*بقلم: بوشعيب حمراوي*
الثانويات تفتح أبوابها من جديد، لكن الأزمة لم تُغلق… والطلاب والنقابات يرفعون سقف الضغط في وجه حكومة مقيدة بالميزانية والأسواق
قد تكون أبواب عدد كبير من الثانويات الفرنسية قد فُتحت من جديد، وقد تكون حركة الإغلاق قد تراجعت خلال يومي الأربعاء 7 والخميس 8 أكتوبر 2026، لكن من يعتقد أن الأزمة انتهت لأنه لم يعد يرى العدد نفسه من الحواجز أمام المدارس، يقرأ المشهد من سطحه فقط.
فالنار التي اشتعلت في الثانويات لم تنطفئ، بل تغيّر مكانها واتسع مجالها. انتقلت من الأقسام إلى الجامعات، ومن التلاميذ إلى الطلبة والنقابات، ومن مطالب تتعلق بالأستاذ الغائب والاكتظاظ وParcoursup إلى سؤال أكبر: هل تستطيع الدولة الفرنسية أن تستمر في تمويل نموذجها التعليمي والاجتماعي كما كان، بينما تعاني من عجز مرتفع ودين ثقيل وأسواق مالية تراقب كل قرار جديد؟
ولهذا، فإن الموعد المقبل، الثلاثاء 13 أكتوبر، لم يعد مجرد يوم إضراب آخر، بل أصبح اختبارًا جديدًا لقوة الشارع وقدرة الحكومة على امتصاص الغضب.
◆ من تعبئة كبيرة إلى إعادة ترتيب الصفوف
بعد التعبئة الواسعة ليوم الثلاثاء 6 أكتوبر، التي قدرت السلطات عدد المشاركين فيها بنحو 266 ألف متظاهر، بينما رفعت التنظيمات المحتجة الرقم إلى حوالي 450 ألفًا، دخلت الحركة مرحلة جديدة.
صباح الأربعاء، بدأت نسب إغلاق الثانويات في التراجع، وعادت أغلب المؤسسات إلى العمل، لكن ذلك لم يكن نهاية الاحتجاج.
على العكس، بدأت الجامعات تدخل بقوة أكبر إلى المشهد، وسجلت عشرات المواقع الجامعية حصارًا أو تعطيلًا أو تحركات طلابية، في حين واصلت المنظمات التلاميذية رفع مطالبها.
وهكذا، بدأت الأزمة تتغير في طبيعتها.
فقد تراجع الحصار المدرسي نسبيًا، لكن الضغط السياسي والاجتماعي لم يتراجع بالوتيرة نفسها.
◆ الحكومة تغيّر لغتها
المثير خلال اليومين الأخيرين أن الحكومة نفسها بدأت تتحدث بلغة مختلفة.
رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أقر بأن غضب الشباب لا يأتي من فراغ، وهي جملة مهمة لأنها تحمل اعترافًا سياسيًا ضمنيًا بأن ما يحدث ليس مجرد أعمال شغب أو تمرد مدرسي.
وأعلنت الحكومة فتح خمسة أوراش تتعلق بتعويض الأساتذة المتغيبين، وتحسين الظروف المادية داخل المؤسسات، ومراجعة الزمن المدرسي، وزيادة شفافية Parcoursup، وتوسيع مشاركة التلاميذ داخل الحياة المدرسية.
كما تحدثت عن عشرات الآلاف من المساهمات التي تلقتها منصة التشاور، ووعدت بإعلان أولى القرارات في نهاية أكتوبر.
لكن هنا تبدأ المشكلة.
فالشارع لا يريد فقط الاستماع إليه، بل يريد أن يرى نتائج.
والتلاميذ والطلبة لا يطالبون فقط بحوار رمزي، بل يريدون أساتذة في الأقسام، ومؤسسات لائقة، وتمويلًا حقيقيًا، وتقليصًا للفوارق بين المدارس والمناطق.
وهكذا، انتقلت المواجهة من سؤال: هل ستستمع الحكومة؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: كم ستدفع الحكومة؟
◆ الخميس أعاد المدارس لكنه لم ينهِ الغضب
خلال الخميس 8 أكتوبر، عادت الغالبية الساحقة من الثانويات إلى العمل، وهو مؤشر واضح على أن حركة الإغلاق فقدت جزءًا من قوتها.
لكن في المقابل، استمرت التعبئة في عدد من المدن، وخرج تلاميذ وطلبة في باريس وليون وغيرها، كما ظلت عدة مؤسسات في إيل دو فرانس تعرف اضطرابات أو تجمعات.
وفي الوقت نفسه، أظهرت الأرقام الرسمية أن نسبة مشاركة المدرسين في إضراب الخميس كانت ضعيفة، ولم تتحول حتى الآن إلى موجة وطنية واسعة.
وهذا بالضبط ما يجعل 13 أكتوبر موعدًا حاسمًا.
فالسؤال لم يعد: كم ثانوية ستُغلق؟
بل: هل ستنجح النقابات في إخراج المدرسين بأعداد أكبر؟ وهل ستنجح الحركة الطلابية في المحافظة على الزخم؟ وهل ستتحول المطالب التعليمية إلى أرضية مشتركة بين التلاميذ والطلبة والمدرسين؟
إذا وقع ذلك، فستكون فرنسا أمام أزمة اجتماعية أوسع.
أما إذا بقي الحضور النقابي محدودًا، فقد تبدأ الحركة في فقدان جزء من قدرتها على الضغط.
◆ الخطة الاستعجالية.. هل تأتي قبل فوات الأوان؟
في خضم هذا الضغط، أعلن وزير التربية إعداد خطة استعجالية لتعويض الأساتذة المتغيبين.
وهذا تطور مهم، لأن غياب المدرسين وعدم تعويضهم كان من أكثر الملفات التي غذت غضب التلاميذ.
لكن الإعلان عن الخطة شيء، وتمويلها وتنفيذها شيء آخر.
وفرنسا تعيش اليوم تحت ضغط مالي كبير.
الحكومة تريد خفض العجز، والأسواق تراقب الدين، وكلفة الاقتراض ارتفعت، فيما تحتاج الدولة في الوقت نفسه إلى ضخ مزيد من الأموال في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
وهنا تظهر المفارقة الفرنسية في أوضح صورها:
الشارع يطلب من الدولة أن تنفق أكثر، بينما الأسواق تطلب منها أن تنفق بحذر أكبر.
وهذا التناقض سيجعل كل قرار تعليمي أو اجتماعي جزءًا من معركة الميزانية المقبلة.
◆ الأمن بدوره أصبح جزءًا من الأزمة
خلال الأيام الأخيرة، لم يعد النقاش مقتصرًا على مطالب التعليم.
طريقة تعامل الشرطة مع المتظاهرين تحولت بدورها إلى ملف سياسي وقضائي، خصوصًا بعد الإصابات الخطيرة التي تعرض لها بعض القاصرين وفتح تحقيقات في عدد من التدخلات الأمنية.
وهذا يضع الدولة أمام معادلة دقيقة.
من حقها حماية المؤسسات ومنع التخريب والعنف، لكن عليها أيضًا أن تحذر من أن يتحول تدخلها إلى سبب إضافي للغضب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمراهقين وتلاميذ.
فالمشكلة قد تبدأ في المدرسة، لكنها إذا أسيء تدبيرها أمنيًا، فقد تتحول إلى أزمة ثقة أوسع بين الشباب والدولة.
◆ 13 أكتوبر.. اختبار أكثر من مجرد إضراب
لهذا، فإن الثلاثاء 13 أكتوبر سيكون لحظة مفصلية.
إنه اختبار للحكومة: هل بدأت وعودها تمتص الغضب؟
واختبار للنقابات: هل تستطيع توسيع المشاركة؟
واختبار للحركة الطلابية: هل تستطيع أن تنتقل من الغضب اللحظي إلى ضغط اجتماعي مستمر؟
إذا نجح الإضراب المقبل في جمع التلاميذ والطلبة والمدرسين حول مطالب مشتركة، فقد تتحول الأزمة من ملف تعليمي إلى مواجهة اجتماعية وسياسية أوسع.
أما إذا تراجعت نسب المشاركة واستمرت المؤسسات في العمل بشكل طبيعي، فقد تدخل الحركة مرحلة التهدئة التدريجية.
لكن في الحالتين، شيء واحد أصبح واضحًا.
ما حدث في فرنسا خلال أكتوبر 2026 ليس مجرد احتجاجات مدرسية.
لقد كشف هشاشة علاقة الشباب بالمدرسة، وضغط الميزانية على الخدمات العمومية، وصعوبة الجمع بين دولة اجتماعية واسعة ومالية عامة متعبة.
وقد تفتح المدارس أبوابها من جديد، لكن الأسئلة التي خرجت منها ما تزال مفتوحة.
ولهذا، فإن 13 أكتوبر لن يحدد فقط حجم الإضراب المقبل، بل سيكشف هل كانت فرنسا أمام موجة غضب عابرة، أم أمام بداية أزمة اجتماعية أعادت المدرسة إلى قلب الصراع حول مستقبل الدولة نفسها.
رئيسية 








الرئيسية




