الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
احتجاجات التلاميذ تكشف ما هو أعمق من أزمة تعليم.. وميزانية 2027 تضع حكومة لوكورنو بين ضغط الشارع وخوف الأسواق واستحقاق الرئاسة
لم يعد ما يجري في فرنسا، إلى حدود مساء الاثنين 5 أكتوبر 2026، مجرد حركة احتجاجية يقودها تلاميذ غاضبون أمام أبواب بعض الثانويات، ولا مجرد خلاف تقني بشأن ميزانية الدولة. فكل المؤشرات باتت تتقاطع في نقطة واحدة: فرنسا تدخل مرحلة اجتماعية وسياسية شديدة الحساسية، في وقت تعاني فيه المالية العمومية من ضغط كبير، وتواجه الحكومة برلمانًا منقسمًا، بينما تقترب البلاد بسرعة من الانتخابات الرئاسية لسنة 2027.
شرارة الاحتجاج انطلقت من المدرسة، لكنها بدأت تكشف ما هو أعمق بكثير من المدرسة.
◊ من نقص الأساتذة إلى حركة وطنية
بدأت احتجاجات الثانويات على خلفية نقص الأساتذة، والاكتظاظ، وتردي أو تقادم بعض البنيات المدرسية، والمطالبة بتحسين ظروف الدراسة، إضافة إلى الانتقادات الموجهة إلى منصة الولوج إلى التعليم العالي «Parcoursup».
وخلال أيام، تحولت الحركة إلى واحدة من أكبر التعبئات التلاميذية التي عرفتها فرنسا خلال العقود الأخيرة. ففي ذروة الاحتجاجات، طالت التحركات قرابة 30 في المائة من حوالي 3600 ثانوية بالبلاد. وحتى يوم الاثنين 5 أكتوبر، أعلنت وزارة التربية الفرنسية أن 413 مؤسسة شهدت تحركات أو اضطرابات، مقابل 564 مؤسسة يوم الجمعة، وهو تراجع تعتبره الوزارة نتيجة لبدء الحوار، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء الاحتجاج.
فالحركة دخلت أسبوعها الثالث، وتحولت من احتجاجات محلية إلى تحرك وطني واسع وصل إلى باريس وضواحيها ومدن كبرى وصغرى.
والأهم أن المطالب لم تعد فقط: «أعيدوا الأستاذ إلى القسم»، بل أصبحت تحمل سؤالًا أكبر يتعلق بمستقبل المدرسة العمومية الفرنسية وقدرتها على توفير تكافؤ الفرص.
◊ عندما دخل الأمن إلى قلب الأزمة
ما رفع درجة التوتر هو انتقال جزء من الاحتجاجات من الإغلاق السلمي للثانويات إلى مواجهات وأعمال عنف وتخريب في بعض المواقع، بالتزامن مع تدخلات أمنية واسعة.
وتشير المعطيات المتاحة إلى توقيف أكثر من خمسة آلاف شخص منذ بداية الحركة، معظمهم من القاصرين، مع تسجيل إصابات في صفوف المتظاهرين وقوات الأمن والعاملين بالمؤسسات. وبلغ التوتر مستوى مأساويًا الاثنين، بعد إصابة تلميذ يبلغ من العمر 15 سنة في مدينة لانس وفقدانه إحدى يديه عقب حادث مرتبط بقنبلة لتفريق المتظاهرين، وهو حادث يخضع للتحقيق.
وهنا أصبح الملف أكثر حساسية. فالدولة مطالبة بحفظ النظام وحماية المؤسسات ومنع التخريب، لكنها مطالبة كذلك بالتعامل بحذر شديد مع احتجاجات يقودها قاصرون، وبألّا تتحول معالجة أزمة تربوية إلى مواجهة أمنية تطغى على المطالب الأصلية.
◊ خلف التلاميذ ينتظر غضب اجتماعي أكبر
الخطر بالنسبة للحكومة الفرنسية ليس فقط استمرار إغلاق الثانويات، بل احتمال التقاء الحركة التلاميذية مع احتجاجات قطاعات أخرى.
فموظفو القطاع العام ومدرسون وعاملون في خدمات مختلفة خرجوا بدورهم إلى الاحتجاج رفضًا لإجراءات التقشف المنتظرة، خصوصًا تجميد الأجور والضغط على النفقات الاجتماعية.
وهكذا أصبحت فرنسا أمام غضبين يسيران في الاتجاه نفسه: جيل شاب يطالب باستثمار أكبر في التعليم، وقطاعات مهنية تخشى أن تدفع من أجورها وقدرتها الشرائية ثمن إصلاح المالية العامة.
لذلك يكتسي يوم الثلاثاء 6 أكتوبر أهمية كبيرة، مع الدعوة إلى يوم وطني جديد للتظاهر.
حتى وزير التربية إدوار جوفري وصف التظاهر المقرر الثلاثاء بأنه ممارسة من ممارسات الديمقراطية الاجتماعية وحرية ينبغي احترامها وحمايتها، في مؤشر على رغبة الحكومة في تفادي تحول اليوم إلى مواجهة مفتوحة.
◊ 54 مليار يورو.. الرقم الذي يفسر جانبًا من الغضب
لفهم ما يحدث في الشارع، ينبغي النظر إلى ميزانية 2027.
الحكومة الفرنسية تواجه عجزًا مرتفعًا ودينًا عموميًا بلغ حوالي 119 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وتسعى إلى خفض العجز من نحو 5.4 في المائة سنة 2026 إلى 5 في المائة سنة 2027.
ولبلوغ ذلك، وضعت مشروعًا يتضمن حوالي 54 مليار يورو من إجراءات ضبط المالية العامة، منها نحو 43 مليارًا من التدابير الجديدة لسنة 2027، تشمل تجميد أجور القطاع العام، والحد من ارتفاع بعض المعاشات، وتقليص نفقات في الصحة والجماعات المحلية، إلى جانب إجراءات ضريبية مختلفة.
وهنا توجد العقدة الفرنسية الحقيقية. فالمحتجون يطالبون الدولة بإنفاق أكبر على التعليم والخدمات العمومية، بينما تقول الحسابات المالية إن الدولة مطالبة بخفض النفقات وكبح نمو الدين.
كيف يمكن، إذن، إضافة أساتذة وتحسين المدارس وحماية القدرة الشرائية، وفي الوقت نفسه توفير عشرات المليارات؟
ذلك هو السؤال الذي لا تستطيع أي حكومة حله بالشعارات.
◊ الأسواق تقول كلمتها أيضًا
الأزمة لم تعد حوارًا بين الحكومة والنقابات والشارع.
المستثمرون والأسواق المالية دخلوا بدورهم على الخط.
فقد اتسع الفارق بين عائد السندات الفرنسية والألمانية إلى مستويات أعادت إلى الأذهان توترات أزمة الديون الأوروبية، كما هبط اليورو الاثنين إلى أدنى مستوى له أمام الدولار منذ نحو 17 شهرًا، وسط مخاوف بشأن استقرار المالية الفرنسية وعدم اليقين السياسي.
وتراجعت الأسهم الفرنسية أيضًا يوم الاثنين، بينما ظلت كلفة الاقتراض مرتفعة.
وهذا يعني أن الحكومة محاصرة بين ضغطين متناقضين: شارع يريد إنفاقًا وحماية اجتماعية أكبر، وأسواق تريد عجزًا أقل ودينًا تحت السيطرة.
◊ البرلمان.. المعركة التي قد تكون أخطر من الشارع
ثم يأتي البرلمان. حكومة سيباستيان لوكورنو لا تستند إلى أغلبية مريحة، ومشروع ميزانية بهذه القسوة الاجتماعية لا يمكن أن يعبر بسهولة داخل جمعية وطنية شديدة الانقسام.
لذلك قد لا تكون المعركة الحقيقية أمام أبواب الثانويات فقط، بل داخل البرلمان أيضًا، حيث تستعد المعارضة لمواجهة مشروع الميزانية وإدخال تعديلات عليه، وقد تتطور المواجهة السياسية بحسب كيفية تمريره.
ويزداد الوضع تعقيدًا لأن الانتخابات الرئاسية ستجرى في أبريل وماي 2027.
ومع اقتراب موعدها، سيصبح كل قرار اقتصادي وكل إضراب وكل مواجهة أمنية وكل تنازل حكومي جزءًا من الصراع السياسي والانتخابي.
◊ ماذا بعد 6 أكتوبر؟
لا يمكن الجزم بأن فرنسا ذاهبة إلى انفجار اجتماعي شامل، كما لا يجوز اختزال الاحتجاجات في مجرد «تمرد تلاميذي».
السيناريو الأول أن تنجح الحكومة في فصل الملف التعليمي عن باقي الاحتجاجات، عبر حوار وإجراءات ملموسة وتراجع تدريجي لإغلاق المدارس.
أما السيناريو الثاني، والأكثر إرباكًا للسلطة، فهو أن تلتحم الحركة التلاميذية مع نقابات التعليم والوظيفة العمومية والمتضررين من مشروع الميزانية، فتتشكل جبهة اجتماعية واسعة تجعل الخلاف حول 54 مليار يورو معركة وطنية تتجاوز المدرسة.
وقد يظهر سيناريو ثالث أكثر تعقيدًا: تراجع الاحتجاج التلاميذي مؤقتًا، مع انتقال مركز الأزمة إلى البرلمان والأسواق والانتخابات الرئاسية.
◊ فرنسا أمام امتحان نموذجها الاجتماعي
ما يحدث اليوم يقول شيئًا أعمق. فرنسا التي بنت لعقود نموذجًا اجتماعيًا واسعًا في التعليم والصحة والتقاعد والخدمات العمومية أصبحت مطالبة بالإجابة عن سؤال مؤلم: كيف تحافظ على هذا النموذج في ظل دين يقترب من 120 في المائة من الناتج الداخلي وعجز مالي مزمن؟
ومن سيدفع ثمن الإصلاح؟
التلاميذ؟ المدرسون؟ الموظفون؟ المتقاعدون؟ أم دافعو الضرائب؟
لهذا فإن احتجاجات أكتوبر ليست مجرد أزمة مدرسية. إنها نافذة فُتحت على أزمة أكبر تتعلق بطريقة توزيع أعباء الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي.
وغدًا، الثلاثاء 6 أكتوبر، لن يقدم الجواب النهائي، لكنه سيكون مؤشرًا بالغ الأهمية.
فإما أن تبدأ النار في الانحسار داخل المدارس، وإما أن تخرج من أبواب الثانويات لتلتقي بغضب الموظفين والنقابات ومعركة الميزانية، وعندها لن يكون السؤال: ماذا يحدث في المدارس الفرنسية؟
بل: إلى أين تتجه فرنسا نفسها قبل أشهر قليلة من معركة الرئاسة؟
فرنسا تحت الضغط