤقتة لأزمة أعمق وهي الخوف من مواجهة الواقع.

الاستيقاظ الحقيقي يبدأ عندما يدرك الشباب أن الكرامة وبناء الذات بشكل مستقل هما الأمان الحقيقي وأن العلاقات الإنسانية ليست قطع غيار استهلاكية نغيرها كلما طالبنا الواقع بنضج أكبر بل هي مرآة لعمقنا ونضجنا وقدرتنا على بناء أمان حقيقي يقاوم تقلبات الأيام وجغرافية الأمكنة بعيدا عن زيف المظاهر.



في نفس الركن