الكاتب بوشعيب حمراوي
★ العلم الإلكترونية - بقلم: بوشعيب حمراوي ★
من انفجار 17 أكتوبر إلى تعبئة 70 ألف شرطي ودركي لمواكبة أكثر من 220 تحركًا اليوم… أزمة الأجور والغلاء والخدمات العمومية تتقاطع مع مأزق ميزانية 2027، والخامس من نونبر قد يصبح اختبارًا لقدرة فرنسا على إخراج غضب الشارع من دائرة المواجهة إلى فضاء الحلول
ليست فرنسا مقبلة اليوم الخميس 5 نونبر على مجرد يوم آخر من المظاهرات والإضرابات. فبعد أسابيع متتالية من الاحتجاجات والاضطرابات، أصبح الموعد الجديد اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا للحركة الاجتماعية لمعرفة قدرتها على توسيع قاعدتها والمحافظة على زخمها، واختبارًا للدولة لمعرفة ما إذا كانت ستنجح في حماية حق التظاهر ومنع العنف، من دون أن تتحول المقاربة الأمنية إلى بديل عن الإجابات السياسية والاجتماعية.
فما حدث منذ 17 أكتوبر ليس احتجاجًا عابرًا على مطلب واحد يمكن للحكومة احتواؤه بقرار جزئي. البداية التي ارتبطت بتحركات شبابية وطلابية اتسعت تدريجيًا لتلتقي معها مطالب تتعلق بالقدرة الشرائية، والأجور، والخدمات العمومية، والتفاوتات الاجتماعية، والعمل والصناعة.
وهنا يكمن اختلاف 5 نونبر عن المحطات السابقة. اليوم تدخل النقابات بثقل أكبر إلى الميدان.
◆ من 17 أكتوبر إلى 5 نونبر… الغضب لم يختفِ
شهد يوم 17 أكتوبر واحدة من أكثر موجات الاحتجاج اضطرابًا في فرنسا خلال السنوات الأخيرة. وقدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بحوالي 550 ألف شخص، بينما تحدث المنظمون عن نحو 800 ألف. ومع أن أغلبية المسيرات كانت سلمية، فقد شهدت مدن عدة أعمال عنف ونهب ومواجهات مع الشرطة.
وبعد أسبوع فقط، خرج الفرنسيون مجددًا يوم 24 أكتوبر.
تحدثت وزارة الداخلية عن 410 آلاف متظاهر، بينما قدرتهم النقابات بنحو 800 ألف. وكانت المسيرات أكثر هدوءًا في معظم مراحلها، قبل أن تقع مواجهات في نهايتها في باريس ومرسيليا ومدن أخرى.
وفي 31 أكتوبر تراجعت المشاركة نسبيًا إلى نحو 320 ألف شخص وفق الداخلية، وحوالي نصف مليون وفق المنظمين، لكن الاحتجاج استمر، وهو ما يعني أن تراجع الأعداد لم يؤدِ إلى اختفاء الحركة.
وهنا تكمن النقطة التي ينبغي الانتباه إليها.
ليس المهم فقط أن نسأل: هل أصبح عدد المتظاهرين أكبر أم أصغر؟
الأهم هو أن نسأل: هل تغيرت طبيعة الحركة؟
والجواب يبدو أقرب إلى نعم.
فموعد 5 نونبر لا تقوده فقط شبكات شبابية أو احتجاجات غير مركزية؛ هناك هذه المرة دعوة مشتركة من نقابات CFDT وCGT وFO وUNSA وFSU إلى إضراب وتحركات تشمل العاملين في القطاعين العام والخاص والشباب والمتقاعدين.
وهذا انتقال مهم من غضب اجتماعي واسع لكنه مشتت إلى محاولة إعطائه هيكلة نقابية أكثر وضوحًا.
◆ لماذا يحتج الفرنسيون اليوم؟
ليس هناك مطلب وحيد.
هناك الأجور أولًا.
هناك القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف السكن والطاقة والغذاء.
هناك كذلك وضع الخدمات العمومية، خصوصًا التعليم والصحة.
وهناك التشغيل ومستقبل الصناعة.
النقابات تطالب بفتح مفاوضات لرفع الأجور في الشركات والقطاعات المهنية، وزيادة الحد الأدنى للأجور والمساعدات الاجتماعية، وتحسين أجور موظفي القطاع العام، وتعزيز الموارد المخصصة للخدمات العمومية، إلى جانب إجراءات للعدالة الضريبية ودعم الصناعة والتشغيل.
ويُتوقع أن تمتد الإضرابات إلى التعليم والصحة والوظيفة العمومية والسكك الحديدية والبريد والاتصالات وقطاعات أخرى. وقد دعت النقابات الأربع الكبرى في السكك الحديدية إلى المشاركة في الإضراب.
إذن نحن أمام يوم يمكن أن يجمع في المكان والزمان نفسيهما مطالب كانت تسير سابقًا في مسارات متوازية.
وهنا تحديدًا ستتضح قوة 5 نونبر أو محدوديته.
◆ 70 ألف شرطي ودركي… ماذا تقول الأرقام؟
في الجهة الأخرى، اختارت الدولة إعادة نشر الجهاز الأمني الضخم نفسه الذي استُخدم يوم 31 أكتوبر.
وزير الداخلية لوران نونيز أعلن مساء الأربعاء تعبئة 70 ألف شرطي ودركي عبر فرنسا، لمواكبة أكثر من 220 تحركًا في الفضاء العام. وأوضح أن الأجهزة الأمنية تخشى ظهور مجموعات عنيفة و«بلاك بلوك»، ومسيرات غير معلنة، ومحاولات استهداف متاجر أو مبانٍ عمومية.
وفي باريس رفضت السلطات المسار الذي أرادته النقابات بين الباستيل والكونكورد، وسمحت بدلًا منه بمسار من ساحة الجمهورية إلى ساحة الأمة.
هذه الأرقام تكشف شيئًا يتجاوز الترتيبات الأمنية.
إنها تكشف مقدار فقدان الثقة الذي أصبح يفصل جزءًا من الشارع عن مؤسسات الدولة.
فعندما يصبح كل موعد اجتماعي كبير مناسبة لتعبئة عشرات الآلاف من رجال الأمن، وتقييد المسارات، ومراقبة المحطات والطرق، فإن المشكلة لم تعد فقط مشكلة حفظ نظام.
إنها مشكلة سياسية واجتماعية أيضًا.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أعمال التخريب والنهب التي رافقت بعض التحركات السابقة أعطت الدولة أسبابًا أمنية حقيقية للاستعداد.
وهنا يصبح المطلوب دقيقًا جدًا:
حماية المتظاهر من المخرب، وحماية الممتلكات من التخريب، وحماية الحق في الاحتجاج من أن يتحول هو نفسه إلى ضحية للمقاربة الأمنية.
◆ والمفارقة… البرلمان نفسه يقول للحكومة «لا»
قبل ساعات فقط من موعد 5 نونبر، حدث تطور سياسي لا ينبغي فصله عن المناخ الاجتماعي.
مساء الأربعاء 4 نونبر، رفضت الجمعية الوطنية بالإجماع الجزء الأول من مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027، الخاص بالإيرادات، بنتيجة 458 صوتًا ضد، دون أي صوت مؤيد، مع امتناع نائبين عن التصويت.
وبهذا ستنتقل النسخة الأصلية الحكومية إلى مجلس الشيوخ، بعدما فشل النص المعدل في الحصول على أي تأييد داخل الجمعية الوطنية.
قد يكون لهذا الرفض تفسير برلماني وتقني معقد، لأن التعديلات المتعارضة جعلت النص غير مقبول حتى لدى أطراف شاركت في تعديله.
لكن الصورة السياسية تبقى قوية:
في الليلة التي يستعد فيها عشرات الآلاف للخروج احتجاجًا على الخيارات الاجتماعية والاقتصادية، يفشل مشروع الميزانية في حصد صوت واحد داخل الجمعية الوطنية.
ولا يعني ذلك أن البرلمان أصبح حليفًا للمتظاهرين، ولا أن جميع المعارضين للميزانية يتقاسمون المطالب نفسها.
لكنه يعني أن الحكومة تدخل الخامس من نونبر وهي تواجه مشكلتين متزامنتين:
شارعًا غاضبًا، وبرلمانًا شديد الانقسام.
◆ الخامس من نونبر ليس 17 أكتوبر جديدًا بالضرورة
ومن الخطأ، في رأيي، أن نقيس نجاح اليوم فقط بعدد السيارات المحروقة أو المعتقلين أو المتظاهرين.
فالخامس من نونبر يمكن أن يكون أكثر أهمية سياسيًا حتى لو كان أقل عنفًا.
لماذا؟
لأنه يمكن أن يحدد إن كانت الأزمة ستبقى انتفاضات غضب متقطعة، أم ستتحول إلى حركة اجتماعية منظمة تستطيع النقابات تمثيلها والتفاوض باسمها.
وهذا فرق جوهري. الحركات غير المنظمة تستطيع أن تفاجئ الدولة وتربكها.
لكنها تجد صعوبة كبيرة في تحويل غضبها إلى اتفاقات وقرارات.
أما النقابات، فلديها قيادة، ومطالب مكتوبة، وهياكل، ومحاور تفاوض.
ولهذا سيكون من المهم مراقبة ما سيجري بعد 5 نونبر أكثر مما سيجري خلال 5 نونبر.
هل ستفتح الحكومة باب حوار اجتماعي جديد؟
هل ستقدم تنازلات بشأن الأجور والخدمات؟
هل ستطالب النقابات بموعد احتجاجي جديد؟
هل سيعود الشباب والسترات الصفراء إلى تحركات مستقلة؟
أم ستبدأ الحركة في التراجع تدريجيًا؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية.
◆ بين قوة الدولة وقوة الشارع
فرنسا لا تواجه اليوم مجرد خلاف بين حكومة ومتظاهرين.
إنها تواجه أزمة أعمق تتعلق بالثقة.
حين تقول الدولة إن الأولوية هي النظام العام، فهي تطرح سؤال الأمن.
وحين يقول المتظاهر إن أجره لا يكفيه وإن المستشفى والمدرسة والخدمة العمومية تتراجع، فهو يطرح سؤال العدالة الاجتماعية.
ولا يمكن لسؤال أن يلغي الآخر.
دولة عاجزة عن حماية الشارع ليست دولة قوية.
لكن دولة لا تستطيع سماع الشارع ليست أقوى لمجرد أنها نشرت سبعين ألف عنصر أمني.
وبالمقابل، حركة احتجاجية تسمح للمخربين بالاستيلاء على صورتها تفقد جزءًا من مشروعيتها وقدرتها على إقناع المجتمع.
لذلك، ربما يكون الاختبار الحقيقي اليوم هو قدرة الطرفين على الفصل بين الاحتجاج والعنف وبين الأمن والقمع.
◆ ماذا بعد 5 نونبر؟
هناك من ينظر إلى اليوم الخميس باعتباره لحظة مواجهة.
لكنني أراه أساسًا لحظة قياس.
سيُقاس حجم الاحتجاج.
وسيُقاس حجم الإضراب.
وسيُقاس انضباط المتظاهرين.
وسيُقاس كذلك أسلوب تدخل الشرطة.
وسيُقاس، قبل كل شيء، استعداد الحكومة للانتقال من إدارة المظاهرات إلى معالجة أسبابها.
لأن فرنسا قد تستطيع نشر 70 ألف شرطي في 5 نونبر، ثم العدد نفسه في موعد آخر.
لكن لا يمكن لأي دولة أن تجعل الانتشار الأمني سياسة اجتماعية دائمة.
وفي الاتجاه المعاكس، لا يستطيع الشارع أن يعيش إلى ما لا نهاية على موعد جديد كل أسبوع دون أن تتحول مطالبه إلى حلول واقعية قابلة للتفاوض والتنفيذ.
لهذا فإن السؤال الحقيقي صباح 6 نونبر لن يكون فقط:
كم شخصًا تظاهر؟ وكم شخصًا أوقف؟ وكم متجرًا تضرر؟
السؤال الأهم سيكون:
هل اقتربت فرنسا بعد 5 نونبر خطوة من معالجة أسباب غضبها، أم أنها خرجت من يوم احتجاجي جديد بموعد جديد للاحتجاج؟
هناك تحديدًا ستظهر قيمة الخامس من نونبر السياسية.
ففرنسا اليوم لا تحتاج فقط إلى معرفة من يملك الشارع، ولا من يملك أكبر عدد من عناصر الأمن.
إنها تحتاج إلى معرفة من يستطيع إعادة السياسة إلى مكانها الطبيعي: بين الغضب والقرار، وبين المطالب والحلول.
من قلب باريس تتصاعد الاحتجاجات وسط اختبار جديد لقدرة الدولة الفرنسية على احتواء الغضب الاجتماعي